الإسلام > الجنايات والحدود > الجزية > الحكمة من مشروعية الجزية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةالمُسلِمينَ، يَجري عليهم حُكمُ اللهِ الذي يَجري على المُؤمِنينَ، ولا يَكونُ لهم في الغَنيمةِ والفَيءِ شَيءٌ إلا أنْ يُجاهِدوا مع المُسلِمينَ؛ فإنْ هُمْ أبَوْا فسَلْهم الجِزيةَ، وإنْ هُمْ أَجابوكَ فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ فإنْ أبَوْا فاستَعِنْ باللهِ وقاتِلْهم» (١).
فقَولُه ﷺ: «فإنْ هم أبَوْا فسَلْهم الجِزيةَ» يَدلُّ على مَشروعيةِ الجِزيةِ وإقرارِها.
وأمَّا الإجماعُ:
فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ المُسلِمونَ على جَوازِ أخذِ الجِزيةِ في الجُملةِ (٢).
وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: أجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ من أهلِ الكِتابِ ومن المَجوسِ (٣).
الحِكمةُ من مَشروعيةِ الجِزيةِ:
قالَ ابنُ مَنظورٍ رحمة الله عليه: قَولُه ﷿: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] قيلَ: مَعناه عن ذُلٍّ وعن اعتِرافٍ للمُسلِمينَ بأنَّ أيديَهم فوقَ أَيدِيهم، وقيلَ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن إنعامٍ عليهم بذلك؛ لأنَّ قَبولَ الجِزيةِ وتَركَ أنفُسِهم عليهم نِعمةٌ عليهم ويَدٌ من المَعروفِ جَزيلةٌ،
(١) رواه مسلم (١٧٣١).
(٢) «المغني» (١٢/ ٦٥٦).
(٣) «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٨).
وقيلَ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن قَهرٍ وذُلٍّ واستِسلامٍ كما تَقولُ: اليَدُ في هذا لفُلانٍ، أي: الأمرُ النافِذُ لفُلانٍ، ورُوي عن عُثمانَ البَزِّيِّ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قالَ: نَقدًا عن ظَهرِ يَدٍ ليسَ بنَسيئةٍ.
وقالَ أبو عُبيدةَ: كلُّ مَنْ أطاعَ لمَن قهَرَه فأَعطاه عن غيرِ طِيبةِ نَفسِه، فقد أَعطاها عن يَدٍ (١).
وقد ذكَرَ المُفسِّرونَ هذه المَعانيَ عندَ تَفسيرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾:
فقالَ الزَّمخشَريُّ رحمة الله عليه: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ إمَّا أنْ يُرادَ يَدُ المُعطي أو الآخِذِ، فمَعناه: على إرادةِ يَدِ المُعطي حتى يُعطُوها عن يَدٍ: أي: عن يَدٍ مُؤاتيةٍ غيرِ مُمتنِعةٍ؛ لأنَّ مَنْ أبى وامتنَعَ لم يُعطِ يَدَه، بخِلافِ المُطيعِ المُنقادِ، ولذلك قالُوا: أعطى بيَدِه، إذا انقادَ وأصحَبَ، ألا تَرى إلى قَولِهم: نزَعَ يَدَه عن الطاعةِ، كما يُقالُ: خلَعَ رِبقةَ الطاعةِ عن عُنقِه، أو حتى يُعطُوها عن يَدٍ إلى يَدٍ نَقدًا غيرَ نَسيئةٍ، لا مَبعوثةً على يَدٍ أحدٍ.
ولكنْ عن يَدِ المُعطي إلى يَدِ الآخِذِ، وأمَّا على إرادةِ يَدِ الآخِذِ فمَعناه: حتى يُعطُوها عن يَدٍ قاهِرةٍ مُستوليةٍ، أو عن إنعامٍ عليهم؛ لأنَّ قَبولَ الجِزيةِ منهم وتَرْكَ أرواحِهم لهم نِعمةٌ عَظيمةٌ عليهم (٢).
وفسَّر الشافِعيُّ الصَّغارَ بإجراءِ حُكمِ الإسلامِ عليهم، حيثُ قالَ: سَمِعتُ رِجالًا من أهلِ العِلمِ يَقولون: الصَّغارُ أنْ يَجريَ عليهم حُكمُ
(١) «لسان العرب» (١٥/ ٤٢٤)، و «تهذيب اللغة» (١٤/ ١٦٩).
(٢) «الكشاف» (٢/ ٢٤٩)، و «التفسير الكبير» للرازي (١٦/ ٢٥).
الإسلامِ، وما أشبَهَ ما قالُوا بما قالُوا؛ لامتِناعِهم من الإسلامِ. فإذا جَرى عليهم حُكمُه فقد أصغَروا بما يَجري عليهم منه، فعلى هذا المَعنى يَكونُ دَفعُ الجِزيةِ من الكافِرينَ ويَكونُ الخُضوعُ لسُلطانِ المُسلِمينَ مُوجِبًا للصَّغارِ (١).
وقالَ ابنُ كَثيرٍ رحمة الله عليه: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن قَهرٍ لهم وغَلبةٍ ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، أي: وهُم ذَليلونَ حَقيرونَ مُهانونَ؛ فلهذا لا يَجوزُ إعزازُ أهلِ الذِّمةِ ولا رَفعُهم على المُسلِمينَ، بل هُمْ أذِلَّاءُ صَغَرةٌ أشقياءُ (٢).
وقالَ الفَخرُ الرازيُّ رحمة الله عليه: ههنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأولُ: كانَ ابنُ الراوَنديِّ يَطعَنُ في القُرآنِ ويَقولُ: إنَّه ذكَرَ في تَعظيمِ كُفرِ النَّصارى قَولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠، ٩١]، فبيَّن أنَّ إظهارَهم لهذا القَولِ بلَغ إلى هذا الحَدِّ، ثم إنَّه لمَّا أخَذَ منهم دِينارًا واحِدًا قرَّرهم عليه وما منَعَهم منه.
والجَوابُ: ليسَ المَقصودُ من أخْذِ الجِزيةِ تَقريرَه على الكُفرِ، بل المَقصودُ منها حَقنُ دَمِه وإمهالُه مُدةً، رَجاءَ أنَّه رُبَّما وقَفَ في هذه المُدةِ على مَحاسِنِ الإسلامِ وقُوةِ دَلائِلِه، فيَنتقِلُ من الكُفرِ إلى الإيمانِ.
السُّؤالُ الثانِي: هل يَكفي في حَقنِ الدَّمِ دَفعُ الجِزيةِ أو لا؟
(١) «أحكام القرآن» للشافعي (٢/ ٦٠).
(٢) «تفسير القرآن العظيم» (٤/ ٩١).
ارجع إلى الجزية للاطلاع على جميع المسائل.