الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع القتل الذي تجب فيه الدية > الدية في قتل العمد مغلظة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةعليهِ وقيامِ عُذرِه تَخفيفًا عنه ورِفقًا به، والعامِدُ لا عُذرَ له، فلا يَستحقُّ التَّخفيفَ ولا يُوجَدُ فيه المَعنى المُقتضِي للمُواساةِ في الخَطأِ.
إذا ثبَتَ هذا فإنها تَجبُ حالَّةً، وبهذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: تَجبُ في ثَلاثةِ سِنينَ؛ لأنها ديَةُ آدَميٍّ، فكانَتْ مُؤجَّلةً كدِيةِ شبهِ العَمدِ.
ولنا: إنَّ ما وجَبَ بالعَمدِ المَحضِ كانَ حالًّا كالقِصاصِ وأرشِ أطرافِ العَبدِ، ولا يُشبهُ شِبهَ العَمدِ؛ لأنَّ القاتلَ مَعذورٌ لكَونِه لم يَقصدِ القتلَ، وإنما أفضَى إليه مِنْ غيرِ اختيارٍ منه، فأشبَهَ الخَطأَ، ولهذا تَحملُه العاقِلةُ، ولأنَّ القَصدَ التَّخفيفُ على العاقِلةِ الذينَ لم تَصدرْ منهُم جِنايةٌ، وحَمَلوا أداءَ مالٍ مُواساةً، فالأرفَقُ بحالِهم التَّخفيفُ عنهُم، وهذا مَوجودٌ في الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ على السَّواءِ، وأما العَمدُ فإنما يَحملُه الجاني في غيرِ حالِ العُذرِ، فوجَبَ أنْ يكونَ مُلحَقًا ببَدلِ سائرِ المُتلَفاتِ، ويُتصوَّرُ الخِلافُ معَه فيما إذا قتَلَ ابنَه أو قتَلَ أجنَبيًّا وتَعذَّرَ استيفاءُ القِصاصِ لعَفوِ بعضِهم أو غيرِ ذلكَ (١).
الدِّيةُ في قَتلِ العَمدِ مُغلَّظةٌ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الدِّيةَ في قَتلِ العَمدِ مُغلَّظةٌ، وتكونُ حالَّةً وفي مالِ الجاني إجماعًا.
فهي مُغلَّظةٌ مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ: كَونُها على الجاني، وحالَّةً، ومِن جِهةِ السِّنِّ.
(١) «المغني» (٨/ ٢٩٣).
قالَ الإمامُ البَغويُّ رحمة الله عليه: اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ديَةَ الحُرِّ المُسلمِ مِئةٌ مِنْ الإبلِ، ثم هي في العَمدِ المَحضِ مُغلَّظةٌ في مالِ القاتلِ حالَّةٌ (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في صِفةِ تَغليظِها.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنها تَجبُ أرباعًا: خَمسٌ وعِشرونَ بنتَ مَخاضٍ، وخَمسٌ وعِشرونَ بنتَ لَبونٍ، وخَمسٌ وعِشرونَ حِقَّةً، وخَمسٌ وعِشرونَ جَذعةً، وتكونُ في مالِ الجانِي حالَّةً.
إلا أنَّ الإمامَ مالِكًا جعَلَ الدِّيةَ المُغلَّظةَ أثلاثًا: ثَلاثونَ حِقَّةً، وثَلاثونَ جَذعةً، وأربعَونُ خَلفةً وهي الحَواملُ، وليسَتْ عندَه إلا في قتلِ الرَّجلِ ابنَه إذا لم يُقتلْ به (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ إلى أنَّ جِنايةُ قَتلِ العَمدِ الذَّكرِ الحُرِّ المُسلمِ المَحقونِ الدَّمِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ مُثلَّثةً، والمُرادُ بتَثليثِها جَعلُها ثَلاثةَ أقسامٍ وإنْ كانَ بَعضُها أزيَدَ مِنْ بَعضٍ، ثَلاثونَ حِقَّةً، وثَلاثونَ جَذعةً، وأربَعونَ خَلفةً -أي حامِلًا-.
(١) «شرح السنة» (١٠/ ١٨٧).
(٢) «الموطأ» (٢/ ٨٥٠)، و «التمهيد» (١٧/ ٣٥٢)، و «الاستذكار» (٨/ ٤٣، ٤٤)، و «الكافي» (٥٩٦)، و «شرح السنة» للبغوي (١٠/ ١٨٧)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٥٤)، و «الهداية» (٤/ ١٧٧)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ١٢٦)، و «البحر الرائق» (٨/ ٣٧٣)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٣١)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٣٠٧)، و «الكافي» (٤/ ٧٣)، و «المبدع» (٨/ ٣٤٦)، و «الإنصاف» (١٠/ ٥٩، ٦٠)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية
التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.
(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.
ارجع إلى أنواع القتل الذي تجب فيه الدية للاطلاع على جميع المسائل.