كيف نرد عليهم إذا تحقق لدينا أنهم قالوا: السلام عليكم؟

الإسلام > الجنايات والحدود > المعاملات الاجتماعية مع أهل الذمة > كيف نرد عليهم إذا تحقق لدينا أنهم قالوا: السلام عليكم؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

كيف نرد عليهم إذا تحقق لدينا أنهم قالوا: السلام عليكم؟ - الأقوال والأدلة

وعليكم السلامُ، ولكنْ لا يَقولُ: «ورَحمةُ اللهِ»، حَكاه الماوَرديُّ، وهو ضَعيفٌ مُخالِفٌ للأحاديثِ، واللهُ أعلَمُ (١).

قالَ الإمامُ العَينيُّ رحمة الله عليه: مُنع أنْ يُبتدأَ الكافِرُ بالسلامِ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ وأكثرِ العُلماءِ، وأَجازَه جَماعةٌ مُطلَقًا وجَماعةٌ للاستِئلافِ أو الحاجةِ، وقد جاءَ عنه النَّهيُ في الأَحاديثِ الصَّحيحةِ (٢).

وقالَ الإمامُ المَناويُّ رحمة الله عليه: «لا تَبدؤوا اليَهودَ ولا النَّصارى بالسلامِ»؛ لأنَّ السلامَ إِعزازٌ ولا يَجوزُ إِعزازُهم، فيَحرمُ ابتِداؤُهم به على الأصحِّ عندَ الشافِعيةِ «فإذا لقِيَتم أحدَهم في طَرِيقٍ» فيه زَحمةٌ «فاضطرُّوه إلى أضيَقِه» بحيثُ لا يَقعُ في وَهدةٍ أو يَصدِمُه نَحوُ جِدارٍ، أي: لا تَترُكوا له صَدرَ الطَّريقِ (٣).

كيف نَردُّ عليهم إذا تَحقَّق لدينا أنَّهم قالُوا: السلامُ عليكم؟

قالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: هذا كلُّه إذا تَحقَّقَ أنَّه قالَ: السامُ عليكم، أو شَكَّ فيما قالَ، فلو تَحقَّقَ السامِعُ أنَّ الذِّميَّ قالَ له: «سَلامٌ عليكم» لا شكَّ فيه، فهل له أنْ يَقولَ: «وعليك السلامُ» أو أنْ يَقتصِرَ على قَولِه: «وعليك» فالذي تَقتَضيه الأدلةُ الشَّرعيةُ وقَواعدُ الشريعةِ أنْ يُقالَ له: «وعليك السلامُ»؛ فإنَّ هذا من بابِ العَدلِ، واللهُ يأمرُ بالعَدلِ والإحسانِ

(١) «شرح مسلم» (١٤/ ١٤٤).
(٢) «عمدة القاري» (١/ ٩٩).
(٣) «التيسير بشرح الجامع الصغير» (٢/ ٤٩٨).

وقد قالَ تَعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فنَدبَ إلى الفَضلِ وأوجَبَ العَدلَ ولا يُنافي هذا شَيئًا من أَحاديثِ البابِ بوَجهٍ ما؛ فإنَّه إنَّما أمَرَ بالاقتِصارِ على قَولِ الرادِّ: «وعليكم»، بِناءً على السَّببِ المَذكورِ الذي كانُوا يَعتمِدونَه في تحيَّتِهم، وأَشارَ إليه في حَديثِ عائِشةَ رضي الله عنها فقالَ: «ألا تَرَيْنني قُلتُ: وعليكم» لمَّا قالُوا: «السامُ عليكم»، ثم قالَ: «إذا سلَّمَ عليكم أهلُ الكِتابِ فقولوا: وعليكم»، والاعتِبارُ -وإنْ كانَ لعُمومِ اللَّفظِ- إنَّما يُعتبَرُ عُمومُه في نَظيرِ المَذكورِ لا فيما يُخالِفُه.

فقالَ تَعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨] فإذا زالَ هذا السَّببُ، وقالَ الكِتابيُّ: سَلامٌ عليكم ورَحمةُ اللهِ، فالعَدلُ في التَّحيةِ يَقتَضي أنْ يَردَّ عليه نَظيرَ سَلامِه وباللهِ التَّوفيقُ (١).

وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ أبو سَعدٍ: لو أرادَ تَحيةَ ذِميٍّ فعلها بغيرِ السلامِ؛ بأنْ يَقولَ: هداك اللهُ أو أنعَمَ اللهُ صباحَك.

قُلتُ: هذا الذي قالَه أبو سَعدٍ لا بأسَ به إذا احتاجَ إليه، فيَقولُ: صُبِّحت بالخَيرِ أو السعادةِ أو بالعافيةِ، أو صبَّحَك اللهُ بالسُّرورِ أو بالسَّعادةِ والنِّعمةِ أو بالمَسرةِ، أو ما أشبَهَ ذلك، وأمَّا إذا لمْ يَحتجْ إليه فالاختيارُ ألَّا يَقولَ شَيئًا؛ فإنَّ ذلك بَسطٌ له وإِيناسٌ وإِظهارُ صُورةِ وُدٍّ، ونحن

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٥٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في الشرائط التي ترجع إلى نفس القذف

فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِمَا، فَالْقَذْفُ فِيهِمَا لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ حِينَ وُجُودِهِ فَلَا يُحْتَمَلُ الِاسْتِيفَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَاجِبِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ وَالْإِضَافَةِ إلَى وَقْتٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ - لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ قَذْفًا لِلْحَالِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ نَجَّزَ الْقَذْفَ - كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَالْإِضَافَاتِ - فَكَانَ قَاذِفًا تَقْدِيرًا مَعَ انْعِدَامِ الْقَذْفِ حَقِيقَةً؛ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا قُلْتُ - أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُبْتَدِئِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْقَذْفَ بِشَرْطِ الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ دَخَلْتَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ فَدَخَلَ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا، فَجَاءَ الْغَدُ وَالشَّهْرُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْقَذْفِ إلَى وَقْتٍ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْقَذْفِ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا تَظْهَرُ بِهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقَاضِي

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 578 - 579

ارجع إلى المعاملات الاجتماعية مع أهل الذمة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر