سادسا: ألا يكون من الرهبان المنقطعين للعبادة في الصوامع

الإسلام > الجنايات والحدود > الجزية > سادسا: ألا يكون من الرهبان المنقطعين للعبادة في الصوامع

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 20 دقيقة قراءة

سادسا: ألا يكون من الرهبان المنقطعين للعبادة في الصوامع - الأقوال والأدلة

والصَّحيحُ أنَّها لا تَجِبُ على عاجِزٍ عنها؛ فإنَّ اللهَ لا يُكلِّفُ نَفسًا إلا وُسعَها، وإنَّما فرَضها عُمرُ رضي الله عنه على الفَقيرِ المُعتمِلِ لأنَّه يَتمكَّنُ مِنْ أدائِها بالكَسبِ، فقَواعِدُ الشَّريعةِ كلُّها تَقتَضي ألَّا تَجِبَ على عاجِزٍ كالزَّكاةِ والدِّيةِ والكَفارةِ والخَراجِ و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] ولا واجِبَ مع عَجزٍ ولا حَرامَ مع ضَرورةٍ.

فإنْ قيلَ: نَحنُ لا نُكلِّفُه بها في حالِ إِعسارِه بل تَستقِرُّ دَينًا في ذِمتِه، فمَتى أيسَر طُولِبَ بها لما مَضى كسائرِ الدُّيونِ، قيلَ: هذا مَعقولٌ في دُيونِ الآدَميِّينَ، وأمَّا حُقوقُ اللهِ تَعالى؛ فإنَّه إنَّما أوجَبَها على القادِرينَ دونَ العاجِزينَ.

فإنْ قيلَ: الجِزيةُ أُجرةٌ عن سُكنى الدارِ فتَستقِرُّ في الذِّمةِ.

قيلَ: انتِفاءُ أحكامِ الإجارةِ عنها جَميعِها يَدلُّ على أنَّها ليسَت بأُجرةٍ، فلا يُعرَفُ حُكمٌ من أحكامِ الإجارةِ في الجِزيةِ، وقد تَقدَّمَ أنَّ عُمرَ رضي الله عنه أَجرى على السائِلِ الذِّميِّ رِزقَه من بَيتِ المالِ، فكيفَ يُكلَّفُ أداءَ الجِزيةِ وهو يُرزَقُ من بَيتِ مالِ المُسلِمينَ (١).

سادِسًا: ألاَّ يَكونَ من الرُّهبانِ المُنقَطِعين للعِبادةِ في الصَّوامِعِ:

اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ الرُّهبانَ إذا خالَطوا الناسَ في مَساكِنِهم ومَعايِشِهم فعليهم الجِزيةُ باتِّفاقِ المُسلِمينَ، وهُم أوْلى بها من عَوامِّهم؛ فإنَّهم رُؤوسُ الكُفرِ وهُم بمَنزِلةِ عُلمائِهم وشَمامِستِهم.

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٥٣).

وإنِ انقَطعوا في الصَّوامِعِ والدِّياراتِ ولمْ يُخالِطوا الناسَ في مَعايشِهم ومَساكنِهم، فهل تَجِبُ عليهم الجِزيةُ؟ فيه قَولانِ للفُقهاءِ:

القَولُ الأولُ: أنَّ الجِزيةَ لا تُفرضُ عليهم سَواءٌ كانُوا قادِرينَ على العَملِ والكَسبِ أو غيرَ قادِرينَ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ في رِوايةِ القُدوريِّ ومالِكٍ وأحمدَ في رِوايةٍ والشافِعيِّ في أحدِ قَولَيه.

واحتَجُّوا على ذلك بأنَّهم ليسُوا من أهلِ القِتالِ.

وقد أَوصى الصِّديقُ رضي الله عنه بألَّا يُتعرَّضَ لهم، فقالَ في وَصيَّتِه ليَزيدَ بنِ أبي سُفيانَ حينَ وجَّهَه إلى الشامِ: «لا تَقتُلْ صَبيًّا وَلا امرأةً ولا هَرِمًا، وستَمرُّونَ على أقوامٍ في الصَّوامِعِ احتبَسوا أنفُسَهم فيها، فدَعْهم حتى يُميتَهم اللَّهُ على ضَلالَتِهم، وستَجِدونَ أقوامًا فحَصوا عن أوساطِ رُؤوسِهِم فاضرِبْ ما فحَصوا عنه بالسَّيفِ» (١).

فإذا كانَ الراهِبُ لا يُقتَلُ فهو محَقونُ الدَّمِ بدونِ عَقدِ الذِّمةِ، والجِزيةُ إنَّما وجَبَت لحَقنِ الدَّمِ، فلمْ تَجِبْ عليه، كما لا تَجِبُ على الصَّبيِّ والمَرأةِ، ولأنَّ الراهبَ من جُملةِ الفُقراءِ؛ لأنَّه إنَّما تُرِك له من المالِ اليسَيرُ (٢).

(١) رواه الإمام مالك في «الموطأ» (٩٦٥)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (٥/ ١١٩) رقم (٩٣٧٥)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢/ ١٨٢) رقم (٢٣٨٣) بإسناد منقطع.
(٢) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٥٤)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٧٨)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ١١١)، و «الاختيار» (٤/ ١٤٧)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٢١)، و «الكافي» لابن عبد البر (١/ ٢١٧)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٤٧٩)، و «تفسير القرطبي» (٨/ ١١٢)، و «بداية المجتهد» (١/ ٥٤٠)، و «الحاوي الكبير» (١٤/ ٣٠٠)، و «المهذب» (٢/ ٢٥٢)، و «المغني» (١٢/ ٦٧٤)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٢٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٦٦٠).

وذهَبَ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ نقَلها عنه مُحمدُ بنُ الحَسنِ، وهو قَولُ أبي يُوسفَ وأحمدَ في رِوايةٍ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ إلى أنَّ الجِزيةَ تَجِبُ على الرُّهبانِ إذا كانُوا قادِرينَ على العَملِ.

وقد استَدلَّ مَنْ قيَّدَ أخْذَ الجِزيةِ من الرُّهبانِ بالقُدرةِ على العَملِ بأمرَينِ:

الأولُ: أنَّ المُعتمِلَ إذا ترَك العَملَ تُؤخذُ منه الجِزيةُ، فكذلك الراهِبُ القادِرُ على العَملِ.

والثانِي: أنَّ الأرضَ الخَراجيةَ الصالِحةَ للزِّراعةِ لا يَسقُطُ عنها الخَراجُ بتَعطيلِ المالِكِ لها عن الزِّراعةِ، فكذلك الراهِبُ القادِرُ على العَملِ لا تَسقطُ عنه الجِزيةُ إذا ترَك العَملَ.

هذا بالإضافةِ إلى الأدِلةِ التي استَدلَّ بها أصحابُ المَذهبِ الأولِ على عَدمِ أخذِ الجِزيةِ من الراهِبِ، فقد استَدلَّ بها أصحابُ هذا المَذهبِ، وحمَلوها على الراهِبِ غيرِ المُعتمِلِ الذي يَعيشُ على صَدقاتِ المُوسِرينَ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ وأبو ثَورٍ، وإليه مالَ ابنُ القَيمِ إلى أنَّ الجِزيةَ تَجِبُ على الرُّهبانِ الذين يَنقطِعونَ للعِبادةِ في الأديرةِ والصَّوامعِ، سَواءٌ أكانُوا مُوسِرينَ أو غيرَ مُوسِرينَ، قادِرينَ على العَملِ أو غيرَ قادِرينَ.

(١) المَصادِر السَّابِقَة.

واستدَلُّوا لذلك بعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فهو يَشمَلُ الرُّهبانَ القادِرينَ على العَملِ وغيرَ القادِرينَ، المُوسِرينَ وغيرَ المُوسِرينَ، وبعُمومِ الأحاديثِ القاضيةِ بأخذِ الجِزيةِ من كلِّ بالِغٍ كحَديثِ مُعاذٍ السابِقِ: أمَرَه أنْ يَأخذَ من كلِّ حالِمٍ دينارًا. وبحَديثِ عُمرَ السابِقِ: ولا يَضرِبوها إلا على من جرَت عليه المُوسَى، وبما رَوى أبو عُبيدٍ وغيرُه عن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ: أنَّه فرَضَ على رُهبانِ الدِّياراتِ على كلِّ راهِبٍ دِينارَينِ (١).

قالَ أبو عُبيدٍ رحمة الله عليه: ولا أَرى عُمرَ فعَلَ هذا إلا لعِلمِه بطاقَتِهم له، وأنَّ أهلَ دِينِهم يَتحمَّلونَ ذلك لهم، كما أنَّهم يَكْفونهم جَميعَ مُؤْناتِهم (٢).

وأمَّا المَعقولُ، فمِن وَجهَينِ:

الأولُ: أنَّ الجِزيةَ عِوضٌ عن حَقنِ الدَّمِ، وأنَّ الراهِبُ غيرُ مَحقونِ الدَّمِ -وهذا عندَ الشافِعيةِ كما سبَقَ في كِتابِ الجِهادِ-، فتَجِبُ عليه الجِزيةُ لحَقنِ الدَّمِ.

والثانِي: أنَّ الجِزيةَ عِوضٌ عن سُكنى دارِ الإسلامِ، وأنَّ الراهِبَ كغيرِه في الانتِفاعِ بالدارِ، فلا تَسقُطُ عنه الجِزيةُ (٣).

(١) رواه أبو عبيد في «الأموال» (١/ ٥٢) رقم (١٠٩).
(٢) «الأموال» (١/ ٥٢).
(٣) «الأم» (٤/ ١٧٦)، و «المهذب» (٢/ ٢٥٢)، و «روضة الطالبين» (١٠/ ٣٠٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٤٦)، و «نهاية المحتاج» (٨/ ٨٥).

وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه عن الرُّهبانِ الذين يُشارِكونَ الناسَ في غالِبِ الدُّنيا فيَتَّجِرونَ ويَتَّخِذونَ المَزارِعَ وأبراجَ الحَمامِ وغيرَ ذلك من الأُمورِ التي يَتَّخِذُها سائِرُ الناسِ فيما هُمْ فيه الآنَ، وإنَّما ترهَّبَ أحدُهم في اللِّباسِ وتَرْكِ النِّكاحِ وأكْلِ اللَّحمِ والتَّعبُّدِ بالنَّجاسةِ ونَحوِ ذلك، وقد صارَ مَنْ يُريدُ إسقاطَ الجِزيةِ من النَّصارى يَترهَّبُ هذا التَّرهُّبَ لسُقوطِ الجِزيةِ عنه، ويَأخذونَ من الأموالِ المَحبوسةِ والمَنذورةِ ما يَأخذونَ، فهل يَجوزُ أخذُ الجِزيةِ من هؤلاء أو لا، وهل يَجوزُ إسكانُهم بِلادَ المُسلِمينَ مع رَفعِ الجِزيةِ عنهم أو لا؟ أفتُونا مَأجورينَ.

فأجابَ رضي الله عنه: الحَمدُ للهِ، الرُّهبانُ الذين تنازَعَ العُلماءُ في قَتلِهم وأخذِ الجِزيةِ منهم هُمْ المَذكورونَ في الحَديثِ المأثورِ عن خَليفةِ رَسولِ اللهِ أبي بَكرٍ الصِّديقِ رضي الله عنه أنَّه قالَ في وَصيَّتِه ليَزيدَ بنِ أبي سُفيانَ لمَّا بعَثَه أميرًا على فَتحِ الشامِ، فقالَ له في وَصيَّتِه: «وستَجِدونَ أقوامًا قد حبَسوا أنفُسَهم في الصَّوامعِ فذَروهم وما حبَسوا أنفُسَهم له، وستَجِدونَ أَقوامًا قد فحَصوا عن أَوساطِ رُؤوسِهم فاضرِبوا ما فحَصوا عنه بالسَّيفِ، وذلك بأنَّ اللهَ يَقولُ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]».

وإنَّما نَهى عن قَتلِ هؤلاء؛ لأنَّهم قَومٌ مُنقطِعونَ عن الناسِ مَحبوسونَ في الصَّوامعِ، يُسمَّى أحدُهم حَبيسًا لا يُعاوِنونَ أهلَ دينِهم على أمرٍ فيه ضَررٌ

على المُسلِمينَ أصلًا، ولا يُخالِطونهم في دُنياهم، ولكنْ يَكتفي أحدُهم بقَدرِ ما يَتبلَّغُ به، فتنازَعَ العُلماءُ في قَتلِهم كتَنازُعِهم في قَتلِ مَنْ لا يَضُرُّ المُسلِمينَ لا بيَدِه ولا بلِسانِه كالأَعمى والزَّمِنِ والشَّيخِ الكَبيرِ ونَحوِه كالنِّساءِ والصِّبيانِ.

فالجُمهورُ يَقولونَ: لا يُقتَلُ إلا مَنْ كانَ من المُعاوِنينَ لهم على القِتالِ في الجُملةِ وإلا كانَ كالنِّساءِ والصِّبيانِ.

ومنهم مَنْ يَقولُ: بل مُجرَّدُ الكُفرِ هو المُبيحُ للقَتلِ، وإنَّما استُثني النِّساءُ والصِّبيانُ لأنَّهم أموالٌ، وعلى هذا الأصلِ يَنبَني أخذُ الجِزيةِ.

وأمَّا الراهِبُ الذي يُعاوِنُ أهلَ دِينِه بيَدِه ولِسانِه مِثلَ أنْ يَكونَ له رأيٌ يَرجِعونَ إليه في القِتالِ، أو نَوعٌ من التَّحضيضِ، فهذا يُقتَل باتِّفاقِ العُلماءِ إذا قُدِر عليه، وتُؤخذُ منه الجِزيةُ وإنْ كانَ حَبيسًا مُنفرِدًا في مُتعبَّدِه، فكيف بمَن هُمْ كسائرِ النَّصارى في مَعايشِهم ومُخالطتِهم الناسَ واكتِسابِ الأموالِ بالتِّجاراتِ والزِّراعاتِ والصِّناعاتِ واتِّخاذِ الدِّياراتِ الجامِعاتِ لغيرِهم، وإنَّما تَميَّزوا على غيرِهم بما يُغلِّظُ كُفرَهم ويَجعلُهم أئِمةً في الكُفرِ مِثلَ التَّعبُّدِ بالنَّجاساتِ وتَركِ النِّكاحِ واللَّحمِ واللِّباسِ الذي هو شِعارُ الكُفرِ، لا سيَّما وهُم الذين يُقيمونَ دِينَ النَّصارى بما يُظهِرونه من الحِيَلِ الباطِلةِ التي صنَّفَ الفُضلاءُ فيها مُصنَّفاتٍ، ومِن العِباداتِ الفاسِدةِ وقَبولِ نُذورِهم وأَوقافِهم.

والراهِبُ عندَهم شَرطُه تَركُ النِّكاحِ فقط، وهُم مع هذا يُجوِّزونَ أنْ يَكونَ بَتركًا وبَطرقًا وقِسِّيسًا وغيرَهم من أئِمةِ الكُفرِ الذين يَصدُرونَ عن أمرِهم ونَهيِهم، ولهم أنْ يَكتسِبوا الأموالَ كما لغيرِهم مثلُ ذلك؛ فهؤلاء لا يَتنازَعُ العُلماءُ في أنَّهم من أحَقِّ النَّصارى بالقَتلِ عندَ المُحارَبةِ وبأخذِ الجِزيةِ عندَ المُسالَمةِ، وأنَّهم من جِنسِ أئِمةِ الكُفرِ الذين قالَ فيهم الصِّديقُ رضي الله عنه ما قالَ، وتَلا قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢].

ويُبيِّنُ ذلك أنَّه قد قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ا التوبة: ٣٤] وقد قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)[التوبة: ٣١].

فهل يَقولُ عالِمٌ: إنَّ أئِمةَ الكُفرِ الذين يَصُدُّونَ عَوامَّهم عن سَبيلِ اللهِ، ويَأكلونَ أموالَ الناسِ بالباطِلِ ويَرضَونَ بأنْ يُتَّخَذوا أربابًا من دونِ اللهِ لا يُقاتِلونَ ولا تُؤخذُ منهم الجِزيةُ مع كَونِها تُؤخذُ من العامةِ الذين هُمْ أَقلُّ منهم ضَررًا في الدِّين وأَقلُّ أموالًا، لا يَقولُه مَنْ يَدرى ما يَقولُ، وإنَّما وقَعت الشُّبهةُ لما في لفظِ الراهِبِ من الإجمالِ والاشتِراكِ، وقد بيَّنَّا أنَّ الأثرَ الوارِدَ مُقيَّدٌ مَخصوصٌ وهو يُبيِّنُ المَرفوعَ في ذلك، وقد اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ عِلةَ المَنعِ هي ما بيَّنَّاه.

فهؤلاء المَوصوفونَ تُؤخذُ منهم الجِزيةُ بلا رَيبٍ ولا نِزاعٍ بينَ أئِمةِ العِلمِ؛ فإنَّه يُنتزَعُ منهم ولا يَحِلُّ أنْ يُترَكَ شَيءٌ من أرضِ المُسلِمينَ التي فتَحُوها عَنوةً وضُرِبت الجِزيةُ عليها؛ ولِهذا لم يَتنازَعْ فيه أهلُ العِلمِ من أهلِ المَذاهبِ المَتبوعةِ من الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في أنَّ أرضَ مِصرَ كانَت خَراجيَّةً، وقد ثبَتَ ذلك في الحَديثِ الصَّحيحِ الذي في صَحيحِ مُسلمٍ حيثُ قالَ: «مَنَعتِ العِراقُ دِرهَمَها وقَفيزَها، ومَنَعتِ الشامُ مُدَّها ودِينارَها، ومَنَعتْ مِصرُ إردَبَّها ودِرهَمَها، وعُدتُمْ من حيثُ بَدأتُمْ»، لكنِ المُسلِمونَ لمَّا كَثُروا نقَلوا أرضَ السَّوادِ في أوائِلِ الدَّولةِ العَباسيةِ من المُخارَجةِ إلى المُقاسَمةِ، ولذلك نقَلوا مِصرَ إلى أنِ استَغلوها هُم، كما هو الواقِعُ اليَومَ، ولذلك رُفعَ عنها الخَراجُ.

ومِثلُ هذه الأرضِ لا يَجوزُ باتِّفاقِ المُسلِمينَ أنْ تُجعلَ حَبسًا على مِثلِ هؤلاء، يَستغلُّونها بغيرِ عِوضٍ، فعلِمَ أنَّ انتِزاعَ هذه الأرضِينَ منهم واجِبٌ باتِّفاقِ عُلماءِ المُسلِمينَ، وإنَّما استَولَوْا عليها بكَثرةِ المُنافِقينَ من المُنتسِبينَ إلى الإسلامِ في الدَّولةِ الرافِضيةِ، واستمَرَّ الأمرُ على ذلك، وبسَببِ كَثرةِ الكُتَّابِ والدَّواوينِ منهم ومن المُنافِقينَ يَتصرَّفونَ في أموالِ المُسلِمينَ بمِثلِ هذا كما هو مَعروفٌ من عَملِ الدَّواوينِ من الكافِرينَ والمُنافِقينَ.

ولِهذا يُوجَدَ لمَعابِدِ هؤلاء الكُفارِ من الأحباسِ ما لا يُوجَدَ لمَساجِدِ المُسلِمينَ ومَساكنِهم للعِلمِ والعِبادةِ، مع أنَّ الأرضَ كانَت خَراجيةً باتِّفاقِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 479 - 486

ارجع إلى الجزية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد