إذا تحاكم أهل الذمة إلينا هل يجب أن نحكم بينهم أو لا؟

الإسلام > الجنايات والحدود > المعاملات الاجتماعية مع أهل الذمة > إذا تحاكم أهل الذمة إلينا هل يجب أن نحكم بينهم أو لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 26 دقيقة قراءة

إذا تحاكم أهل الذمة إلينا هل يجب أن نحكم بينهم أو لا؟ - الأقوال والأدلة

قالَ: إذا لمْ يَدخلوا عليهم بِيَعَهم وإنَّما يَشهَدونَ السُّوقَ فلا بأسَ.

وقالَ عبدُ المَلكِ بنُ حَبيبٍ: سُئلَ ابنُ القاسمِ عن الرُّكوبِ في السُّفنِ التي تَركبُ فيها النَّصارى إلى أَعيادِهم، فكرِهَ ذلك مَخافةَ نُزولِ السَّخطةِ عليهم بشِركِهم الذي اجتَمَعوا عليه.

قالَ: وكرِهَ ابنُ القاسِمِ للمُسلِمِ أنْ يُهديَ إلى النَّصرانِيِّ في عيدِه مُكافأةً له، ورآهُ من تَعظيمِ عيدِه وعَونًا له على كُفرِه، ألا تَرى أنَّه لا يَحِلُّ للمُسلِمينَ أنْ يَبيعوا من النَّصارى شَيئًا من مَصلحةِ عيدِهم لا لحمًا ولا أُدمًا ولا ثَوبًا، ولا يُعارونَ دابةً ولا يُعانونَ على شَيءٍ من عيدِهم؛ لأنَّ ذلك من تَعظيمِ شِركِهم وعَونِهم على كُفرِهم، ويَنبَغي للسَّلاطينِ أنْ يَنهَوُا المُسلِمينَ عن ذلك، وهو قَولُ مالِكٍ وغيرِه، لمْ أعلَمْه اختُلفَ فيه، هذا لفظُه في الواضِحةِ (١).

وفي كُتُبِ أَصحابِ أبي حَنيفةَ: مَنْ أَهدى لهم يَومَ عيدِهم بِطِّيخةً بقَصدِ تَعظيمِ العيدِ فقد كفَرَ (٢).

إذا تحاكَم أهلُ الذِّمةِ إلينا هل يَجبُ أنْ نَحكُمَ بينَهم أو لا؟

اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه إذا رُفعَت الدَّعوى إلى القَضاءِ العامِّ يَحكمُ القاضي المُسلِمُ في خُصوماتِ أهلِ الذِّمةِ وُجوبًا إذا كانَ أحدُ الخَصمَينِ مُسلمًا باتِّفاقِ الفُقهاءِ.

(١) انظر: «المدخل» لابن الحاج (٢/ ٤٧).
(٢) «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١٨٨، ١٨٩)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٣٢٧)، و «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٨٢، ٢٠١)، و «الآداب الشرعية» (٣/ ٤١٦).

ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ قَضاءِ القاضي المُسلِمِ بينَ أهلِ الذِّمةِ من اليَهودِ والنَّصارى والمَجوسِ إذا تَرافَعوا إلينا وكانُوا أهلَ ذِمةٍ، أو عَدمِ وُجوبِه؟

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إذا تَحاكَم أهلُ الذِّمةِ إلى الإمامِ فليسَ له أنْ يُعرِضَ عنهم، ونَصُّوا على أنَّ المُسلِمينَ وأهلَ الذِّمةِ سَواءٌ في عُقودِ المُعامَلاتِ والتِّجاراتِ والحُدودِ، إلا أنَّهم لا يُرجَمونَ؛ لأنَّهم غيرُ مُحصَنينَ.

واختَلفَ الحَنفيةُ في مُناكَحاتِهم، فقالَ أبو حَنيفةَ: هُمْ مُقَرُّونَ على أَحكامِهم، لا يُعترَضُ عليهم فيها إلا أنْ يَرضَوْا بأَحكامِنا.

وقالَ مُحمدٌ رحمة الله عليه: إذا رضِيَ أحدُهما حُمِلَا جَميعًا على أحكامِنا، وإنْ أبى الآخَرُ إلا في النِّكاحِ بغيرِ شُهودٍ خاصةً.

وقالَ أبو يُوسفَ رحمة الله عليه: يُحمَلونَ على أَحكامِنا وإنْ أَبَوا إلا في النِّكاحِ بغيرِ شُهودٍ، نُجيزُه إذا تَراضَوْا بها.

قالَ الإمامُ الجَصاصُ رحمة الله عليه: قالَ أصحابُنا: أهلُ الذِّمةِ مَحمولونَ في البُيوعِ والمَواريثِ وسائرِ العُقودِ على أَحكامِ الإسلامِ كالمُسلِمينَ إلا في بَيعِ الخَمرِ والخِنزيرِ؛ فإنَّ ذلك جائِزٌ فيما بينَهم؛ لأنَّهم مُقَرُّون على أنْ تَكونَ مالًا لهم … وما عَدا ذلك فهو مَحمولٌ على أَحكامِنا؛ لقولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]، ورُوي عن النَّبيِّ : أنَّه كتَبَ إلى أهلِ نَجرانَ: «إمَّا أنْ تَذَروا الرِّبا وإمَّا

أنْ تأذَنوا بحَربٍ من اللهِ ورَسولِه» فجعَلَهم النَّبيُّ في حَظرِ الرِّبا، ومنَعَهم منه كالمُسلِمينَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦١] فأخبَرَ أنَّهم مَنهيُّونَ عن الرِّبا وأَكلِ المالِ بالباطِلِ كما قالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فسَوَّى بينَهم وبينَ المُسلِمينَ في المَنعِ من الرِّبا والعقُودِ الفاسِدةِ المَحظورةِ.

وقالَ تَعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٨] فهذا الذي ذكَرْناه مَذهبُ أَصحابِنا في عُقودِ المُعامَلاتِ والتِّجاراتِ وحُدودِ أهلِ الذِّمةِ، والمُسلِمونَ فيها سَواءٌ، إلا أنَّهم لا يُرجَمونَ؛ لأنَّهم غيرُ مُحصَنينَ.

واختَلفَ أصحابُنا في مُناكَحتِهم فيما بينَهم، فقالَ أبو حَنيفةَ: هُمْ مُقَرُّونَ على أحكامِهم لا يُعترَضُ عليهم فيها، إلا أنْ يَرضَوْا لأحكامِنا؛ فإنْ رضِيَ بها الزَّوجانِ حُمِلَا على أَحكامِنا وإنْ أبى أَحدُهما لم يُعترَضْ عليهم، فإذا تراضَيا جَميعًا حمَلَهما على أَحكامِ الإسلامِ إلا في النِّكاحِ بغيرِ شُهودٍ، وفي النِّكاحِ في العِدةِ؛ فإنَّه لا يُفرَّقُ بينَهم، وكذلك إنْ أَسلَموا.

وقالَ مُحمدٌ رحمة الله عليه: إذا رضِيَ أحدُهما حُمِلا جَميعًا على أَحكامِنا، وإنْ أبى الآخَرُ إلا في النِّكاحِ بغيرِ شُهودٍ خاصَّةً.

وقالَ أبو يُوسفَ رحمة الله عليه: يُحمَلون على أَحكامِنا وإنْ أبَوْا إلا في النِّكاحِ بعدَ شُهودٍ نُجيزُه إذا تَراضَوْا بها.

فأمَّا أبو حَنيفةَ: فإنَّه يَذهبُ في إقرارِهم على مُناكَحتِهم، إلى أنَّه قد ثبَتَ أنَّ النَّبيَّ أخَذَ الجِزيةَ من مَجوسِ هَجَرَ، مع عِلمِه بأنَّهم يَستحلُّونَ نِكاحَ ذَواتِ المَحرَمِ، ومع عِلمِه بذلك لم يَأمرْ بالتَّفرِقةِ بينَهما، وكذلك اليَهودُ والنَّصارى يَستحِلُّونَ كَثيرًا من عُقودِ المُناكَحاتِ المُحرَّمةِ، ولم يَأمرْ بالتَّفرِقةِ بينَهما حينَ عقَدَ لهم الذِّمةَ من أهلِ نَجرانَ ووادي القُرى وسائرِ اليَهودِ والنَّصارى الذين دخَلوا في الذِّمةِ ورَضُوا بإِعطاءِ الجِزيةِ، وفي ذلك دَليلُ أنَّه أَقرَّهم على مُناكَحتِهم كما أَقرَّهم على مَذاهبِهم الفاسِدةِ واعتِقاداتِهم التي هي ضَلالٌ وباطِلٌ، ألا تَرى أنَّه لمَّا علِمَ استِحلالَهم للرِّبا كتَبَ إلى أهلِ نَجرانَ إمَّا أنْ تَذروا الرِّبا وإمَّا أنْ تأذَنوا بحَربٍ من اللهِ ورَسولِه، فلَم يُقِرَّهم عليه حينَ علِمَ بتَبايُعِهم به.

وأيضًا قد علِمْنا أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ لمَّا فتَحَ السَّوادَ أقَرَّ أهلَها عليها وكانُوا مَجوسًا، ولم يَثبُتْ أنَّه أمَرَ بالتَّفريقِ بينَ ذَوي المَحارمِ منهم مع عِلمِه بمُناكَحتِهم، وكذلك سائِرُ الأُمةِ بعدَه جَرَوْا على مِنهاجِه في تَركِ الاعتِراضِ عليهم، وفي ذلك دَليلٌ على صِحةِ ما ذكَرْنا، وقد بَيَّنا أنَّ قَولَه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ناسِخٌ للتَّخييرِ المَذكورِ في قَولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] والذي ثبَتَ نَسخُه من ذلك هو التَّخييرُ، فأمَّا شَرطُ المَجيءِ منهم فلم تَقُمِ الدِّلالةُ على نَسخِه، فيَنبَغي أنْ يَكونَ حُكمُ الشَّرطِ باقيًا والتَّخييرُ مَنسوخًا، فيَكونَ

تَقديرُه مع الآيةِ الأُخرى؛ فإنْ جَاؤوكَ فاحكُمْ بينَهم بما أنزَلَ الله … إلى آخِرِ كَلامِه رحمة الله عليه (١).

وقالَ المالِكيةُ: إذا كانَت الخُصومةُ بينَ ذِميِّينَ خُيِّرَ القاضي في الحُكمِ بينَهم بحُكمِ الإسلامِ في المَظالمِ من الغَصبِ والتَّعدِّي وجَحدِ الحُقوقِ.

وإنْ تَخاصَموا في غيرِ ذلك رُدُّوا إلى أهلِ دِينِهم، إلا أنْ يَرضَوْا بحُكمِ الإسلامِ، وإنْ كانَت الخُصومةُ بينَ مُسلمٍ وذِميٍّ وجَبَ على القاضي الحُكمُ بينَهما.

واستدَلُّوا على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: لو تَرافعَ إلينا ذِميٌّ أو مُعاهَدٌ أو مُستأمَنٌ ومُسلِمٌ يَجبُ الحُكمُ بينَهما بشَرعِنا قَطعًا، طالِبًا كانَ المُسلِمُ، أو مَطلوبًا؛ لأنَّه يَجبُ رَفعُ الظُّلمِ عن المُسلمِ، والمُسلمُ لا يُمكِنُ رَفعُه إلى حاكمِ أهلِ الذِّمةِ، ولا تَركُهما مُتنازِعَينَ، فرَدَدنا مَنْ مع المُسلِمِ إلى حاكِمِ المُسلِمينَ؛ لأنَّ الإسلامَ يَعلو ولا يُعلى عليه.

ولو ترافَع ذِمِّيانِ ولم نشتَرِطْ في عَقدِ الذِّمةِ لهما التِزامَ أَحكامِنا وجَبَ علينا الحُكمُ بينَهما في الأظهَرِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ

(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ٧٨، ٩٠)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٣١١).
(٢) «الاستذكار» (٧/ ٤٥٩، ٤٦١)، و «تفسير القرطبي» (٦/ ١٧٩، ١٨٦)، و «الذخيرة» (٣/ ٤٥٨)، و «شرح ابن بطال» (٨/ ٤٧٦)، و «القوانين الفقهية» ص (١٩٦)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٦٤٨).

اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولأنَّه يَجبُ على الإمامِ مَنعُ الظُّلمِ عن أهلِ الذِّمةِ، فوجَبَ الحُكمُ بينَهم كالمُسلِمينَ. والثانِي: وهو مُقابِلُ الأظهَرِ، لا يَجبُ على القاضي الحُكمُ؛ بل يَتخيَّرُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].

أمَّا لو تَرافعَ إلينا ذِمِّيان اتَّفَقت مِلَّتُهما؛ كنَصرانيَّيْن، شُرطَ في عَقدِ الذِّمةِ لهما التِزامُ أَحكامِنا؛ فإنَّه يَجبُ الحُكمُ بينَهما جَزمًا، عَملًا بالشَّرطِ.

وإنْ ترافَع إلينا ذِمِّيان اختَلفَت ملَّتُهما، كيَهوديٍّ ونَصرانِيٍّ، فيَجبُ كذلك على القاضي المُسلمِ الحُكمُ بينَهما جَزمًا؛ لأنَّ كلًّا منهما لا يَرضى مِلةَ الآخَرِ.

وهذا الحُكمُ فيما إذا تَرافَعوا إلينا، أمَّا إذا لمْ يَترافَعوا إلينا لم نَدعُهم إلينا، ولمْ نعتَرِضْ عليهم فيها.

واستَثنى الشِّربينيُّ الخَطيبُ وغيرُه ما لو تَرافَع إلينا أهلُ الذِّمةِ في شُربِ الخَمرِ؛ فإنَّهم لا يُحدُّونَ، وإنْ رَضُوا بحُكمِنا؛ لأنَّهم لا يَعتقِدونَ تَحريمَه (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إذا تحاكَم إلينا أهلُ الذِّمَّة، إذا استَعدى بَعضُهم على بَعضٍ فالحاكِمُ مُخيَّرٌ بينَ إحضارِهم والحُكمِ بينَهم وبينَ تَركِهم، سَواءٌ كانُوا من أهلِ دِينٍ واحِدٍ أو من أهلِ أديانٍ.

(١) «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٥)، و «المهذب» (٢/ ٢٥٦)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٠٦، ٣٠٧)، (١٠/ ١٠٨)، و «أسنى المطالب» (٣/ ١٦٧)، و «مختصر خلافيات البيهقي» (٤/ ٤١٤).

وحَكى أبو الخَطابِ عن أحمدَ رِوايةً أنَّه يَجبُ الحُكمُ بينَهم.

وإنْ تحاكَم مُسلِمٌ وذِميٌّ وجَبَ الحُكمُ بينَهما بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه يَجبُ دَفعُ ظُلمِ كلِّ واحِدٍ منهما عن صاحِبِه.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا تَحاكَم إلينا أهلُ الذِّمةِ أو استَعدى بَعضُهم على بَعضٍ فالحاكِمُ مُخيَّرٌ بينَ إِحضارِهم والحُكمِ بينَهم وبينَ تَركِهم، سَواءٌ كانُوا من أهلِ دِينٍ واحِدٍ أو من أهلِ أَديانٍ.

هذا المَنصوصُ عن أحمدَ، وهو قَولُ النَّخَعيِّ وأحدُ قَولَيِ الشافِعيِّ، وحَكى أبو الخَطابِ عن أحمدَ رِوايةً أُخرى، أنَّه يَجبُ الحُكمُ بينَهم، وهذا القَولُ الثانِي للشافِعيِّ واختيارُ المُزَنِيِّ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. ولأنَّه يَلزمُه دَفعُ مَنْ قصَد واحدًا منهما بغيرِ حقٍّ، فلزِمَه الحُكمُ بينَهما كالمُسلِمينَ.

ولنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. فخيَّره بينَ الأمرَينِ، ولا خِلافَ في أنَّ هذه الآيةَ نزلَت فيمَن وادَعه رَسولُ اللهِ من يَهودِ المَدينةِ؛ ولأنَّهما كافِرانِ فلا يَجبُ الحُكمُ بينَهما كالمُعاهَدين.

والآيةُ التي احتَجُّوا بها، مَحمولةٌ على مَنْ اختار الحُكمَ بينَهم؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] جَمعًا بينَ الآيتَينِ؛ فإنَّه لا يُصارُ إلى النَّسخِ مع إِمكانِ الجَمعِ. فإذا ثبَتَ هذا فإنَّه إذا حُكمَ بينَهم لم يَجزْ له الحُكمُ إلا بحُكمِ الإسلامِ؛ للآيتَينِ ولأنَّه لا يَجوزُ له الحُكمُ إلا بالقِسطِ كما في حَقِّ المُسلِمينَ، ومتى حُكِم بينَهما

ألزَمَهما حُكمَه، ومَن امتنَعَ منهما أجبَرَه على قَبولِ حُكمِه وأخذِه به؛ لأنَّه إنَّما دخَلَ في العَهدِ بشَرطِ التِزامِ أحكامِ الإسلامِ، قالَ أحمدُ: لا يُبحَثُ عن أمرِهم ولا يُسألُ عن أمرِهم إلا أنْ يأتوهم؛ فإنِ ارتفَعوا إلينا أقَمْنا عليهم الحَدَّ على ما فعَلَ النَّبيُّ ، وقالَ أيضًا: حُكمُنا يَلزمُهم وحُكمُنا جائِزٌ على جَميعِ المِللِ، ولا يَدعوهما الحاكِمُ؛ فإنْ جاؤُوا حَكَمنا بحُكمِنا.

إذا ثبَتَ هذا؛ فإنَّه إذا رُفعَ إلى الحاكمِ من أهلِ الذِّمةِ مَنْ فعَلَ مُحرَّمًا يُوجِبُ عُقوبةً ممَّا هو مُحرَّمٌ عليهم في دِينِهم؛ كالزِّنا والسَّرقةِ والقَذفِ والقَتلِ، فعليه إقامةُ حَدِّه عليه؛ فإنْ كانَ زِنًا جُلِد إنْ كانَ بِكرًا وغُرِّب عامًا، وإنْ كانَ مُحصَنًا رُجِم لما رَوى ابنُ عُمرَ: «أنَّ النَّبيَّ أُتي بيَهودِيَّينِ، فَجَرا بعدَ إِحصانِهما، فأمَرَ بهما فرُجِما».

وعن ابنِ عُمرَ: أنَّ اليَهودَ جاؤوا إلى النَّبيِّ فقالُوا له: «إنَّ رَجلًا منهم وامرأةً زَنيا، فقالَ رَسولُ اللهِ : «ما تَجِدونَ في التَّوراةِ في شأنِ الرَّجمِ؟»، فقالُوا: نَفضَحُهم ويُجلَدونَ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: كَذبتُم، إنَّ فيها الرَّجمَ. فأتَوْا بالتَّوراةِ فنَشَروها، فوضَعَ أحدُهم يَدَه على آيةِ الرَّجمِ، فقَرأَ ما قبلَها وما بَعدَها، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: ارفَعَ يَدَك. فرفَعَ يَدَه، فإذا فيها آيةُ الرَّجمِ، فقالُوا: صدَقَ يا مُحمدُ، فيها آيةُ الرَّجمِ، فأمَرَ بهما رَسولُ اللهِ فرُجِما» مُتَّفقٌ عليه (١).

ورَوى أنَسٌ «أنَّ يَهوديًّا قتَلَ جاريةً على أَوضاحٍ لها بحَجرٍ، فقتَله

(١) رواه البخاري (٣٤٣٦)، ومسلم (١٦٩٩).

رَسولُ اللهِ بينَ حَجَرينِ» مُتَّفقٌ عليه (١)، وإنْ كانَ يَعتقِدُ إِباحتَه كشُربِ الخَمرِ لمْ يُحَدَّ؛ لأنَّه لا يَعتقِدُ تَحريمَه، فلمْ يَلزمْه عُقوبَتُه كالكافرِ، وإنْ تظاهَر به عُزِّر؛ لأنَّه أظهَرَ مُنكَرًا في دارِ الإسلامِ، فعُزِّرَ عليه كالمُسلمِ.

وإنْ تحاكَمَ مُسلمٌ وذِمِّيٌّ وجَبَ الحُكمُ بينَهما بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه يَجبُ دَفعُ ظُلمِ كلِّ واحِدٍ منهما عن صاحِبِه (٢).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا الحُكمُ على الذِّميِّ؛ فإنَّ في ذلك ثَلاثةَ أقوالٍ:

أحدُها: أنَّه يَقضي بينَهم إذا تَرافَعوا إليه بحُكمِ المُسلِمينَ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ.

والثانِي: أنَّه مُخيَّرٌ وبه قالَ مالِكٌ، وعن الشافِعيِّ القَولانِ.

والثالِثُ: أنَّه واجِبٌ على الإمامِ أنْ يَحكُمَ بينَهم وإنْ لمْ يَتحاكَموا إليه.

فعُمدةُ مَنْ اشترَط مَجيئَهم للحاكِمِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. وبهذا تَمسَّكَ من رأى الخيارَ، ومَن أَوجبَه اعتمَدَ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، ورأى أنَّ هذا ناسِخٌ لآيةِ التَّخييرِ.

وأمَّا مَنْ رَأى وُجوبَ الحُكمِ عليهم وإنْ لمْ يَترافَعوا؛ فإنَّه احتَجَّ بإِجماعِهم على أنَّ الذِّميَّ إذا سرَقَ قُطِعت يَدُه (٣).

(١) رواه البخاري في «صحيحه» (٦٤٨٥)، ومسلم (١٦٧٢).
(٢) «المغني» (١٢/ ٢٠٤، ٢٠٥)، و «الكافي» (٤/ ٣٦٥)، و «المبدع» (٣/ ٤٢٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٦٦٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٤٠).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٦٤٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٦٤ - مسألة؛ قال: (وإذا تحاكم إلينا أهل الذمة، [حكمنا عليهم، بحكم] الله تعالى علينا)

أُتِىَ بِيَهُودِيَّيْنِ، فَجَرَا بعدَ إحْصَانِهِما، فأمرَ بهما فرُجِمَا . وعن ابنِ عمرَ، أنَّ اليَهُودَ جاءُوا إلى النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالُوا له: إنَّ رجلًا منهم وامرأةً زَنَيا. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَا تَجِدُونَ في التَّوْرَاةِ في شَأْنِ الرَّجْمِ؟ " . فقالوا: نَفْضَحُهم ويُجْلَدُونَ. قال عبد اللَّه بن سَلَام: كَذَبْتُم إنَّ فيها الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بالتَّوْراةِ فنشَرُوها، فوضَعَ أحدُهم يَدَه على آيةِ الرَّجْمِ، فقرأَ ما قبلَها وما بعدَها، فقال عبدُ اللَّه بن سلَام: ارفَعْ يدَك. فرفعَ يدَه، فإذا فيها آيةُ الرَّجْمِ، فقالوا: صَدَقَ يا محمدُ، فيها آيةُ الرَّجْمِ. فأمرَ بهما رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-, فرُجِمَا. مُتَّفَقٌ عليه . ورَوَى أنسٌ، أنَّ يَهُودِيًّا قَتلَ جاريةً على أوْضاحٍ لها بحَجَرٍ، فقتَلَه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَ حَجَرَيْن. مُتَّفَقٌ عليه . وإن كان يَعْتَقِدُ إباحتَه، كشُرْبِ الخمرِ، لم يُحَدَّ؛ لأنَّه لا يعْتقِدُ تَحْرِيمَهُ ، فلم يَلْزَمْه عُقوبتُه، كالكُفْرِ. وإن تظاهرَ به، عُزِّرَ؛ لأنَّه أظْهَر مُنْكَرًا في دارِ الإِسلامِ، فعُزِّرَ عليه، كالمُسْلِمِ.

فصل: وإن تحاكم مسلمٌ، وذِمِّىٌّ، وجبَ الحكمُ بَيْنَهم. بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه يجبُ دَفْعُ ظُلْمِ كلِّ واحدٍ منهما عن صاحبِه.

١٥٦٥ - مسألة؛ قال: (وإذَا قَذَفَ بالِغٌ حُرًّا مُسْلِمًا، أو حُرَّةً مُسْلِمَةً، جُلِدَ الْحَدَّ ثَمانِينَ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 610 - 618

ارجع إلى المعاملات الاجتماعية مع أهل الذمة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله