حقوق أهل الذمة

الإسلام > الجنايات والحدود > حقوق أهل الذمة

مسائلُ فقهيةٌ في حقوق أهل الذمة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

تعريف حقوق أهل الذمة وحكمها

حُقوقُ أهلِ الذِّمةِ:

القاعِدةُ العامةُ في حُقوقِ أهلِ الذِّمةِ: أنَّ لهم ما لنا، وعليهِم ما عليْنا، وهذه القاعِدةُ جرَت على لسانِ فُقهاءِ الحَنفيةِ، وتَدلُّ عليها عِباراتُ فُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ (١).

ويُؤيِّدُها بعضُ الآثارِ عن السَّلفِ، فقد رُوي عن علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ أنَّه قالَ: «إنَّما قَبِلوا عَقدَ الذِّمةِ لتَكونَ أموالُهم كأموالِنا، ودِماؤُهم كدِمائِنا.

لكنَّ هذه القاعِدةَ غيرُ مُطبَّقةٍ على إطلاقِها؛ فالذِّمِّيونَ ليسُوا كالمُسلِمينَ في جَميعِ الحُقوقِ والواجِباتِ، وذلك بسَببِ كُفرِهم وعَدمِ التِزامِهم أَحكامَ الإسلامِ.

وفيما يَلي نَذكُرُ ما يَتمتَّعُ به أهلُ الذِّمةِ من الحُقوقِ:

أولًا: حِمايةُ الدَّولةِ لهم:

يُعتبَرُ أهلُ الذِّمةِ من أهلِ دارِ الإسلامِ؛ لأنَّ المُسلِمينَ حينَ أعطَوْهم الذِّمةَ التَزَموا دَفعَ الظُّلمِ عنهم والمُحافَظةَ عليهم، وصاروا كأهلِ دارِ الإسلامِ، كما صرَّحَ الفُقهاءُ بذلك (٢).

(١) «بدائع الصنائع» للكاساني (٧/ ١١١)، و «الاختيار» (٤/ ١٢٦)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٤٣)، و «البحر الرائق» (٥/ ٨١)، و «القوانين الفقهية» لابن جزي ص (١٠٥)، و «المهذب» للشيرازي (٢/ ٢٥٦)، و «الأحكام السلطانية» للماوردي ص (٢٤٧)، و «المغني» (١٢/ ٧١٧).
(٢) «البدائع» للكاساني (٥/ ٢٨١)، و «شرح السير الكبير» (١/ ١٤٠)، و «المغني» (١٢/ ٧١٧).

وعلى ذلك، فلأهلِ الذِّمةِ حقُّ الإقامةِ آمِنين مُطمَئنِّين على دِمائِهم وأَموالِهم وأَعراضِهم، وعلى الإمامِ حِمايتُهم من كلِّ مَنْ أَرادَ بهم سُوءًا من المُسلِمينَ أو أهلِ الحَربِ أو أهلِ الذِّمةِ؛ لأنَّه التزَمَ بالعَهدِ حِفظَهم من الاعتِداءِ عليهم، فيَجبُ عليه الذَّبُّ عنهم، ومَنعُ مَنْ يَقصِدُهم بالأذى من المُسلِمينَ أو الكُفارِ، واستِنقاذُ مَنْ أُسرَ منهم، واستِرجاعُ ما أُخذَ من أَموالِهم، سَواءٌ كانُوا مع المُسلِمينَ أو مُنفرِدينَ عنهم في بَلدٍ لهم؛ لأنَّهم بَذلوا الجِزيةَ لحِفظِهم وحِفظِ أَموالِهم (١).

ومِن مُقتَضياتِ عَقدِ الذِّمةِ: أنَّ أهلَ الذِّمةِ لا يُظلَمونَ ولا يُؤذَونَ، قالَ النَّبيُّ : «ألا مَنْ ظلَمَ مُعاهَدًا أو انتقَصَه حَقَّه أو كلَّفَه فوقَ طاقَتِه أو أخَذَ منه شَيئًا بغيرِ طِيبِ نَفسٍ منه، فأنا حَجيجُه يَومَ القيامةِ» (٢).

وقالَ الإمامُ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: والذي إجماعُ الأُمةِ عليه، أنَّ مَنْ كانَ في الذِّمةِ وجاء أهلُ الحَربِ إلى بِلادِنا يَقصدِونَه وجَبَ علينا أنْ نَخرُجَ لقِتالِهم بالكُراعِ والسِّلاحِ ونَموتَ دونَ ذلك؛ صَونًا لمَن هو في ذِمةِ اللهِ تَعالى وذِمةِ رَسولِه ؛ فإنَّ تَسليمَه دونَ ذلك إِهمالٌ لعَقدِ الذِّمةِ، ومنها أنَّ مَنْ اعتَدى عليهم ولو بكَلمةِ سُوءٍ أو غِيبةٍ في عِرضِ أحدِهم أو نَوعٍ من أَنواعِ الأَذيةِ أو أَعانَ على ذلك فقد ضيَّعَ ذِمةَ اللهِ تَعالى وذِمةَ رَسولِه وذِمةَ دِينِ الإسلامِ، تَعيَّنَ علينا أنْ نَبَرَّهم بكُلِّ أمرٍ لا يُؤدِّي إلى أحدِ الأمرَينِ:

(١) «البدائع» (٧/ ١١١)، و «الشرح الصغير» للدردير (٢/ ٢٧٣) و (٤/ ٣٣٥)، و «المهذب» (٢/ ٢٥٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٣٩)، و «المغني» (٨/ ٥٣٥).
(٢) سبَقَ تَخريجُه.

الأولُ: ما يَدلُّ ظاهِرُه على مَودَّاتِ القُلوبِ.

والآخَرُ: ما يَدلُّ ظاهِرُه على تَعظيمِ شَعائرِ الكُفرِ، وذلك كالرِّفقِ بضَعيفِهم وسَدِّ خَلةِ فَقيرِهم وإطعامِ جائِعِهم وإِكساءِ عارِيهم، ولينِ القَولِ لهم على سَبيلِ اللُّطفِ لهم، والرَّحمةِ، لا على سَبيلِ الخَوفِ والذِّلةِ.

وكذلك احتِمالُ أَذيَّتِهم في الجِوارِ مع القُدرةِ على إِزالتِه لُطفًا منَّا بهم، لا خَوفًا وتَعظيمًا، والدُّعاءُ لهم بالهِدايةِ، وأنْ يُجعَلوا من أهلِ السَّعادةِ، ونَصيحَتُهم في جَميعِ أُمورِهم في دِينِهم ودُنياهم، وحِفظُ غَيبَتِهم إذا تَعرَّض أحدٌ لأَذيَّتِهم، وصَونُ أَموالِهم وعيالِهم وأَعراضِهم، وجَميعِ حُقوقِهم ومَصالحِهم، وأنْ يُعانوا على دَفعِ الظُّلمِ عنهم، وكذلك إِيصالُهم لجَميعِ حُقوقِهم، وكلِّ خَيرٍ يَحسُنُ من الأَعلى مع الأسفَلِ أنْ يَفعلَه، ومن العَدوِّ أنْ يَفعلَه مع عَدوِّه؛ فإنَّ ذلك من مَكارمِ الأَخلاقِ (١).

حتى إنَّ الفُقهاءَ صرَّحوا بأنَّ أهلَ الحَربِ إذا استَولَوا على أهلِ الذِّمةِ فسَبَوْهم وأخَذوا أموالَهم ثم قُدِّر عليهم، وجَبَ رَدُّهم إلى ذِمَّتِهم ولمٍ يَجزِ استِرقاقُهم، وهذا في قَولِ عامةِ أهلِ العِلمِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وجُملةُ ذلك، أنَّ أهلَ الحَربِ إذا استَولَوا على أهلِ ذِمَّتِنا فسَبَوْهم وأخَذوا أَموالَهم ثم قُدِرَ عليهم وجَبَ رَدُّهم إلى ذِمَّتِهم، ولم يَجزِ استِرقاقُهم في قَولِ عامةِ أهلِ العِلمِ، منهم: الشَّعبيُّ ومالِكٌ واللَّيثُ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ وإسحاقُ، ولا نَعلمُ لهم مُخالِفًا؛ وذلك لأنَّ ذِمتَهم

(١) «الفروق» للقرافي (٣/ ٣٠، ٣١).

مسائل حقوق أهل الذمة الفقهية

ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.1 / 29.5
الإضاءة 61%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
الحمد لله