سقوط التعزير بالتوبة

الإسلام > الجنايات والحدود > بأي شيء يكون التعزير > سقوط التعزير بالتوبة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

سقوط التعزير بالتوبة - الأقوال والأدلة

وقالَ الحَنابلةُ: يَحرمُ التعزيرُ بحَلقِ لِحيتِه؛ لِما فيه مِنْ المُثلةِ (١).

وهذا مُقتضَى كَلامِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ، إلا أنني لم أَقفْ لهم على قَولٍ.

سُقوطُ التَّعزيرِ بالتَّوبةِ:

نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الإنسانَ إذا فعَلَ مَعصيةً للهِ تعالَى ثم جاءَ تائبًا إلى اللهِ فإنه لا يُعزَّرُ؛ لِما رواهُ ابنُ مَسعودٍ رضي الله عنه «أنَّ رَجلًا أصابَ مِنْ امرَأةٍ قُبلةً، فأتَى النبيَّ فأخبَرَه، فأنزَلَ اللهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فقال الرَّجلُ: يا رَسولَ اللهِ ألِيَ هذا؟ قالَ: لجَميعِ أمَّتِي كُلِّهم» (٢).

وفي رِوايةٍ لمُسلمٍ: «أنَّ رَجلًا أتَى النبيَّ فذكَرَ أنهُ أصابَ مِنْ امرَأةٍ إمَّا قُبلةً أو مَسًّا بيَدٍ أو شَيئًا دُونَ الفاحِشةِ» (٣).

والمُرادُ بالمَسِّ الجِماعُ، ومعناهُ: استَمتعتُ بها بالقُبلةِ والمُعانَقةِ وغيرِهما مِنْ جَميعِ أنواعِ الاستِمتاعِ إلا الجَماعَ (٤).

وعن عائِشةَ رضي الله عنها أنها قالَتْ: «جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ فقالَ: احتَرَقتُ، قالَ رسولُ اللهِ : لِمَ؟ قالَ: وَطِئتُ امرَأتي في رَمضانَ نهارًا، قالَ: تَصدَّقْ تَصدَّقْ، قالَ: ما عِندي شيءٌ، فأمَرَهُ

(١) «الإنصاف» (١٠/ ٢٤٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٥٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٢٨).
(٢) رواه البخاري (٥٠٣)، ومسلم (٢٧٦٣).
(٣) رواه مسلم (٢٧٦٣).
(٤) «شرح صحيح مسلم» (١٧/ ٨٠).

أنْ يَجلسَ، فَجاءَهُ عَرَقانِ فيهما طَعامٌ، فأمَرَهُ رسولُ اللهِ أنْ يَتصدَّقَ بهِ» (١).

وقالَ الإمامُ البُخاريُّ رحمة الله عليه: بَاب مَنْ أصابَ ذَنبًا دونَ الحَدِّ فأخبَرَ الإمامَ فلا عُقوبةَ عليه بعدَ التوبةِ إذا جاءَ مُستفتِيًا، قالَ عطاءٌ: لمْ يُعاقِبْه النبيُّ ، وقالَ ابنُ جُريجٍ: ولم يُعاقِبِ الذي جامَعَ في رَمضانَ، ولم يُعاقِبْ عُمرُ صاحِبَ الظَّبيِ، وفيه عن أبي عُثمانَ عن ابنِ مَسعودٍ عن النبيِّ (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ أنه مَنْ أصابَ ذنبًا فيه حَدٌّ أنه لا تَرفعُه التوبةُ، ولا يَجوزُ للإمامِ العفوُ عنه إذا بلَغَه، ومِن التوبةِ عندَهم أنْ يطهرَ ويكفرَ بالحدِّ، إلا الشافِعيَّ ذكَرَ عنه ابنُ المُنذِرِ أنه قالَ: إذا تابَ قبلَ أنْ يُقامَ عليهِ الحَدُّ سقَطَ عنه.

فأما مَنْ أصابَ ذَنبًا دونَ الحدِّ ثم جاءَ تائبًا فتَوبتُه تُسقطُ عنه العُقوبةَ، وليسَ للسُّلطانِ الاعتِراضُ عليه، بل يُؤكِّدُ بصيرتَه في التوبةِ ويأمرُه بها ليَنتشرَ ذلكَ فيَتوبَ المُذنبُ، ألَا ترَى أنَّ النبيَّ لمَّا فَهِمَ من المُواقِعِ أهلَه في رَمضانَ الندمَ على فِعلِه مِنْ صُورةِ فزَعِه وقولِه: «احتَرقْتُ» لم يُعاقِبْه النبيُّ ولا أنَّبَه، بل أعطاهُ ما يُكفِّرُ به، وأما حَديثُ أبي عُثمانَ عن ابنِ مَسعودٍ الذي أشارَ إليه البُخاريُّ ولم يَذكرْه فهو أبيَنُ شيءٍ في هذا البابِ (٣).

(١) رواه مسلم (١١١٢).
(٢) «صحيح البخاري» (٦/ ٢٥٠٠).
(٣) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٤٤٢).

وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينيُّ رحمة الله عليه: ولا عُقوبةَ عليه بعدَ التوبةِ، يعني: يَسقطُ عنه ما أصابَ مِنْ الذُّنوبِ الذي لا حَدَّ له، وليسَ للإمامِ الاعتِراضُ عليهِ، بل يُؤكِّدُ بَصيرتَه في التوبةِ ويأمرُه بها ليَنتشرَ ذلكَ فيَتوبَ المُذنبُ (١).

وهذا إذا كانَتِ المَعصيةُ في حُقوقِ اللهِ، أما في حُقوقِ العَبدِ فلا يَجوزُ إلا بإسقاطِ مَنْ له الحَقُّ.

قالَ المالِكيةُ: التعزيرُ المُتمحِّضُ لحَقِّ اللهِ تعالَى يَسقطُ عن مُستحِقِّه إذا جاءَ تائبًا، بخِلافِ التعزيرِ لحَقِّ الآدَميِّ؛ فإنه لا يَسقطُ بذلكَ إلا إذا عَفى صاحِبُ الحقِّ عنه (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: للإمامِ إقامةُ التَّعزيرِ إذا رآهُ، وله تَركُه إنْ جاءَ تائبًا مُعتَرِفًا يَظهرُ منه النَّدمُ والإقلاعُ؛ لِما رَوى ابن مَسعودٍ رضي الله عنه: «أنَّ رَجلًا أتَى النبيَّ فقالَ: إني لَقيتُ امرأةً فأصَبتُ منها ما دونَ أنْ أطَأَها، فقالَ: أصَلَّيتَ معَنا؟ قالَ نعمْ، فتَلا عليهِ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]» (٣).

وإنْ كانَ لحَقِّ آدَميٍّ فطَلبَه لَزمَه إجابتُه، ولا يَسقطُ إلا بعَفوِ صاحبِ الحَقِّ (٤).

(١) «عمدة القاري» (٢٣/ ٢٩٦).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٧٠).
(٣) رواه البخاري (٥٢٦)، ومسلم (٢٧٦٣).
(٤) «كشاف القناع» (٦/ ١٥٨)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٢٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في التعزير

يُعَزَّرُ تَأْدِيبًا لَا عُقُوبَةً؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّأْدِيبِ، أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «مُرُوا صِبْيَانَكُمْ بِالصَّلَاةِ؛ إذَا بَلَغُوا سَبْعًا وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا؛ إذَا بَلَغُوا عَشْرًا» وَذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ وَالتَّهْذِيبِ لَا بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَدْعِي الْجِنَايَةَ، وَفِعْلُ الصَّبِيِّ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ جِنَايَةً، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ التَّأْدِيبِ.

فَصْلٌ فِي قَدْرِ التَّعْزِيرِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا قَدْرُ التَّعْزِيرِ فَإِنَّهُ إنْ وَجَبَ بِجِنَايَةٍ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ، كَمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: يَا فَاسِقُ، يَا خَبِيثُ، يَا سَارِقُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ - فَالْإِمَامُ فِيهِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ عَزَّرَهُ بِالضَّرْبِ، وَإِنْ شَاءَ بِالْحَبْسِ، وَإِنْ شَاءَ بِالْكَهْرِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِالْكَلَامِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه لِعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: يَا أَحْمَقُ

أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْزِيرِ مِنْهُ إيَّاهُ، لَا عَلَى سَبِيلِ الشَّتْمِ، إذْ لَا يُظَنُّ ذَلِكَ مِنْ مِثْلِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه لَا بِأَحَدٍ فَضْلًا عَنْ الصَّحَابِيِّ، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ رَتَّبَ التَّعْزِيرَ عَلَى مَرَاتِبِ النَّاسِ، فَقَالَ: التَّعَازِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ مَرَاتِبَ: تَعْزِيرُ الْأَشْرَافِ، وَهُمْ الدَّهَّاقُونَ وَالْقُوَّادُ، وَتَعْزِيرُ أَشْرَافِ الْأَشْرَافِ وَهُمْ الْعَلَوِيَّةُ وَالْفُقَهَاءُ، وَتَعْزِيرُ الْأَوْسَاطِ: وَهُمْ السُّوقَةُ، وَتَعْزِيرُ الْأَخِسَّاءِ: وَهُمْ السِّفْلَةُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 649 - 651

ارجع إلى بأي شيء يكون التعزير؟ للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد