الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع القتل الذي تجب فيه الدية > هل يلزم القاتل شيء من الدية ويشترك مع العاقلة أم لا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةصُلحٍ فهيَ في ثَلاثِ سِنينَ، ورَوى أشعَثُ عن الشَّعبيِّ والحَكمُ عن إبراهيمَ قالَا: أوَّلُ مَنْ فرَضَ العَطاءَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ وفرَضَ فيهِ الدِّيةَ كامِلةً في ثَلاثِ سِنينَ، وثُلثَي الدِّيةِ في سَنتينِ والنِّصفُ في سَنتينِ، وما دُونَ ذلكَ في عامِه، قالَ أبو بَكرٍ: استِفاضَ ذلكَ عن عُمرَ ولم يُخالِفْه أحَدٌ مِنْ السَّلفِ، واتَّفقَ فُقهاءُ الأمصارِ عليهِ فصارَ إجماعًا لا يَسعُ خِلافُه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ بينَهُم في أنها مُؤجَّلةٌ في ثَلاثِ سِنينَ؛ فإنَّ عُمرَ وعَليًّا رضي الله عنهما جعَلَا دِيةَ الخَطأِ على العاقِلةِ في ثَلاثِ سِنينَ، ولا نَعرُف لهُما في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فاتَّبعَهم على ذلكَ أهلُ العِلمِ، ولأنه مالٌ يَجبُ على سَبيلِ المُواساةِ، فلَم يَجبْ حالًّا كالزَّكاةِ، وكلُّ دِيةٍ تَحملُها العاقِلةُ تَجبُ مُؤجَّلةً؛ لِما ذكَرْنا، وما لا تَحملُه العاقِلةُ يَجبُ حالًّا؛ لأنه بَدلُ مُتلَفٍ، فلَزمَ المُتلِفَ حالًّا كقِيَمِ المُتلَفاتِ، وفارَقَ الذي تَحملُه العاقِلةُ، فإنه يَجبُ مُواساةً، فأُلزمَ التأجِيل تَخفيفًا على مُتحمِّلِه، وعُدلَ به عن الأصلِ في التأجيلِ كما عُدلَ به عن الأصلِ في إلزامِه غيرَ الجاني (٢).
هل يَلزمُ القاتِلَ شَيءٌ مِنْ الدِّيةِ ويَشتركُ مع العاقِلةِ أم لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في القاتل الجاني هل يَتحمَّلُ شَيئًا مِنْ الدِّيةِ مع العاقِلةِ ويَكونُ كأحَدِهم؟ أم لا يَتحمَّلُ شَيئًا أصلًا وتَكونُ جَميعُها على العاقِلةِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ القاتِلَ أحَدُ العَواقلِ، يَلزمُه مِنْ الدِّيةِ مِثلُ ما يَلزمُ
(١) «أحكام القرآن» (٣/ ١٩٥).
(٢) «المغني» (٨/ ٢٩٧).
أحَدَ العاقِلةِ، فيَدخلُ معَهم في الدِّيةِ ويكونُ كأحَدِهم؛ لأنَّ الإيجابَ على العاقِلةِ لدَفعِ الإجحافِ والاستِئصالِ عن القاتلِ والتَّخفيفِ عليهِ، وذلكَ في الكُلِّ لا في الجُزءِ، ثم الوُجوبُ عليهِم باعتِبارِ النُّصرةِ، ولا شَكَّ أنه يَنصرُ نفْسَه كما يَنصرُه غيرُه، وكما أنه مَعذورٌ غيرُ مُؤاخَذٍ شَرعًا فالعاقِلةُ لا يُؤاخَذونَ بفِعلِه أيضًا، قالَ الله تعالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ومَن لم يَجْنِ فهو أبعَدُ مِنْ المُؤاخَذةِ مِنْ الجاني المَعذورِ، فإذا أوجَبْنا على كلِّ واحِدٍ مِنْ العاقِلةِ جُزءًا مِنْ الدِّيةِ فلَأنْ نُوجِبَ عليهِ مثلَ ذلكَ أَولى؛ وهذا لأنَّ مَحلَّ أداءِ الواجِبِ العطاءُ الذي يخرجُ لهم بطَريقِ الصِّلةِ، وهُم في ذلكَ كنَفسٍ واحِدةٍ، فكمَا يخرجُ العَطاءُ لغَيرِ القاتلِ يخرجُ للقاتلِ (١).
قالَ الإمامُ الزَّيلعيُّ رحمة الله عليه: (والقاتِلُ كأحَدِهم) أي: كواحِدٍ مِنْ العاقِلةِ؛ لأنه هو القاتِلُ، فلا مَعنى لإخراجِه ومُؤاخَذةِ غيرِه به، وقالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: لا يَجبُ على القاتلِ شَيءٌ مِنْ الدِّيةِ؛ لأنه مَعذورٌ، ولهذا لا يَجبُ عليهِ الكُلِّ فكذا البَعضُ؛ إذِ الجُزءُ لا يُخالِفُ الكُلَّ.
قلنَا: إيجابُ الكُلِّ إجحافٌ به، ولا كذلكَ البَعضُ؛ ولأنها تَجبُ للنُّصرةِ، وهو يَنصرُ نفْسَه مثلَ ما يَنصرُه غيرُه بل أشَدَّ، فكانَ أَولى بإيجابٍ عليهِ، فإذا كانَ المُخطئُ مَعذورًا فالبَريءُ منه أَولى، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وعَدمُ وُجوبِ الكُلِّ لا ينفي وُجوبَ البَعضِ،
(١) «المبسوط» (٢٧/ ١٢٦)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٩٨).
ألَا تَرى أنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ العَواقلِ لا يَجبُ عليهِ الكُلُّ، ومع هذا يَجبُ عليهِ البَعضُ، فظهَرَ بذلكَ أنَّ اعتبارَ الجُزءِ بالكُلِّ باطِلٌ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الجاني لا يَحملُ شَيئًا مِنْ الدِّيةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا يَلزمُ القاتِلَ شَيءٌ مِنْ الدِّيةِ، وبهذا قالَ مالكٌ والشافِعيُّ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: هو كواحِدٍ مِنْ العاقِلةِ؛ لأنها وجَبَتْ عليهِم إعانةً له، فلا يَزيدونَ عليهِ فيها.
ولنا: ما رَوى أبو هُريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ «قضَى بديَةِ المَرأةِ على عاقِلتِها» مُتفَقٌ عليهِ، وهذا يَقتضي أنه قَضَى بجَميعِها عليهِم، ولأنه قاتِلٌ لم تَلزمْه الدِّيةُ، فلَم يَلزمْه بعضُها، كما لو أمَرَه الإمامُ بقَتلِ رَجلٍ فقتَلَه يَعتقدُ أنه بحَقٍّ فبانَ مَظلومًا، ولأنَّ الكفَّارةَ تَلزمُ القاتلَ في مالِه، وذلكَ يَعدلُ قِسطَه مِنْ الدِّيةِ وأكثَرَ منه، فلا حاجَةَ إلى إيجابِ شَيءٍ مِنْ الدِّيةِ عليهِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابن هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في الجاني هل يَدخلُ مع العاقِلةِ فيُؤدي معَهم؟
فقالَ أبو حَنيفةَ: هو كأحَدِهم يَلزمُه ما يَلزمُ أحَدَهم.
(١) «تبيين الحقائق» (٦/ ١٧٨، ١٧٩).
(٢) «المغني» (٨/ ٢٩٧)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٩٨).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية
التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.
(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.
ارجع إلى أنواع القتل الذي تجب فيه الدية للاطلاع على جميع المسائل.