قبول هدايا غير المسلمين

الإسلام > الجنايات والحدود > المعاملات الاجتماعية مع أهل الذمة > قبول هدايا غير المسلمين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

قبول هدايا غير المسلمين - الأقوال والأدلة

مَأمورونَ بالإغلاظِ عليهم، ومَنهيُّونَ عن وُدِّهم، فلا نُظهِرُه، واللهُ أعلَمُ (١).

قَبولُ هَدايا غيرِ المُسلِمينَ:

كانَ يَقبلُ هَدايا مُخالِفيه من غيرِ المُسلِمينَ فقَبِل هَديةَ زَينبَ بِنتِ الحارِثِ اليَهوديةِ امرأةِ سَلامِ بنِ مِشكَمٍ في خَيبَرَ؛ حيثُ أهدَتْ له شاةً مَشويةً قد وضَعَت فيها السُّمَّ.

وقد قرَّرَ الفُقهاءُ قَبولَ الهَدايا من الكُفارِ بجَميعِ أَصنافِهم حتى من أهلِ الحَربِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه في «المُغني»: ويَجوزُ قَبولُ هَديةِ الكُفارِ من أهلِ الحَربِ؛ لأنَّ النَّبيَّ قَبِل هَديةَ المُقَوقِسِ صاحِبِ مِصرَ (٢).

عيادةُ أهلِ الذِّمةِ:

عن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ غُلامٌ يَهوديٌّ يَخدُمُ النَّبيَّ فمرِض فأَتاه النَّبيُّ يَعودُه فقعَدَ عندَ رأسِه فقالَ له: «أسلِمْ» فنظَرَ إلى أبيه وهو عندَه فقالَ له: أطِعْ أبا القاسِمِ، فأسلَمَ فخرَجَ النَّبيُّ وهو يَقولُ: «الحَمدُ للهِ الذي أنقَذَه من النارِ» (٣).

(١) «الأذكار» (٢٠٠).
(٢) «المغني» (١٢/ ٦٤١).
(٣) رواه البخاري (١٢٩٠).

قالَ الإمامُ العَينيُّ رحمة الله عليه: فيه جَوازُ عيادةِ أهلِ الذِّمةِ، ولا سيَّما إذا كانَ الذِّميُّ جارًا له؛ لأنَّ فيه إِظهارَ مَحاسنِ الإِسلامِ وزيادةَ التآلُفِ بهم ليَرغَبوا في الإسلامِ (١).

وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فَرعٌ فيما يَقولُ إذا عاد ذِميًّا: اعلَمْ أنَّ أصحابَنا اختلَفوا في عيادةِ الذِّميِّ فاستحَبَّها جَماعةٌ ومنَعها جَماعةٌ.

وذكَرَ الشاشيُّ الاختِلافَ، ثم قالَ: الصَّوابُ عندي أنْ يَقولَ: عيادةُ الكافرِ في الجُملةِ جائِزةٌ والقُربةُ فيها مَوقوفةٌ على نَوعِ حُرمةٍ تقتَرِنُ بها من جِوارٍ أو قَرابةٍ.

قُلتُ: هذا الذي ذكَرَه الشاشيُّ حَسنٌ، فقد رَويْنا في صَحيحِ البُخاريِّ عن أنَسٍ رضي الله عنه … ثم ذكَرَ الحَديثَ.

وروَينا في صَحيحِ البُخاريِّ ومُسلمٍ عن المُسيِّبِ بنِ حَزنٍ والِدِ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ رضي الله عنه قالَ: لمَّا حضَرَت أَبا طالِبٍ الوَفاةُ جاءَه رَسولُ اللهِ فقالَ: «يا عَمِّ، قُلْ لا إلهَ إلا اللهُ»، وذكَرَ الحَديثَ بطُولِه.

قُلتُ: فيَنبَغي لعائدِ الذِّميِّ أنْ يُرغِّبَه في الإسلامِ ويُبيِّنَ له مَحاسِنَه ويَحثَّه عليه ويُحرِّضَه على مُعاجَلتِه قبلَ أنْ يَصيرَ إلى حالٍ لا يَنفعُه فيها تَوبتُه، وإنْ دَعا له دَعا بالهِدايةِ ونَحوِها (٢).

(١) «عمدة القاري» (٨/ ١٧٥).
(٢) «الأذكار» (٢٠١)، و «المجموع» (٥/ ١٠٢).

قالَ الإمامُ المَرُّوذيُّ رحمة الله عليه: بلَغني أنَّ أَبا عبدِ اللهِ -أحمدَ بنَ حَنبلٍ- سُئلَ عن رَجلٍ له قَرابةٌ نَصرانِيٌّ، يَعودُه؟ قالَ: نَعمْ.

قالَ الأَثرمُ: وسَمِعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسألُ عن الرَّجلِ له قَرابةٌ نَصرانِيٌّ يَعودُه؟ قالَ: نَعمْ. قيلَ له: نَصرانِيٌّ؟ قالَ: أَرجو ألَّا تُضيِّقَ العِيادةَ.

قالَ الأَثرمُ: وقُلتُ له مَرةً أُخرى يَعودُ الرَّجلُ اليَهودَ والنَّصارى؟ قالَ: أليسَ عادَ النَّبيُّ اليَهوديَّ ودَعاه إلى الإسلامِ.

وقالَ أبو مَسعودٍ الأصبَهانيُّ: سألت أحمدَ بنَ حَنبلٍ عن عيادةِ القَرابةِ والجارِ النَّصرانِيِّ؛ قالَ: نَعمْ.

وقالَ الفَضلُ بنُ زيادٍ: سَمِعت أحمدَ سُئلَ عن الرَّجلِ المُسلِمِ يَعودُ أحدًا من المُشرِكينَ، قالَ: إنْ كانَ يَرى أنَّه إذا عادَه يَعرِضُ عليه الإسلامَ يَقبلُ منه فليَعُدْه كما عادَ النَّبيُّ الغُلامَ اليَهوديَّ فعرَضَ عليه الإِسلامَ.

وقالَ إِسحاقُ بنُ إبراهيمَ: سأَلتُ أبا عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَكونُ له الجارُ النَّصرانِيُّ فإذا مرِض يَعودُه، قالَ يَحيى: فيَقومُ على البابِ ويَعذِرُ إليه.

وقالَ مُهنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَعودُ الكافرَ؟ فقالَ: إذا كانَ يَرتَجيه فلا بأسَ به، ويَعرِضُ عليه الإسلامَ، قُلتُ له: وتَرى إذا عادَه يَدعوه إلى الإسلامِ؟ قالَ: نَعمْ.

وقالَ أبو داودَ: سَمِعتُ أحمدَ يُسألُ عن عيادةِ اليَهوديِّ والنَّصرانِيِّ؛ فقالَ: إذا كانَ يُريدُ أنْ يَدعوَه إلى الإسلامِ فنَعمْ.

وقالَ جَعفرُ بنُ مُحمدٍ: سُئلَ أبو عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَعودُ شَريكًا له يَهوديًّا أو نَصرانيًّا، قالَ: لا، ولا كَرامةَ.

قالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: فهذه ثَلاثُ رِواياتٍ مَنصوصاتٍ عن أحمدَ: المَنعُ والإذْنُ والتَّفصيلُ؛ فإنْ أمكَنه أنْ يَدعوَه إلى الإسلامِ ويَرجوَ ذلك منه عادَه (١).

وقالَ الإمامُ الشَّوكانَيُّ رحمة الله عليه: وفي الحَديثِ دَليلٌ على جَوازِ زيارةِ أهلِ الذِّمةِ إذا كانَ الزائِرُ يَرجو بذلك حُصولَ مَصلحةٍ دِينيةٍ كإِسلامِ المَريضِ.

قالَ المُنذريُّ رحمة الله عليه: قيلَ: يُعادُ المُشرِكُ ليُدعى إلى الإسلامِ إذا رُجيت إجابَتُه، ألا تَرى أنَّ اليَهوديَّ أسلَمَ حينَ عرَضَ عليه النَّبيُّ الإِسلامَ، فأمَّا إذا لم يَطمعْ في الإِسلامِ ولم يَرجُ إجابتَه فلا يَنبَغي عيادَتُه، وهكذا قالَ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: إنَّها إنَّما تُشرَعُ عيادةُ المُشرِكِ إذا رُجي أنْ يُجيبَ إلى الدُّخولِ في الإسلامِ، فأمَّا إذا لم يَطمعْ في ذلك فلا.

قالَ الحافِظُ رحمة الله عليه: والذي يَظهرُ أنَّ ذلك يَختلِفُ باختِلافِ المَقاصدِ، فقد يَقعُ بعيادَتِه مَصلحةٌ أُخرى (٢).

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٥٨).
(٢) «نيل الأوطار» (٨/ ٢٢٨)، وانظر: «فتح الباري» (١٠/ ١١٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أو يشهد عليه أربعة رجال من المسلمين أحرار عدول، يصفون الزنى)

اللهُ عَلَيْهِ " . ففى هذا أوْضَحُ الدَّلائلِ على أنَّه يُقْبَلُ رُجوعُه. وعن بُرَيْدَةَ، قال: كُنَّا أصحابَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نتحدَّثُ أنَّ الغامديَّةَ وماعزَ بن مالِكٍ، لو رَجَعا بعدَ اعْترافِهِما . أو قال: لو لم يَرْجِعا بعدَ اعْترافِهما، لم يَطْلُبْهُما، وإنَّما رجَمَهما عندَ الرابعة. روَاه أبو داود . ولأنَّ رُجوعَه شُبْهَةٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ الإِقْرارَ إحْدَى بَيِّنَتَىِ الحَدِّ، فيَسْقطُ بالرُّجوعِ عنه، كالبَيِّنَةِ إذا رجعَتْ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، وفارقَ سائرَ الحُقوقِ، فإنَّها لا تُدْرأُ بالشُّبهاتِ. وإنَّما لم يجبْ ضَمانُ ماعزٍ على الذين قَتلُوه بعدَ هَرَبِه؛ لأنَّه ليس بِصَريحٍ في الرُّجوعِ. إذا ثبت هذا، فإنَّه إذا هَرَبَ لم يُتْبَعْ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: " هَلَّا تَرَكْتُمُوه". وإن لم يُتْرَكْ وقُتِلَ، لم يُضْمَنْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُضَمِّنْ ماعزًا مَنْ قَتَلَه، ولأنَّ هربَه ليس بِصَريحٍ في رُجوعِه. وإن قال: رُدُّونى إلى الحاكمِ. وجبَ ردُّه، ولم يَجُزْ إتْمامُ الحَدِّ، فإنْ أُتِمَّ، فلا ضَمانَ على مَن أَتمَّه؛ لمَا ذكرْنَا في هَرَبِه. وإن رجعَ عن إقْرارِهِ، وقال: كذَبْتُ في إقْرارِى. أو: رجعتُ عنه. أو: لم أفعلْ ما أقْرَرْتُ به. وجبَ تركهُ، فإنْ قَتَلَه قاتِلٌ بعدَ ذلك، وجبَ ضَمانُه؛ لأنَّه قد زالَ إقْرارُه بالرُّجوعِ عنه، فصارَ كمَن لم يُقِرَّ، ولا قصاصَ على قاتِلِه؛ لأنَّ أهلَ العلمِ اخْتَلفُوا في صحَّةِ رُجوعِه، فكان اخْتلافُهم شُبْهَةً دارئةً للقِصاصِ، ولأنَّ صِحَّةَ الإِقْرارِ ممَّا يَخْفَى، فيكونُ ذلك عُذْرًا مانِعًا من وُجوبِ القِصَاصِ.

١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أحرارٌ عُدُولٌ، يَصِفُونَ الزِّنَى)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 580 - 583

ارجع إلى المعاملات الاجتماعية مع أهل الذمة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله