الإسلام > الجنايات والحدود > الجزية > لماذا وجبت الجزية؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 30 دقيقة قراءةخَلقُ آدمَ عليه السلام على وَفقِ الحِكمةِ، وأكثَرُ ذُرِّيتِه كُفارٌ، وعندَ ذلك لمْ تُشرَعْ الجِزيةُ لمَصلَحةِ المَأخوذِ فقط، بل لما أُشيرَ إليه، ولا كذلك أخذُ العِوضِ عن المَعصيةِ لرُجحانِ مَفسَدتِه بكلِّ اعتِبارٍ (١).
وقالَ العِزُّ بنُ عبدِ السَّلامِ: المِثالُ الخامِسُ والثَّلاثونَ: التَّقريرُ بالجِزيةِ، وهو مُختصٌّ بأهلِ الكِتابَينِ والمَجوسِ؛ لإيمانِهم بالكُتُبِ السَّماويةِ التي يُوافِقُ مُعظَمُ أحكامِها أحكامَ الإسلامِ، فخَفَّ كُفرُهم لإيمانِهم بتلك الأحكامِ، بخِلافِ مَنْ جحَدَها؛ فإنَّه كذَّبَ اللهَ سُبحانَه في مُعظمِ أَحكامِه وكَلامِه، فكانَ كُفرُه أغلَظ، بخِلافِ مَنْ آمَنَ بالأكثَرِ وكفَرَ بالأقَلِّ.
ولا تُؤخذُ الجِزيةُ عن تَقريرِهم على الكُفرِ؛ إذْ ليسَ مِنْ إِجلالِ الرَّبِّ أنْ تُؤخذَ الأَعواضُ على التَّقريرِ على سَبِّه وشَتمِه ونِسبَتِه إلى ما لا يَليقُ بعَظمَتِه، ومَن ذهَبَ إلى ذلك فقد أبعَدَ.
وإنَّما الجِزيةُ مأخوذةٌ عِوضًا عن حَقنِ دِمائِهم وصيانةِ أموالِهم وحُرَمِهم وأطفالِهم مع الذَّبِّ عنهم إنْ كانُوا في ديارِنا، وليسَت مَأخوذةً عن سُكنى دارِ الإسلامِ؛ إذْ يَجوزُ عَقدُ الذِّمةِ مع تَقريرِهم في ديارِهم (٢).
لِماذا وجَبَت الجِزيةُ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في حَقيقةِ الجِزيةِ، هل هي عُقوبةٌ على الإصرارِ على الكُفرِ، أو أنَّها عِوضٌ عن مُعوَّضٍ، أو أنَّها صِلةٌ ماليةٌ وليسَت عِوضًا عن شَيءٍ؟
(١) «بدائع السلك» (٢/ ١٨٢).
(٢) «القواعد الكبرى» (١/ ١٤٩).
فذهَبَ أبو حَنيفةَ وبَعضُ المالِكيةِ وابنُ القَيمِ من الحَنابِلةِ إلى أنَّها وجَبَت عُقوبةً على الإصرارِ على الكُفرِ، ولِهذا لا تُقبَلُ من الذِّميِّ إذا بعَثَ بها مع شَخصٍ آخَرَ، بل يُكلَّفُ أنْ يأتِيَ بها بنَفسِه، فيُعطيَ قائِمًا والقابِضُ منه يَكونُ قاعِدًا.
قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: ولِأبي حَنيفةَ رحمة الله عليه أنَّها وجَبَت عُقوبةً على الإصرارِ على الكُفرِ على ما بَيَّناه ولِهذا لا تُقبَلُ منه لو بعَثَ على يَدِ نائِبِه في أصَحِّ الرِّواياتِ بل يُكلَّفُ أنْ يأتِيَ بها بنَفسِه فيُعطيَ قائِمًا والقابِضُ منه يَكونُ قاعِدًا، وفي رِوايةٍ يَأخذُ بتَلبيبِه ويَهُزُّه هَزًّا ويَقولُ: أعطِ الجِزيةَ يا ذِميُّ، فثبَتَ أنَّها عُقوبةٌ (١).
واستدَلُّوا لذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].
قالَ ابنُ عَباسٍ في تَفسيرِ قَولِه: ﴿عَنْ يَدٍ﴾: يَدفعُها بنَفسِه غيرَ مُستَنيبٍ فيها أحَدًا (٢)، فلا بدَّ من أداءِ الجِزيةِ وهو بحالةِ الذُّلِّ والصَّغارِ عُقوبةً له على الإصرارِ على الكُفرِ.
ولأنَّ الجِزيةَ مُشتقةٌ من الجَزاءِ، وهو إمَّا أنْ يُطلقَ على الثَّوابِ بسَببِ الطاعةِ، وإمَّا أنْ يُطلَقَ على العُقوبةِ بسَببِ المَعصيةِ، ولا شَكَّ في انتِفاءِ الأولِ؛ لأنَّ الكُفرَ مَعصيةٌ وشَرٌّ، وليسَ طاعةً، فيَتعيَّنُ الثانِي للجَزاءِ: وهو العُقوبةُ بسَببِ الكُفرِ.
(١) «شرح فتح القدير» (٢/ ١٦١)، و «العناية شرح الهداية» (٨/ ١٠٥).
(٢) «تفسير القرطبي» (٨/ ١١٥).
قالَ ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: واستَدلَّ عُلماؤُنا على أنَّها عُقوبةٌ بأنَّها وجَبَت بسَببِ الكُفرِ وهو جِنايةٌ، فوجَبَ أنْ يَكونَ مُسبِّبُها عُقوبةً، ولذلك وجَبَت على مَنْ يَستحِقُّ العُقوبةَ وهُم البالِغونَ العُقلاءُ المُقاتِلونَ (١).
ولأنَّ الواجِبَ في حَقِّ الكُفارِ ابتِداؤُهم القَتلَ عُقوبةً لهم على الكُفرِ، فلمَّا دفَعَ عنهم القَتلَ بعَقدِ الذِّمةِ الذي يَتضمَّنُ الجِزيةَ، صارَت الجِزيةُ عُقوبةً بَدلَ عُقوبةِ القَتلِ.
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ: إلى أنَّ الجِزيةَ تَجِبُ على أهلِ الذِّمةِ عِوضًا عن مُعوَّضٍ، ثم اختَلفُوا بعد ذلك في المُعوَّضِ الذي تَجِبُ الجِزيةُ بَدلًا منه.
فقالَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: اختَلفَ العُلماءُ فيما وجَبَت الجِزيةُ عنه:
فقالَ عُلماءُ المالِكيةِ: وجَبَت بَدلًا من القَتلِ بسَببِ الكُفرِ.
وقالَ بعضُ الحَنفيَّة بقَولِنا، وقالَ الشافِعيُّ: بَدلًا من حَقنِ الدَّمِ وسُكنى الدارِ.
وقالَ بَعضُهم من أهلِ ما وَراءَ النَّهرِ: إنَّما وجَبَت بَدلًا من النُّصرةِ بالجِهادِ، واختارَه القاضي أبو زَيدٍ، وزعَمَ أنَّه سِرُّ اللهِ ﷾ في المَسألةِ.
واستَدلَّ عُلَماؤُنا على أنَّها عُقوبةٌ بأنَّها وجَبَت بسَببِ الكُفرِ وهو جِنايةٌ، فوجَبَ أنْ يَكونَ مُسبِّبُها عُقوبةً، ولِذلك وجَبَت على مَنْ يَستحِقُّ العُقوبةَ وهُم البالِغونَ العُقَلاءُ المُقاتِلونَ.
(١) «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٤٨١).
وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ: الدَّليلُ على أنَّها وجَبَت بَدلًا من حَقنِ الدَّمِ وسُكنى الدارِ أنَّها تَجِبُ بالمُعاقَدةِ والتَّراضي، ولا تَقِفُ العُقوباتُ على الاتِّفاقِ والرِّضا، وأيضًا فإنَّها تَختلِفُ باليسَارِ والإعسارِ، ولا تَختلِفُ العُقوباتُ بذلك، وأيضًا فإنَّ الجِزيةَ تَجِبُ مُؤجَّلةً، والعُقوباتِ تَجِبُ مُعجَّلةً، وهذا لا يَصحُّ.
وأمَّا قَولُهم: إنَّها وجَبَت بالرِّضا فغيرُ مُسلَّمٍ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَنا بقِتالِهم حتى يُعطوها قَهرًا.
وأمَّا إنكارُهم اختِلافَ العُقوباتِ بالقِلةِ واليسَارِ فذلك باطِلٌ من الإنكارِ؛ لأنَّ ذلك إنَّما يَبعدُ في العُقوباتِ البَدنيةِ دونَ الماليةِ، ألَا تَرى أنَّ العُقوباتِ البَدنيةَ تَختلِفُ بالثُّيوبةِ والبَكارةِ والإنكارِ، فكما اختَلفَت عُقوبةُ البَدنِ باختِلافِ صِفةِ المُوجَبَ عليه لا يُستنكَرُ أنْ تَختلِفَ عُقوبةُ المالِ باختِلافِ صِفةِ المالِ في الكَثرةِ والقِلةِ.
وأمَّا تأجيلُها فإنَّما هو بحسَبِ ما يَراهُ الإمامُ مَصلَحةً، وليسَ ذلك بضَربةِ لازِبٍ فيها، وقد استَوفَيناها في مَسائلِ الخِلافِ.
وفائِدتُها أنَّا إذا قُلنا: إنَّها بَدلٌ من القَتلِ فإذا أسلَمَ سقَطت عنه لسُقوطِ القَتلِ.
وعندَ الشافِعيِّ أنَّها دَينٌ استقَرَّ في الذِّمةِ فلا يُسقِطُه الإسلامُ كأُجرةِ الدارِ (١).
(١) «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٤٨٠، ٤٨١)، و «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٨/ ١١٤).
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الجِزيةُ عُقوبةٌ تَجِبُ بسَببِ الكُفرِ فيُسقِطُها الإسلامُ كالقَتلِ (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: سَببُ وَضعِ الجِزيةِ:
والمَسألةُ مَبنيةٌ على حَرفٍ، وهو أنَّ الجِزيةَ هل وُضِعت عاصِمةً للدَّمِ أو مَظهَرَا لصَغارِ الكُفرِ وإِذلالِ أهلِه، فهي عُقوبةٌ؟
فمَن راعى فيها المَعنى الأولَ قالَ: لا يَلزمُ من عَصمِها لدَمِ مَنْ خَفَّ كُفرُه بالنِّسبةِ إلى غيرِه وهُم أهلُ الكِتابِ أنْ تَكونَ عاصِمةً لدَمِ مَنْ يَغلُظُ كُفرُه.
ومَن راعَى فيها المَعنى الثانِي قالَ: المَقصودُ إظهارُ صَغارِ الكُفرِ وأهلِه وقَهرِهم، وهذا أمرٌ لا يَختصُّ بأهلِ الكِتابِ بل يَعُمُّ كلَّ كافرٍ.
قالُوا: وقد أَشارَ النَّصُّ إلى هذا المَعنى بعَينِه في قَولِه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فالجِزيةُ صَغارٌ وإذلالٌ؛ ولِهذا كانَت بمَنزِلةِ ضَربِ الرِّقِّ.
ثم قالَ: وسِرُّ المَسألةِ أنَّ الجِزيةَ من بابِ العُقوباتِ لا أنَّها كَرامةٌ لأهلِ الكِتابِ فلا يَستحِقُّها سِواهم.
وأمَّا مَنْ قالَ: إنَّ الجِزيةَ عِوَضٌ عن سُكنى الدارِ -كما يَقولُه أصحابُ الشافِعيِّ- فهذا القَولُ ضَعيفٌ من وُجوهٍ كَثيرةٍ سيأتي التَّعرُّضُ إليها فيما بَعدُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
(١) «المغني» (١٢/ ٦٧٦)، و «الكافي» (٤/ ٣٥٤).
قالُوا: ولأنَّ القَتلَ إنَّما وجَبَ في مُقابَلةِ الحِرابِ لا في مُقابَلةِ الكُفرِ، ولذلك لا يُقتَلُ النِّساءُ ولا الصِّبيانُ ولا الزَّمْنى والعُميانُ ولا الرُّهبانُ الذين لا يُقاتِلونَ، بل نُقاتِلُ مَنْ حارَبَنا.
وهذه كانَت سيرةَ رَسولِ اللهِ ﷺ في أهلِ الأرضِ، كانَ يُقاتِلُ مَنْ حارَبَه إلى أنْ يَدخُلَ في دِينِه أو يُهادِنَه أو يَدخُلَ تحتَ قَهرِه بالجِزيةِ، وبهذا كانَ يأمُرُ سَراياه وجُيوشَه إذا حارَبوا أَعداءَهم كما تَقدَّمَ من حَديثِ بُرَيدةَ، فإذا ترَكَ الكُفارُ مُحارَبةَ أهلِ الإسلامِ وسالَموهم وبذَلوا لهم الجِزيةَ عن يَدٍ وهُم صاغِرونَ كانَ في ذلك مَصلَحةٌ لأهلِ الإسلامِ ولِلمُشرِكينَ.
أمَّا مَصلَحةُ أهلِ الإسلامِ فما يأخُذونَه من المالِ الذي يَكونُ قُوةً للإسلامِ مع صَغارِ الكُفرِ وإِذلالِه، وذلك أنفَعُ لهم مِنْ تَركِ الكُفارِ بلا جِزيةٍ.
وأمَّا مَصلَحةُ أهلِ الشِّركِ فهي ما في بَقائِهم من رَجاءِ إسلامِهم إذا شاهَدوا أعلامَ الإسلامِ وبَراهينَه أو بَلغَتهم أخبارُه فلا بدَّ أنْ يَدخُلَ في الإسلامِ بَعضُهم، وهذا أحَبُّ إلى اللهِ ﷾ مِنْ قَتلِهم.
والمَقصودُ إنَّما هو أنْ تَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا ويَكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ، وليسَ في إبقائِهم بالجِزيةِ ما يُناقِضُ هذا المَعنى، كما أنَّ إبقاءَ أهلِ الكِتابِ بالجِزيةِ بينَ ظُهورِ المُسلِمينَ لا يُنافي كَونَ كَلِمةِ اللهِ ﷾ هي العُليا، وكَونَ الدِّينِ كلِّه للهِ ﷾؛ فإنَّ مِنْ كَونِ الدِّينِ كلِّه للهِ إذلالَ الكُفرِ وأهلِه وصَغارَه وضَربَ الجِزيةِ على رُؤوسِ أهلِه ومنه الرِّقَّ على رِقابِهم، فهذا مِنْ دينِ اللهِ ﷾، ولا يُناقِضُ هذا إلا تَركُ الكُفارِ على
عِزِّهم وإقامةِ دِينِهم كما يُحبُّونَ؛ بحيثُ تَكونُ لهم الشَّوكةُ والكَلِمةُ، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
ثم قالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه وهو يَرُدُّ قَولَ الشافِعيِّ: فَصلٌ: ليسَت الجِزيةُ أُجرةً عن سُكنى الدارِ.
قد تَبيَّنَ بما ذكَرْنا أنَّ الجِزيةَ وُضِعت صَغارًا وإذلالًا للكُفارِ لا أُجرةً عن سُكنى الدارِ، وذكَرْنا أنَّها لو كانَت أُجرةً لوجَبَت على النِّساءِ والصِّبيانِ والزَّمنى والعُميانِ، ولو كانَت أُجرةً لما أنِفَت منها العَربُ من نَصارى بَني تَغلِب وغيرِهم، والتَزموا ضَعفَ ما يُؤخَذُ من المُسلِمينَ من زَكاةِ أموالِهم، ولو كانَت أُجرةً لكانَت مُقدَّرةَ المُدةِ كسائرِ الإجاراتِ، ولو كانَت أُجرةً لما وجَبَت بوَصفِ الإذلالِ والصَّغارِ.
ولو كانَت أُجرةً لكانَت مُقدَّرةً بحسَبِ المَنفَعةِ؛ فإنَّ سُكنى الدارِ قد تُساوي في السَّنةِ أضعافَ الجِزيةِ المُقدَّرةِ، ولو كانَت أُجرةً لما وجَبَت على الذِّميِّ أُجرةُ دارٍ أو أرضٍ يَسكُنُها إذا استَأجَرها من بَيتِ المالِ، ولو كانَت أُجرةً لكانَ الواجِبُ فيها ما يَتَّفِقُ عليه المُؤجِّرُ والمُستأجِرُ.
وبالجُملةِ ففَسادُ هذا القَولِ يُعلَمُ من وُجوهٍ كَثيرةٍ (٢).
وقالَ الإمامُ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: الجِزيةُ مأخوذةٌ من الجَزاءِ الذي هو المُقابَلةُ والمأخوذُ عندَ الأصحابِ مُقابِلٌ للدَّمِ، ويُرَدُّ عليه بأنَّه اقتَضى
(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٩، ٣٠).
(٢) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٣٦).
عِصمةَ الأموالِ والذَّراريِّ، وهي غيرُ مُستحَقةِ القَتلِ؛ فليسَ حَقنُ الدَّمِ هو كلَّ المَقصودِ، ويُعزَى للشافِعيةِ أنَّها أُجرةُ الدارِ، ويُرَدُّ عليه بأنَّ المَرأةَ تَنتفِعُ بالدارِ ولا جِزيةَ عليها، والمُتَّجَهُ أنْ يُقالُ: هي قُبالةُ جَميعِ المَقاصِدِ المُرتَّبةِ على العَقدِ (١).
وقالَ بعضُ فُقهاءِ الحَنفيةِ: الجِزيةُ تَجِبُ عِوضًا عن النُّصرةِ: ويَقصِدون بذلك نُصرةَ المُقاتِلةِ الذين يَقومونَ بحِمايةِ دارِ الإسلامِ والدِّفاعِ عنها.
قالَ البابَرتيُّ رحمة الله عليه: إنَّ الجِزيةَ وجَبَت نُصرةً للمُقاتِلةِ؛ لأنَّها تَجِبُ بَدلًا عن النُّصرةِ للمُسلِمينَ ببَذلِ النَّفسِ والمالِ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ دارِ الإسلامِ تَجِبُ عليه النُّصرةُ للدارِ بالنَّفسِ والمالِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ [الصف: ١٠، ١١] لكنَّ الكافِرَ لمَّا لم يَصلُحْ لنُصرَتِنا لمَيلِه إلى دارِ الحَربِ اعتِقادًا قامَ الخَراجُ المأخوذُ منه المَصروفُ إلى الغَزاةِ مَقامَ النُّصرةِ بالنَّفسِ (٢).
وقالَ في مَوضِعٍ آخَرَ: وقالَ بَعضُهم: وجَبَت بَدلًا عن النُّصرةِ التي فاتَت بإصرارِهم على الكُفرِ وقد تَقدَّم، وأُعيدُه ههنا تَوضيحًا؛ وذلك لأنَّهم لمَّا صاروا من أهلِ دارِنا بقَبولِ الذِّمةِ، ولهذه الدارِ دارٌ مُعادِيةٌ وجَبَ عليهم القيامُ بنُصرَتِها، ولا تَصلُحُ أَبدانُهم لهذه النُّصرةِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّهم يَميلونَ
(١) «الذخيرة» (٣/ ٤٥٣).
(٢) «العناية شرح الهداية» (٨/ ٩٢).
إلى أهلِ الدارِ المُعادِيةِ لاتِّحادِهم في الاعتِقادِ، فأوجَبَ عليهم الشَّرعُ الجِزيةَ لتُؤخَذَ منهم فتُصرَفَ إلى المُقاتِلةِ فتَكونَ خَلَفًا عن النُّصرةِ.
قالَ شَمسُ الأئِمةِ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: وهو الأصَحُّ؛ ألَا تَرى أنَّ الجِزيةَ لا تُؤخذُ من الأعمى والشَّيخِ الفاني والمَعتوهِ والمُقعَدِ مع أنَّهم مُشارِكونَ في السُّكنى؛ لأنَّه لم يَلزمْهم أصلُ النُّصرةِ بأبدانِهم لو كانُوا مُسلِمينَ، فكذلك لا يُؤخَذُ منهم ما هو خَلفٌ عنه (١).
وقالَ رحمة الله عليه: ثم يَأخذُ المُسلِمونَ الجِزيةَ منه خَلفًا عن النُّصرةِ التي فاتَت بإصرارِه على الكُفرِ؛ لأنَّ مَنْ هو مِنْ أهلِ دارِ الإسلامِ عليه القيامُ بنُصرةِ الدارِ، فأبدانُهم لا تَصلُحُ لهذه النُّصرةِ؛ لأنَّهم يَميلونَ إلى أهلِ الدارِ المُعاديةِ فيُشوِّشونَ علينا أهلَ الحَربِ، فيُؤخَذُ منهم المالُ ليُصرَفَ إلى الغُزاةِ الذين يَقومونَ بنُصرةِ الدارِ، ولِهذا يَختلِفُ باختِلافِ حالِه في الغِنى والفَقرِ؛ فإنَّه مُعتبَرٌ بأصلِ النُّصرةِ، والفَقيرُ لو كانَ مُسلمًا كانَ يَنْصُرُ الدارَ رَاجِلًا، ومُتوسِّطُ الحالِ كانَ يَنْصُرُ الدارَ راكِبًا، والفائِقُ في الغِنى يَركَبُ ويُركِبُ غُلامًا، فما كانَ خَلفًا عن النُّصرةِ يَتفاوَتُ بتَفاوُتِ الحالِ أيضًا (٢).
واستدَلُّوا لذلك بأنَّ النُّصرةَ تَجبُ على جَميعِ رَعايا الدَّولةِ الإسلاميةِ ومنهم أهلُ الذِّمةِ.
(١) «العناية شرح الهداية» (٨/ ١٠٢).
(٢) «المبسوط» (١٠/ ٧٨).
فالمُسلِمونَ يَقومونَ بنُصرةِ المُقاتِلةِ: إمَّا بأنفُسِهم وإمَّا بأموالِهم، فيَخرُجونَ معهم للجِهادِ في سَبيلِ اللهِ ﷾، ويُنفِقونَ من أموالِهم في سَبيلِ اللهِ ﷾.
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ [الصف: ١٠، ١١].
ولمَّا فاتَت النُّصرةُ من أهلِ الذِّمةِ بأنفُسِهم بسَببِ إصرارِهم على الكُفرِ، تَعيَّنت عليهم النُّصرةُ بالمالِ: وهي الجِزيةُ.
لكنْ هنا سُؤالٌ، وهو: لو اشترَكَ الذِّمِّيونَ في القِتالِ مع المُسلِمينَ أو استَعانَ الإمامُ بأهلِ الذِّمةِ فقاتَلُوا معه، هل تَسقُطُ عنهم الجِزيةُ بذلك؟
والجَوابُ بعَونِ اللهِ: أنَّ الجِزيةَ لا تَسقُطُ عنهم بذلك؛ لأنَّ جُمهورَ العُلماءِ يَقولونَ بأنَّها وجَبَت بَدلًا عن عِوضٍ، سَواءٌ كانَ العِوضُ بَدلًا عن القَتلِ بسَببِ الكُفرِ كما يَقولُ المالِكيةُ والحَنابِلةُ وبَعضُ الحَنفيةِ، أو كانَ العِوضُ بَدلًا عن حَقنِ الدَّمِ وسُكنى الدارِ كما يَقولُ الشافِعيُّ؛ ففي هذه الحالِ لا تَسقُطُ عنهم الجِزيةُ؛ لأنَّها ليسَت بَدلًا عن النُّصرةِ عندَهم، ولأنَّه لا يَجوزُ الاستِعانةُ بمُشرِكٍ عندَهم لما رَوَت عَائِشةُ رضي الله عنها زَوجُ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها قالَت: «خرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ قِبَلَ بَدرٍ فلمَّا كانَ بحَرَّةِ الوَبَرةِ أدرَكَه رَجلٌ قد كانَ يُذكَرُ منه جُرأةٌ ونَجدةٌ، ففرِحَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ حينَ رَأوهُ، فلمَّا أدرَكَه قالَ لرَسولِ اللهِ ﷺ:
جِئتُ لأتَّبِعَك وأُصيبَ معك، قالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ: تُؤمنُ بِالله ورَسولِه؟ قالَ: لا، قالَ: فارجِعْ فلن أستَعينَ بمُشرِكٍ، قالَت: ثم مَضى حتى إذا كُنا بالشَّجَرةِ أدرَكَه الرَّجلُ، فقالَ له كما قالَ أوَّلَ مَرةٍ، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ كما قالَ أوَّلَ مَرةٍ، قالَ: فارجِعْ فلن أستَعينَ بمُشرِكٍ، قالَ: ثم رجَعَ فأدرَكَه بالبَيداءِ فقالَ له كما قالَ أوَّلَ مَرةٍ: تُؤمِنُ باللهِ ورَسولِه، قالَ: نَعمْ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ فانطَلِقْ» (١).
وأمَّا على قَولِ بعضِ الحَنفيةِ الذين قالُوا بأنَّ الجِزيةِ تَجِبُ عِوضًا عن النُّصرةِ فلا تَسقُطُ عنهم الجِزيةُ أيضًا.
قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: ولأنَّ الجِزيةَ إنَّما وجَبَت بَدلًا عن القَتلِ، ولِهذا لمْ تَجبْ على مَنْ لمْ يُجزْ قَتلَه بسَببِ الكُفرِ كالذَّراريِّ والنِّساءِ، وهذا المَعنى يَنتظِمُ فيه الغَنيُّ والفَقيرُ؛ لأنَّ كُلًّا منهم يُقتَل … ثم عارَضَ المُصنِّفُ معناه بقَولِه: ولأنَّه -أي: الجِزيةَ- وجَبَ نُصرةً للمُقاتِلةِ، أي: خَلفًا عن نُصرةِ مُقاتِلةِ أهلِ الدارِ؛ لأنَّ مَنْ هو مِنْ أهلِ دارِ الإسلامِ عليه نُصرتُهم، وقد فاتَتْ بمَيلِهم إلى أهلِ الدارِ المُعادينَ لنا لإصرارِهم على الكُفرِ، ولِهذا صُرِفت إلى المُقاتِلةِ ووُضِعت على الصالِحينَ للقِتالِ الذين يَلزمُهم القِتالُ لو كانُوا مُسلِمينَ فتَختلِفُ باختِلافِ حالِهم؛ لأنَّ نُصرةَ الغَنيِّ لو كانَ مُسلمًا فوقَ نُصرةِ المُتوسِّطِ والفَقيرِ؛ فإنَّه كانَ يَنْصُرُ راكِبًا ويَركَبُ معه غُلامُه، والمُتوسِّطُ يُقاتِلُ راكِبًا فقط، ويُقاتِلُ الفَقيرُ راجِلًا، وهذا مَعنى
(١) رواه مسلم في «صحيحه» (١٨١٧).
قَولِ المُصنِّفِ: وذلك -أي: النُّصرةُ- يَتفاوَتُ بكَثرةِ الوَفرِ وقِلَّتِه، فكذا ما هو بَدلُه يَعني الجِزيةَ وإلحاقًا بخَراجِ الأرضِ؛ فإنَّه وجَبَ على التَّفاوُتِ فأُورِدَ عليه، لو كانَت خَلفًا عن النُّصرةِ لزِمَ ألَّا تُؤخَذَ منهم لو قاتَلُوا مع المُسلِمينَ سَنةً مُتبرِّعينَ، أو بطَلبِ الإمامِ منهم ذلك، والحالُ أنَّها تُؤخذُ منهم مع ذلك.
أُجيبَ بأنَّ الشارِعَ جعَلَ نُصرَتَهم بالمالِ، وليسَ للإمامِ تَغييرُ المَشروعِ، وتَحقيقُه أنَّ النُّصرةَ التي فاتَت نُصرةُ المُسلِمينَ، فنُصرةُ الإسلامِ فاتَت بالكُفرِ فأُبدِلت بالمالِ، وليسَ نُصرتَهم في حالِ كُفرِهم تلك النُّصرةَ الفائِتةَ، فلا يَبطُلُ خَلَفُها، نَعمْ سَيجيءُ ما يُفيدُ بأنَّ الجِزيةَ خَلَفٌ عن قَتلِهم، والوَجهُ أنَّها خَلَفٌ عن قَتلِهم ونُصرتِهم جَميعًا (١).
وقالَ الإمامُ البابَرتيُّ رحمة الله عليه: فإنْ قالَ قائِلٌ: كما أنَّه لا يَجوزُ أنْ تَكونَ بَدلًا من العِصمةِ والسُّكنى، فكذلك لا يَجوزُ أنْ تَكونَ بَدلًا من النُّصرةِ أيضًا، ألَا تَرى أنَّ الإمامَ لو استَعانَ بأهلِ الذِّمةِ فقاتَلُوا معه لا تَسقُطُ عنهم جِزيةُ تلك السَّنةِ، فلو كانَت بَدلًا منها لسقَطَت؛ لأنَّه قد نُصِرَ بنَفسِه؟ أُجيبَ بأنَّها إنَّما لم تَسقُطْ؛ لأنَّه حينَئذٍ يَلزمُ تَغييرُ المَشروعِ وليسَ للإمامِ ذلك، وهذا لأنَّ الشَّرعَ جعَلَ طَريقَ النُّصرةِ في حَقِّ الذِّميِّ المالَ دونَ النَّفسِ (٢).
(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٤٦، ٤٧).
(٢) «العناية شرح الهداية» (٨/ ١٠٣).
ارجع إلى الجزية للاطلاع على جميع المسائل.