ممن تؤخذ الجزية؟

الإسلام > الجنايات والحدود > الجزية > ممن تؤخذ الجزية؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

ممن تؤخذ الجزية؟ - الأقوال والأدلة

وكذلك قالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: لا نُسلِّمُ بأنَّ الجِزيةَ بَدلٌ من النُّصرةِ، ألَا تَرى أنَّ الإمامَ لو استَعانَ بأهلِ الذِّمةِ منه فقاتَلُوا معه لا تَسقُطُ عنهم جِزيةُ تلك السَّنةِ؟ فلو كانَت بَدلًا لسقَطَت. أُجيبَ بأنَّها لم تَسقُطْ لأنَّه يَلزمُ حينَئذٍ تَغييرُ الشَّرعِ، وليسَ للإمامِ ذلك. وهذا لأنَّ الشَّرعَ جعَلَ طَريقَ النُّصرةِ في حَقِّ الذِّميِّ المالَ دونَ النُّصرةِ (١).

فعلى هذا لا يَجوزُ للإمامِ أنْ يُسقِطَ الجِزيةَ عن أهلِ الذِّمةِ حتى وإنْ كانُوا يَقومونَ بنُصرةِ البَلدِ مع المُسلِمينَ.

ممَّن تُؤخذُ الجِزيةُ؟

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ من أهلِ الكِتابِ وهُم اليَهودُ والنَّصارى ومَن اتَّخذَ التَّوراةَ والإنجيلَ كِتابًا كالسامِرةِ والفِرنجِ ونَحوِهم، فهؤلاء يُقاتَلونَ حتى يُسلِموا أو يُعطُوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهُم صاغِرونَ.

وتُؤخذُ من المَجوسِ، وممَّن نقَلَ الإجماعَ على ذلك ابنُ رُشدٍ وابنُ القَيمِ وغيرُهما.

فقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: فأمَّا مَنْ يَجوزُ أخذُ الجِزيةِ منه؛ فإنَّ العُلماءَ مُجمِعونَ على أنَّه يَجوزُ أخذُها من أهلِ الكِتابِ العَجمِ ومن المَجوسِ (٢).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: أجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ من أهلِ الكِتابِ ومن المَجوسِ (٣).

(١) «البناية شرح الهداية» (٧/ ٢٤٩).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٥٤٠).
(٣) «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٨).

واستَدلَّ العُلماءُ على ذلك بقَولِ اللهِ : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)[التوبة: ٢٩].

وبما رُوي أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ ذكَرَ المَجوسَ فقالَ: ما أدري كَيفَ أصنَعُ في أمرِهم؟ فقالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ: أشهَدُ لسَمِعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ: «سُنُّوا بهم سُنةَ أهلِ الكِتابِ» (١).

ورَوى البُخاريُّ عن سُفيَانَ قالَ: «سَمِعتُ عَمرًا قالَ: كُنْتُ جالِسًا مع جابِرِ بنِ زَيدٍ وَعَمرِو بنِ أوسٍ، فحدَّثَهما بَجالَةُ -سَنةَ سَبعينَ عامَ حَجَّ مُصعَبُ بنُ الزُّبيرِ بِأهلِ البَصرةِ عندَ دَرجِ زَمزمَ- قالَ: كُنْتُ كاتِبًا لجَزءِ بنِ مُعاويةَ عَمِّ الأحنَفِ، فأتانا كِتابُ عُمرَ بنِ الخَطابِ قبلَ مَوتِه بسَنةٍ: فَرِّقوا بينَ كلِّ ذي مَحرَمٍ من المَجوسِ، ولم يَكُنْ عُمرُ أخَذَ الجِزيةَ من المَجوسِ حتى شهِدَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ أنَّ رَسولَ اللهِ أخَذَها من مَجوسِ هَجَرَ» (٢).

وأمَّا مَنْ لا كِتابَ لهم ولا شُبهةَ كِتابٍ، وهُم مَنْ عَدا هذَينِ القِسمَينِ من عَبدةِ الأوثانِ والمُشرِكينَ ومَن عَبَد ما استَحسَن وسائرِ الكُفارِ، فقد

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (٦١٦)، والشافعي في «مسنده» (١/ ٢٠٩)، وفي «الأم» (٤/ ١٧٤).
(٢) رواه الإمام البخاري في «صحيحه» (٢٩٨٧).

اختَلفَ أهلُ العِلمِ في هؤلاء هل يُقاتَلونَ حتى يُسلِموا أو تُقبَلَ منهم الجِزيةُ كأهلِ الكِتابِ والمَجوسِ؛ فإنْ بذَلوا الجِزيةَ قُبِلت منهم؟ (١)

فقالَ الحَنفيةُ: لا يُقبَلُ من مُشرِكي العَربِ إلا الإسلامُ أو السَّيفُ؛ لأنَّ النَّبيَّ نَشأَ بينَ أظهُرِهم ونزَلَ القُرآنُ بلُغَتِهم، فالمُعجِزةُ في حقِّهم أظهَرُ، وتُقبَلُ الجِزيةُ من عَبدةِ الأَوثانِ من العَجمِ؛ لأنَّه يَجوزُ استِرقاقُهم فيَجوزُ ضَربُ الجِزيةِ عليهم، إذ كلُّ واحِدٍ منهما يَشتمِلُ على سَلبِ النَّفسِ منهم؛ فإنَّه يَكتسِبُ ويُؤدِّي إلى المُسلِمينَ ونَفقَتُه في كَسبِه، وإنْ ظهَرَ عليهم قبلَ وَضعِ الجِزيةِ فهُم ونِساؤُهم وصِبيانُهم فَيءٌ لجَوازِ استِرقاقِهم لا فَرقَ في ذلك بينَ الأنواعِ الثَّلاثةِ (٢).

قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: وتُوضَعُ على عَبدةِ الأوثانِ من العَجمِ وفيه خِلافُ الشافِعيِّ، هو يَقولُ: القِتالُ واجِبٌ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا﴾ إلا أنَّا عرَفنا جَوازَ تَركِه إلى الجِزيةِ في حَقِّ أهلِ الكِتابِ بالقُرآنِ، أعني ما تَلوْناه من قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ وفي المَجوسِ بالخبَرِ الذي ذكَرْناه في صَحيحِ البُخاريِّ -السابِقِ ذِكرُه- فبَقي مَنْ وَراءَهم على الأصلِ.

ولنا: أنَّه يَجوزُ استِرقاقُهم، فيَجوزُ ضَربُ الجِزيةِ عليهم بجامِعِ أنَّ كلًّا من الاستِرقاقِ والجِزيةِ يَشتمِلُ على سَلبِ النَّفسِ منهم، أمَّا الاستِرقاقُ

(١) المَسالةُ بحالِها قد مرَّت في الأَصنافِ الذين يُقاتَلونَ في كتابِ الجِهادِ.
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٣/ ٤٨٤)، و «المبسوط» للسرخسي (١٠/ ١١٩)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٢٠)، و «الهداية شرح البداية» (٢/ ١٦٠)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٤٨، ٤٩)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ٣٧٥).

فظاهِرٌ أنَّه يَصيرُ مَنفعةً لنا وكذا الجِزيةُ؛ فإنَّه يَكتسِبُ ويُؤدِّي إلى المُسلِمينَ والحالُ أنَّ نَفقتَه في كَسبِه، فقد أدَّى حاجةَ نَفسِه إلينا أو بَعضَها، فهذا المَعنى يُوجِبُ تَخصيصَ عُمومِ وُجوبِ القِتالِ الذي استَدلَّ به، وذلك لأنَّه عامٌّ مَخصوصٌ بإخراجِ أهلِ الكِتابِ والمَجوسِ عندَ قَولِهم: الجِزيةُ، كما ذكَرَ، فجاز تَخصيصُه بعدَ ذلك بالمَعنى (١).

وعندَ المالِكيةِ أربَعةُ أقوالٍ:

الأولُ: أنَّها تُقبَلُ من أهلِ الكِتابِ عَربًا كانُوا أو غيرَ عَربٍ.

الثانِي: قالَ ابنُ القاسِمِ: إذا رَضِيَت الأُممُ كلُّها بالجِزيةِ قُبِلت منهم، وهو المَذهبُ.

الثالِثُ: قالَ ابنُ الماجِشونِ: لا تُقبَلُ.

الرابِعُ: قالَ ابنُ وَهبٍ: لا تُقبَلُ من مَجوسِ العَربِ وتُقبَلُ من غيرِهم.

قالَ ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: وَجهُ مَنْ قالَ إنَّها تُقبَلُ من أهلِ الكِتابِ عَربًا كانُوا أو غيرَ عَربٍ تَخصيصُ اللهِ بالذِّكرِ أهلَ الكِتابِ.

وأمَّا مَنْ قالَ: إنَّها تُقبَلُ من الأُمَمِ كلِّها، فالحَديثُ الصَّحيحُ في كِتابِ مُسلمٍ وغيرِه عن سُلَيمانَ بنِ بُرَيدةَ عن أبيه قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ إذا أمَّرَ أميرًا على جَيشٍ أو سَريةٍ أوصَاه في خاصَّتِه بتَقوى اللهِ ومَن معه من المُؤمِنينَ خَيرًا، ثم قالَ: «اغْزُوا باسمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قاتِلوا مَنْ كفَر باللهِ، اغزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تَقتُلوا وَليدًا، وإذا لقيت عَدوَّك من

(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٤٨، ٤٩).

المُشرِكينَ فادْعُهم إلى ثَلاثِ خِلالٍ، فأيَّتَهُنَّ ما أَجابوكَ إليها فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ ثم ادْعُهم إلى الدُّخولِ في الإسلامِ؛ فإنْ فعَلوا فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحوُّلِ عن دارِهم إلى دارِ المُهاجِرينَ، وأخبِرْهم بأنَّهم إنْ فعَلوا ذلك فلهم ما للمُهاجِرينَ وعليهم ما على المُهاجِرينَ؛ فإنْ أبَوْا أنْ يَتحوَّلوا منها فأخبِرْهم أنَّهم يَكونون كأعرابِ المُسلِمينَ، يَجري عليهم حُكمُ اللهِ الذي يَجري على المُؤمِنينَ، ولا يَكونُ لهم في الغَنيمةِ والفَيءِ شَيءٌ إلا أنْ يُجاهِدوا مع المُسلِمينَ؛ فإنْ هُمْ أبَوْا فسَلْهم الجِزيةَ، وإنْ هُمْ أَجابوكَ فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ فإنْ أبَوْا فاستَعِنْ باللهِ وقاتِلْهم».

وذكَرْنا في الحَديثِ -في البُخاري وغيرِه من الصَّحيحِ- أنَّ عُمرَ تَوقَفَ في أخذِ الجِزيةِ من المَجوسِ حتى أخبَره عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ أنَّ النَّبيَّ أخَذَها من مَجوسِ هَجَرَ.

ووَجهُ قَولِ ابنِ وَهبٍ أنَّه ليسَ في العَربِ مَجوسٌ؛ لأنَّ جَميعَهم أسلَمَ، فمَن وجَدَ منهم بخِلافِ الإسلامِ فهو مُرتدٌّ يُقتَل بكلِّ حالٍ إنْ لم يُسلِمْ، ولا يُقبَلُ منه جِزيةٌ، والصَّحيحُ قَبولُها من كلِّ أُمةٍ، وفي كلِّ حالٍ عندَ الدُّعاءِ إليها والإجابةِ بها (١).

وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ أخذُ الجِزيةِ ممَّن لا كِتابَ له ولا شُبهةَ كتابٍ كعَبَدةِ الأوثانِ بل يُقاتَلونَ حتى يُسلِموا؛ لقَولِه ﷿: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا

(١) «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٤٧٧، ٤٧٨)، وانظر: «مواهب الجليل» (٣/ ٣٨١)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٣٣٦)، و «بغلة السلك» (٢/ ١٩٨).

يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)[التوبة: ٢٩] فخَصَّ أهلَ الكِتابِ بالجِزيةِ فدلَّ على أنَّها لا تُؤخذُ من غيرِهم، ويَجوزُ أخذُها من أهلِ الكِتابَينِ -وهُم اليَهودُ والنَّصارى - للآيةِ.

ويَجوزُ أخذُها ممَّن بَدَّل منهم دِينَه؛ لأنَّهم -وإنْ لم تَكنْ لهم حُرمةٌ بأنفُسِهم- لهم حُرمةٌ بآبائِهم، ويَجوزُ أخذُها من المَجوسِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: لا تُقبَلُ الجِزيةُ إلا مِنْ يَهوديٍّ أو نَصرانِيٍّ أو مَجوسيٍّ، وما سِواهم لا يُقبَلُ منهم، لا تُقبَلُ منهم الجِزيةُ ولا يُقبَلُ منهم إلا الإسلامُ؛ فإنْ لم يُسلِموا قُتِلوا.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: هذا ظاهِرُ مَذهبِ أحمدَ، ورَوى عنه الحَسنُ ابنُ ثَوابٍ أنَّها تُقبَلُ من جَميعِ الكُفارِ إلا عَبَدةَ الأوثانِ من العَربِ؛ لأنَّ حَديثَ بُرَيدةَ يَدلُّ بعُمومِه على قَبولِ الجِزيةِ من كلِّ كافرٍ، إلا أنَّه خرَجَ منه عَبَدةُ الأوثانِ من العَربِ لتَغلُّظِ كُفرِهم (٢).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا فيما سِوى أهلِ الكِتابِ من المُشرِكينَ هل تُقبَلُ منهم الجِزيةُ أو لا؟

(١) «المهذب» (٢/ ٢٥٠)، و «مختصر خلافيات البيهقي» (٥/ ٥٩)، و «الحاوي الكبير» (١٤/ ١٥٣).
(٢) «المغني» (١٢/ ٦٦١).

فقالَ قَومٌ: تُؤخذُ الجِزيةُ من كلِّ مُشرِكٍ، وبه قالَ مالِكٌ.

وقَومُ استَثنَوا من ذلك مُشرِكي العَربِ. وقالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وجَماعةٌ: لا تُؤخذُ إلا مِنْ أهلِ الكِتابِ والمَجوسِ.

والسَّببُ في اختِلافِهم: مُعارَضةُ العُمومِ للخُصوصِ.

أمَّا العُمومُ: فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] وقَولُ النَّبيِّ : «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ ويُقيموا الصَّلاةَ ويُؤتوا الزَّكاةَ، فإذا فعَلوا ذلك عصَموا مِنِّي دِماءَهم وأموالَهم إلا بحَقِّ الإسلامِ وَحِسابُهم على اللهِ» (١).

وأمَّا الخُصوصُ: فقَولُه لأُمراءِ السَّرايا الذين كانَ يَبعَثَهم إلى مُشرِكي العَربِ -ومَعلومٌ أنَّهم كانُوا من غيرِ أهلِ الكِتابِ-: «اغْزُوا باسمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قاتِلوا مَنْ كفَر باللهِ، اغزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تَقتُلوا وَليدًا، وإذا لَقيت عَدوَّك من المُشرِكينَ فادْعُهم إلى ثَلاثِ خِلالٍ، فأيَّتَهُنَّ ما أجابوك إليها فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ ثم ادْعُهم إلى الدُّخولِ في الإسلامِ؛ فإنْ فعَلوا فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحوُّلِ عن دارِهم إلى دارِ المُهاجِرينَ، وأخبِرْهم بأنَّهم إنْ فعَلوا ذلك فلهم ما للمُهاجِرينَ وعليهم ما على المُهاجِرينَ؛ فإنْ أبَوْا أنْ يَتحوَّلوا منها فأخبِرْهم أنَّهم يَكونونَ كأعرابِ المُسلِمينَ، يَجري عليهم حُكمُ اللهِ الذي يَجري على

(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٠).

المُؤمِنينَ، ولا يَكونُ لهم في الغَنيمةِ والفَيءِ شَيءٌ إلا أنْ يُجاهِدوا مع المُسلِمينَ؛ فإنْ هُمْ أبَوْا فسَلْهم الجِزيةَ، وإنْ هُمْ أجابوك فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ فإنْ أبَوْا فاستَعِنْ باللهِ وقاتِلْهم»، وقد تَقدَّمَ الحَديثُ.

فمَن رأى أنَّ العُمومَ إذا تأخَّر عن الخُصوصِ فهو ناسِخٌ له، قالَ: لا تُقبَلُ الجِزيةُ من مُشرِكٍ ما عَدا أهلَ الكِتابِ؛ لأنَّ الآيةَ الآمِرةَ بقِتالِهم على العُمومِ مُتأخِّرةٌ عن ذلك الحَديثِ، وذلك أنَّ الأمرَ بقِتالِ المُشرِكينَ عامةً هو في سُورةِ: «بَراءةٌ»، ذلك عامَ الفَتحِ. وذلك الحَديثُ إنَّما هو قبلَ الفَتحِ، بدَليلِ دُعائِهم فيه للهِجرةِ.

ومَن رأى أنَّ العُمومَ يُبنى على الخُصوصِ تَقدَّمَ أو تأخَّرَ، أو جهِلَ التَّقدُّمَ والتأخُّرَ بينَهما - قالَ: تُقبَلُ الجِزيةُ من جَميعِ المُشرِكينَ، وأمَّا تَخصيصُ أهلِ الكِتابِ من سائرِ المُشرِكينَ فخرَجَ من ذلك العُمومُ باتِّفاقٍ بخُصوصِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)[التوبة: ٢٩] (١).

أمَّا ابنُ القَيِّم رحمة الله عليه فقالَ: الجِزيةُ تُؤخذُ من كلِّ كافرٍ، هذا ظاهِرُ هذا الحَديثِ -يَقصِدُ حَديثَ بُرَيدةَ- ولم يَستَثنِ منه كافرًا من كافرٍ.

ولا يُقالُ: هذا مَخصوصٌ بأهلِ الكِتابِ خاصَّةً؛ فإنَّ اللَّفظَ يأبَى اختِصاصَهم بأهلِ الكِتابِ، وأيضًا فسرايا رَسولِ اللهِ وجُيوشُه كانَ أكثَرُ ما تُقاتِلُهم عَبدةَ الأوثانِ من العَربِ.

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٥١٩، ٥٢٠).

ولا يُقالُ: إنَّ القُرآنَ يَدلُّ على اختِصاصِها بأهلِ الكِتابِ؛ فإنَّ اللهَ سبحانَه أمَرَ بقِتالِ أهلِ الكِتابِ حتى يُعطُوا الجِزيةَ، والنَّبيُّ أمَرَ بقِتالِ المُشرِكينَ حتى يُعطُوا الجِزيةَ، فيُؤخذُ من أهلِ الكِتابِ بالقُرآنِ، ومِن عُمومِ الكُفارِ بالسُّنةِ، وقد أخَذَها رَسولُ اللهِ من المَجوسِ وهُم عُبَّادُ النارِ لا فَرقَ بينَهم وبينَ عَبدةِ الأوثانِ، ولا يَصحُّ أنَّهم من أهلِ الكِتابِ، ولا كانَ لهم كِتابٌ، ولو كانُوا أهلَ كِتابٍ عندَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم لم يَتوقَفَ عُمرُ رضي الله عنه في أمرِهم، ولم يَقلِ النَّبيُّ : «سُنُّوا بِهِمْ سُنةَ أَهْلِ الكِتابِ»، بل هذا يَدلُّ على أنَّهم ليسُوا أهلَ كِتابٍ، وقد ذكَرَ اللهُ سُبحانَه أهلَ الكِتابِ في القُرآنِ في غيرِ مَوضِعٍ، وذكَرَ الأنبياءَ الذين أُنزِل عليهم الكُتبُ والشَّرائعُ العِظامُ ولم يَذكُرْ للمَجوسِ -مع أنَّها أُمةٌ عَظيمةٌ من أعظَمِ الأُممِ شَوكةً وعَددًا وبأسًا- كِتابًا ولا نَبيًّا، ولا أشارَ إلى ذلك؛ بل القُرآنُ يَدلُّ على خِلافِه كما تَقدَّمَ، فإذا أُخِذت مِنْ عُبَّادِ النِّيرانِ فأيُّ فَرقٍ بينَهم وبينَ عُبَّادِ الأوثانِ.

فإنْ قيلَ: فالنَّبيُّ لم يأخُذْها من أحَدٍ من عُبَّادِ الأوثانِ مع كَثرةِ قِتالِه لهم، قيلَ: أجَلْ، وذلك؛ لأنَّ آيةَ الجِزيةِ، إنَّما نزَلَت عامَ تَبوكَ في السَّنةِ التاسِعةِ من الهِجرةِ بعدَ أنْ أسلَمَت جَزيرةُ العَربِ ولمْ يَبقَ بها أحَدٌ من عُبَّادِ الأوثانِ، فلمَّا نزَلَت آيةُ الجِزيِة أخَذَها النَّبيُّ ممَّن بَقيَ على كُفرِه من النَّصارى والمَجوسِ، ولهذا لم يأخُذْها من يَهودِ المَدينةِ حينَ قدِمَ المَدينةَ ولا مِنْ يَهودِ خَيبَرَ؛ لأنَّه صالَحهم قبلَ نُزولِ آيةِ الجِزيةِ (١).

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢١، ٢٢).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 461 - 469

ارجع إلى الجزية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 1 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 2.1 / 29.5
الإضاءة 5%
البدر بعد 13 يوم
أستغفر الله