هل الجزية عوض على التمادي على الكفر

الإسلام > الجنايات والحدود > الجزية > هل الجزية عوض على التمادي على الكفر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

هل الجزية عوض على التمادي على الكفر - الأقوال والأدلة

هذا الوَجهِ كانَ أقرَبَ إلى ألَّا يَثبُتوا على الكُفرِ لما يَتداخَلُهم من الأنَفةِ والعارِ، وما كانَ أقرَبَ إلى الإقلاعِ عن الكُفرِ فهو أصلَحُ في الحِكمةِ وأوْلى بوَضعِ الشَّرعِ (١).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: وأمَّا مَصلَحةُ أهلِ الشِّركِ فما في بَقائِهم من رَجاءِ إسلامِهم إذا شاهَدوا أعلامَ الإسلامِ وبَراهينَه -أو بلُغتِهم أخبارَه- فلا بدَّ أنْ يَدخُلَ في الإسلامِ بَعضُهم، وهذا أحَبُّ إلى اللهِ مِنْ قَتلِهم.

والمَقصودُ إنَّما هو أنْ تَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا، ويَكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ، وليسَ في إبقائِهم بالجِزيةِ ما يُناقِضُ هذا المَعنى، كما أنَّ إبقاءَ أهلِ الكِتابِ بالجِزيةِ بينَ ظُهورِ المُسلِمينَ لا يُنافي كَونَ كَلِمةِ اللهِ هي العُليا وكَونَ الدِّينِ كلِّه للهِ ؛ فإنَّ مِنْ كَونِ الدِّينِ كلِّه للهِ إذلالَ الكُفرِ وأهلِه وصَغارَه وضَربَ الجِزيةِ على رُؤوسِ أهلِه وكذلك الرِّقُ على رِقابِهم، فهذا من دِينِ اللهِ ، ولا يُناقِضُ هذا إلا تَركُ الكُفارِ على عِزِّهم وإقامةِ دِينِهم كما يُحِبُّون؛ بحيثُ تَكونُ لهم الشَّوكةُ والكَلِمةُ، واللهُ أعلَمُ (٢).

هل الجِزيةُ عِوضٌ على التَّمادي على الكُفرِ:

قالَ الإمامُ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: الفَرقُ السابِعَ عشَرَ والمِئةُ بينَ قاعِدةِ أَخذِ الجِزيةِ على التَّمادي على الكُفرِ فيَجوزُ، وبينَ قاعِدةِ أَخذِ الأعواضِ على التَّمادي على الزِّنا وغيرِه من المَفاسِدِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ إجماعًا.

(١) «أحكام القرآن» للكيا الهراسي (٤/ ٤٣).
(٢) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٣٠، ٣١).

وقد أورَد بعضُ الطَّاعِنينَ في الدِّينِ سُؤالًا في الجِزيةِ، فقالَ: شَأنُ الشَّرائِعِ دَفعُ أعظَمِ المَفسدتَينِ بإيقاعِ أدناهما وتَفويتِ المَصلَحةِ الدُّنيا بدَفعِ المَفسدةِ العُليا، فمَفسَدةُ الكُفرِ تَربو على مَصلَحةِ المأخوذِ من الجِزيةِ من أموالِ الكُفارِ، بل على جُملةِ الدُّنيا وما فيها، فَضلًا على هذا النَّزرِ اليسَيرِ، فلمَ ورَدَت الشَّريعةُ المُحمَّديةُ بذلك؟ ولمَ حتَّمَ القَتلَ دَرءًا لمَفسَدةِ الكُفرِ؟

وجَوابُ هذا السُّؤالِ هو سِرُّ الفَرقِ بينَ القاعِدتَينِ، وذلك أنَّ قاعِدةَ الجِزيةِ من بابِ التِزامِ المَفسَدةِ الدُّنيا لدَفعِ المَفسدةِ العُليا وتَوقُّعِ المَصلَحةِ العُليا، وذلك هو شأنُ القَواعِدِ الشَّرعيةِ؛ بَيانُه أنَّ الكافِرَ إذا قُتلَ انسَدَّ عليه بابُ الإيمانِ وبابُ مَقامِ سَعادةِ الجِنانِ، وتَحتَّمَ عليه الكُفرُ والخُلودُ في النِّيرانِ وغَضبُ الدَّيانِ؛ فشرَعَ اللهُ تَعالى الجِزيةَ رَجاءَ أنْ يُسلِمَ في مُستقبَلِ الأزمانِ، لا سيَّما مع اطِّلاعِه على مَحاسنِ الإسلامِ والإلجاءِ إليه بالذُّلِّ والصَّغارِ في أخذِ الجِزيةِ.

فإذا أسلَمَ لزِمَ من إسلامِه إسلامُ ذُرِّيتِه، فاتَّصلَت سِلسِلةُ الإسلامِ مِنْ قِبَلِه بَدلًا عن ذلك الكُفرِ، وإنْ ماتَ على كُفرِه ولم يُسلِمْ فنحن نتوَقَّعُ إسلامَ ذُرِّيتِه المُخلَّفينَ من بَعدِه، وكذلك يَحصُلُ التَّوقُّعُ من ذُرِّيةِ ذُرِّيتِه إلى يَومِ القِيامةِ، فساعةٌ من إيمانٍ تَعدِلُ دَهرًا من كُفرٍ، وكذلك خلَقَ اللهُ تَعالى آدَم على وَفقِ الحِكمةِ وأكثَرُ ذُرِّيتِه كُفارٌ، وعَدَ النَّبيُّ خَلقَه من جُملةِ البَركاتِ المُوجِبةِ لتَعظيمِ يَومِ الجُمُعةِ فقالَ في تَعظيمِه لمَّا ساق تَعظيمَه والثَّناءَ عليه في الحَديثِ الصَّحيحِ: «أفضَلُ يَومٍ طَلَعتْ عليه الشَّمسُ

يَومُ الجُمُعةِ، فيه خُلقَ آدَمُ وفيه تِيبَ عليه، وفيه تَقومُ الساعةُ» (١). فجعَلَ خلْقَ آدمَ عليه السلام من جُملةِ فَضائلِه؛ لأنَّ خلْقَه سَببُ وُجودِ الأنبياءِ عليهم السلام والصالِحينَ وأهلِ الطاعةِ والمُؤمِنينَ، وإنْ كانَ مع كلِّ رَجلٍ مُسلمٍ المِئُون من الكُفارِ فلا عِبرةَ بهم لأجلِ ذلك المُسلمِ الواحِدِ ولذلك جاءَ في الحَديثِ الصَّحيحِ عن رَسولِ اللهِ : «أنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ لآدمَ عليه السلام ابعَثَ بعْثَ النارِ، فيَخرجُ مِنْ كلِّ ألفٍ تِسْعُمئةٍ وتِسْعةٌ وتِسْعونَ» (٢) فيَبقَى من كلِّ ألْفٍ واحِدٌ والبَقيةُ كُفارٌ، فجازَ أهلُ النارِ والمعاصي والفُجورِ، ومع ذلك كانَ ذلك الواحِدُ تَربو مَصلَحةُ إسلامِه على مَفسَدةِ أولئك، وأنَّهم كالعَدمِ الصِّرفِ بالنِّسبةِ إلى نُورِ الإيمانِ وعِبادةِ الرَّحمنِ، فتأمَّلْ ذلك، فكذلك ههنا إيمانٌ يُتوقَّعُ من الأصلِ أو من آحادِ الذَّراريِّ لا يَعدِلُه شَيءٌ من ذلك الكُفرِ الواقِعِ من غيرِه فعَقدُ الجِزيةِ من آثارِ رَحمةِ اللهِ تَعالى ومِن الشَّرائعِ الواقِعةِ على وَفقِ الحِكمةِ ولم تُؤخَذِ الجِزيةُ من الكُفارِ لتَحصيلِ مَصلَحةِ تلك الدَّراهمِ المَأخوذةِ منه، بل لتَوقعِ هذه المَصلَحةِ أو المَصالحِ العَظيمةِ بالتِزامِ تلك المَفسَدةِ الحَقيرةِ بخِلافِ أخذِ المالِ على مُداومةِ الزِّنا أو غيرِه من المَفاسِدِ؛ فإنَّ ذلك تَرجيحٌ للمَصلحةِ الحَقيرةِ التي هي الدَّراهمُ على المَفسدةِ العَظيمةِ التي هي مَعصيةُ اللهِ تَعالى، نَعمْ لو عَجَزنا عن إزالةِ مُنكَرٍ من هذه المُنكَراتِ إلا بدَفعِ دَراهمَ دَفَعناها لمَن يأكُلُها حَرامًا حتى

(١) رواه مسلم (٨٥٤).
(٢) أصله في البخاري (٦٥٣٠)، ومسلم (٢٢٢).

يتَرُكَ ذلك المُنكَرَ العَظيمَ كما يُدفَعُ المالُ في فِداءِ الأُسارى، والكُفارُ مُخاطَبونَ بفُروعِ الشَّريعةِ يَحرُمُ عليهم أكلُ ذلك المالِ ليُتوصَّلَ بذلك المُحرَّمِ لتَخليصِ الأسيرِ من أيدي العَدوِّ، ولذلك يُعطى المُحارِبُ المالَ اليَسيرَ كالثَّوبِ ونَحوِه ليَسلمَ صاحِبُه من المُقاتِلةِ معه فيَموتَ أحدُهما أو كِلاهما، أو يَكونَ المَأخوذُ من المالِ على وَجهِ التَّحريمِ والمَعصيةِ أكثَرَ.

وأمَّا دَفعُ المالِ لغَرضِ المُداوَمةِ على المَعصيةِ ليسَ إلا، فهذا لمْ يَقعْ في الشَّريعةِ بل الشَّريعةُ تُحرِّمُه ولا تُبيحُه، فهذه القاعِدةُ مَفسَدةٌ صِرفةٌ فلمْ تُشرَعْ، وقاعِدةُ الجِزيةِ مُشتمِلةٌ على التِزامِ المَفسَدةِ القَليلةِ لدَفعِ المَفسَدةِ العَظيمةِ وتَوقُّعِ المَصلَحةِ العَظيمةِ، فشُرعَت، فهذا هو الفَرقُ بينَ القاعِدتَينِ (١).

وقالَ ابنُ الأزرقِ رحمة الله عليه: الفَرقُ بينَ جَوازِ أخذِ الجِزيةِ على الكُفرِ ومَنعِ أخذِ العِوَضِ عن المَعصيةِ -مُلخَّصًا بالمَعنى من كَلامِ القَرافيِّ- أنَّ الجِزيةَ مُشتمِلةٌ على العِوَضِ على التِزامِ مَفسَدةٍ قَليلةٍ لدَفع مَفسدةٍ عَظيمةٍ وتَوقُّعِ مَصلحةٍ عُليا، فأخذُ العِوَضِ عن المَعصيةِ مُتضمِّنٌ لتَرجيحِ مَصلَحةٍ حَقيرةٍ على مَفسَدةٍ عَظيمةٍ؛ وذلك لأنَّ الكافِرَ إذا قُتلَ فإنَّه فاتَه الإيمانُ.

فشُرعَت الجِزيةُ رَجاءَ أنْ يُسلِمَ في المُستقبَلِ، وإذْ ذاك تَتبَعُه ذُرِّيتُه وتَتِّصِلُ سِلسِلةُ الإسلامِ من قِبَلِه، وإنْ ماتَ على كُفرِه فإسلامُ ذُرِّيَّتِه مُتوقَّعٌ إلى يَومِ القيامةِ، فساعةٌ من الإيمانِ تَعدِلُ دُهورًا من الكُفرِ، ومِن ثَمَّ كانَ

(١) «الفروق» (٣/ ٢١، ٢٣)، و «الذخيرة» (٣/ ٤٥٤).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 445 - 448

ارجع إلى الجزية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله