مشروعية إتلاف النفس لمصلحة إظهار الدين

الإسلام > الجنايات والحدود > حكم إتلاف النفس وتقحم المهالك إظهارا للدين > مشروعية إتلاف النفس لمصلحة إظهار الدين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

مشروعية إتلاف النفس لمصلحة إظهار الدين - الأقوال والأدلة

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وقد اتَّفَقوا على جَوازِ التَّغريرِ بالنَّفسِ في الجِهادِ في المُبارَزةِ ونَحوِها (١).

وقالَ في قِصةِ عُمَيرِ بنِ الحُمامِ: فيه جَوازُ الانغِمارِ في الكُفارِ والتَّعرُّضُ للشَّهادةِ، وهو جائِزٌ بلا كَراهةٍ عندَ جَماهيرِ العُلماءِ (٢).

مَشروعيةُ إتلافِ النَّفسِ لمَصلَحةِ إظهارِ الدِّينِ:

عن أنسِ بنِ مَالِكٍ: «أنَّ رَسولَ اللهِ أُفرِد يَومَ أُحدٍ في سَبعةٍ من الأنصارِ ورَجلَينِ من قُريشٍ فلمَّا رَهِقوه قالَ: «مَنْ يَرُدُّهم عنَّا وله الجَنةُ» أو «هو رَفيقي في الجَنةِ» فتَقدَّمَ رَجلٌ من الأنصارِ فقاتَلَ حتى قُتلَ ثم رَهِقوه أيضًا، فقالَ: «مَنْ يَرُدُّهم عنَّا وله الجَنةُ» أو «هو رَفيقي في الجَنةِ» فتَقدَّمَ رَجلٌ من الأنصارِ فقاتَلَ حتى قُتِل، فلم يَزَلْ كذلك حتى قُتلَ السَّبعةُ، فقالَ النَّبيُّ : «ما أنصَفْنا أصحابَنا» (٣).

ورَوى البُخاريُّ عن مُوسَى بنِ أنَسٍ -وذكَرَ يَومَ اليَمامةِ- قالَ: أتَى أنَسٌ ثابِتَ بنَ قَيسٍ وقد حسَرَ عن فَخِذيْه وهو يَتحنَّطُ، فقالَ: يا عَمِّ، ما يَحبِسُك ألَّا تَجيءَ؟ قالَ: الآنَ يا ابنَ أخي، وجعَلَ يَتحنَّطُ -يَعني من الحَنوطِ- ثُمَّ جاءَ فجلَسَ فذكَرَ في الحَديثِ انكِشافًا من الناسِ، فقالَ: هكذا عن وُجوهِنا

(١) «شرح مسلم» (١٢/ ١٨٧).
(٢) «شرح مسلم» (١٣/ ٤٦).
(٣) رواه مسلم (١٧٨٩).

حتى نُضارِبَ القَومَ، ما هكذا كُنا نَفعلُ مع رَسولِ اللهِ ، بِئسَ ما عَوَّدتُم أقرانَكُم (١).

قالَ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: قالَ المُهلَّبُ: فيه الأخذُ بالشِّدةِ في استِهلاكِ النَّفسِ وغيرِها في ذاتِ اللهِ، وتَركُ الأخذِ بالرُّخصةِ لمَن قدِرَ عليها؛ لأنَّه لا يَخلو أنْ تَكونَ الطائِفةُ من المُسلِمينَ التي غزَت اليَمامةَ أكثَرَ منهم أو أقَلَّ؛ فإنْ كانُوا أكثَرَ فلا يَتعيَّنُ الفَرضُ على أحَدٍ بعَينِه أنْ يَستهلِكَ نَفسَه فيه، وإنْ كانُوا أقَلَّ -وهو المَعروفُ في الأغلَبَ ألَّا يَغزوَ جَيشٌ أحَدًا في عُقرِ دارِه إلا وهُم أَقلُّ من أهلِ الدارِ- فإذا كانَ هكذا فالفِرارُ مُباحٌ.

وإنْ تَعذَرَ مَعرِفةُ الأكثَرِ من الفَريقَينِ؛ فإنَّ الفارَّ لا يَكونُ عاصيًا إلا باليَقينِ أنَّ عَدوَّهم مِثلانِ فأَقلُّ، وما دامَ الشَّكُّ فالفِرارُ مُباحٌ للمُسلِمينَ، وفيه أنَّ التَّطيُّبَ للحَربِ سُنةٌ من أجلِ مُباشَرةِ المَلائِكةِ للمَيِّتِ، وفيه اليَقينُ بصِحةِ ما هو عليه من الدِّينِ، وصِحةِ النِّيةِ بالاغتِباطِ في استِهلاكِ نَفسِه في طاعةِ اللهِ ، وفيه التَّداعي للقِتالِ؛ فإنَّ أنَسًا قالَ لعَمِّه: ما يَحبِسُك ألَّا تَجيءَ؟ ومَعنى قَولِه: (بِئسَ ما عوَّدتُم أقرانَكم) يَعنى: العَدوَّ، في تَركِهم اتِّباعَكم قَبلَكم حتى اتَّخذتُم الفِرارَ عادةً للنَّجاةِ، وطَلبِ الراحةِ من مُجالَدةِ الأقرانِ (٢).

(١) رواه البخاري (٢٦٩٠).
(٢) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٥/ ٥٢، ٥٣)، و «فتح الباري» (٦/ ٥٢).

وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه كما سبَقَ: فأمَّا إذا كانَ في تَلفِ نَفسِه مَنفَعةٌ عائِدةٌ على الدِّينِ فهذا مَقامٌ شَريفٌ مدَحَ اللهُ به أصحابَ النَّبيِّ في قَولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١] وقالَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)[آل عمران: ١٦٩] وقالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)[البقرة: ٢٠٧] في نَظائِرِ ذلك من الآيِ التي مَدَح اللهُ فيها مَنْ بذَل نَفسَه للهِ (١).

وقالَ العِزُّ بنُ عبدِ السَّلامِ رحمة الله عليه: التَّولِّي يَومَ الزَّحفِ مَفسَدةٌ كَبيرةٌ، لكنَّه واجِبٌ إذا علِمَ أنَّه يُقتَلَ من غيرِ نِكايةٍ في الكُفارِ؛ لأنَّ التَّغريرَ بالنُّفوسِ إنَّما جازَ لما فيه من مَصلَحةِ إعزازِ الدِّينِ بالنِّكايةِ في المُشرِكينَ، فإذا لم تَحصُلِ النِّكايةُ وجَبَ الانهِزامُ؛ لما في الثُّبوتِ من فَواتِ النُّفوسِ مع شِفاءِ صُدورِ الكُفارِ وإرغامِ أهلِ الإسلامِ، وقد صارَ الثُّبوتُ ههنا مَفسَدةً مَحضةً ليسَ في طَيِّها مَصلَحةٌ (٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا كانَ العَدوُّ أكثَرَ من ضِعفِ المُسلِمينَ فغلَبَ على ظَنِّ المُسلِمينَ الظَّفَرُ، فالأوْلى لهم الثَّباتُ لما في ذلك من المَصلَحةِ، وإنِ انصَرَفوا جازَ؛ لأنَّهم لا يأمَنون العَطَبَ والحُكمُ عُلِّق على

(١) «أحكام القرآن» (١/ ٣٢٧، ٣٢٨).
(٢) «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» (١/ ٩٥).

مَظِنَّتِه، وهو كَونُهم أقَلَّ من نِصفِ عَددِهم، ولذلك لزِمَهم الثَّباتُ إذا كانُوا أكثَرَ من النِّصفِ، وإنْ غلَبَ على ظَنِّهم الهَلاكُ فيه.

ويُحتمَلُ أنْ يَلزمَهم الثَّباتُ إنْ غلَبَ على ظَنِّهم الظَّفَرُ لما فيه من المَصلَحةِ، وإنْ غلَبَ على ظَنِّهم الهَلاكُ في الإقامةِ والنَّجاةُ في الانصِرافِ فالأوْلى لهم الانصِرافُ، وإنْ ثبَتوا جازَ؛ لأنَّ لهم غَرضًا في الشَّهادةِ، ويَجوزُ أنْ يَغلِبوا أيضًا، وإنْ غلَبَ على ظَنِّهم الهَلاكُ في الإقامةِ والانصِرافِ فالأوْلى لهم الثَّباتُ ليَنالوا دَرجةَ الشُّهداءِ المُقبِلينَ على القِتالِ مُحتسِبينَ، ويَكونونَ أفضَلَ من المُوَلِّينَ، ولأنَّه يَجوزُ أنْ يَغلِبوا أيضًا؛ فإنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)[البقرة: ٢٤٩] (١).

ورَوى مُسلِمٌ في صَحيحِه عن صُهَيبٍ في قِصةِ أصحابِ الأُخدودِ وفيه: « … فجيءَ بالراهِبِ فقيلَ له: ارجِعْ عن دينِكَ، فأبَى، فدَعا بالمِئشارِ فوضَع المِئشارَ في مَفرِقِ رَأسِه فشَقَّه حتى وقَعَ شِقَّاهُ، ثم جيءَ بجَليسَ المَلكِ فقيلَ له: ارجِعْ عن دينِكَ، فأبَى، فوضَعَ المِئشارَ في مَفرِقِ رَأسِه فشَقَّه به حتى وقَعَ شِقَّاهُ، ثم جيءَ بالغُلامِ فقيلَ له: ارجِعْ عن دينِكَ، فأبَى، فدفَعَه إلى نَفرٍ من أَصحابِه فقالَ: اذهَبوا به إلى جَبلِ كذا وكذا فاصْعَدوا به الجَبلَ، فإذا بَلَغتم ذُروَتهُ؛ فإنْ رجَعَ عن دينِه وإلا فاطرَحوهُ، فذَهَبوا به فصَعِدوا به الجَبلَ فقالَ: اللَّهمَّ اكفِنيهم بما شِئتَ. فرجَفَ بهم الجَبلُ فسَقَطوا، وجاءَ

(١) «المغني» (٩/ ٢٥٥)، و «الكافي» (٤/ ٢٦١).

يمشى إلى المَلكِ فقالَ له المَلكُ: ما فعَلَ أصحابُك؟ قالَ: كَفانِيهم اللهُ. فدفَعَه إلى نَفرٍ من أَصحابِه فقالَ: اذهَبوا به فاحمِلوه في قُرقورٍ، فتَوسَّطوا به البَحرَ؛ فإن رجَعَ عن دينِه وإلا فاقذِفُوه. فذَهَبوا به فقالَ: اللَّهمَّ اكفِنيهم بما شِئتَ. فانكَفَأت بهم السَّفينةُ، فغَرِقوا، وجاءَ يَمشى إلى المَلكِ فقالَ له المَلِكُ: ما فعَلَ أصحابُك؟ قالَ: كَفانيهم اللهُ، فقالَ للمَلكِ: إنَّك لستَ بقاتِلي حتى تَفعَلَ ما آمُركَ به. قالَ: وما هو؟ قالَ: تَجمَعُ الناسَ في صَعيدٍ واحِدٍ وتَصلُبُني على جِذعٍ، ثم خُذْ سَهمًا من كِنانَتي ثم ضَعِ السَّهمَ في كَبدِ القَوسِ ثم قُلْ: باسمِ اللهِ ربِّ الغُلامِ، ثم ارمِني؛ فإنَّك إذا فعَلتَ ذلك قَتلتَني، فجمَعَ الناسَ في صَعيدٍ واحِدٍ وصلَبَه على جِذعٍ، ثم أخَذَ سَهمًا من كِنانَتِه ثم وضَعَ السَّهمَ في كَبدِ القَوسِ، ثم قالَ: باسمِ اللهِ ربِّ الغُلامِ، ثم رَماه، فوقَعَ السَّهمُ في صُدغِه فوضَع يَدَه في صُدغِه في مَوضعِ السَّهمِ فماتَ، فقالَ الناس: آمَنَّا برَبِّ الغُلامِ، آمَنَّا برَبِّ الغُلامِ، آمَنَّا برَبِّ الغُلامِ. فأتى المَلكُ فقيلَ له: أرَأيتَ ما كُنْتَ تَحذَرُ؟ قد واللهِ نزَلَ بكَ حذَرُك، قد آمَنَ الناسُ. فأمَرَ بالأُخدودِ في أفواه السِّكَكِ فخُدَّت وأضرَمَ النِّيرانَ وقالَ: مَنْ لم يَرجعْ عن دِينِه فأحْمُوه فيها، أو قيلَ له: اقتَحِمْ، ففعَلوا حتى جاءَتِ امرأةٌ ومعها صَبيٌّ لها فتقاعسَت أنْ تَقعَ فيها، فقالَ لها الغُلامُ: يا أُمَّهْ اصبِري؛ فإنكِ على الحَقِّ» (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وقد رَوى مُسلِمٌ في صَحيحِه عن النَّبيِّ قِصةَ أصحابِ الأُخدودِ، وفيها أنَّ الغُلامَ أمَرَ بقَتلِ

(١) رواه مسلم (٣٠٠٥).

نَفسِه لأجلِ مَصلَحةِ ظُهورِ الدِّينِ، ولِهذا جوَّزَ الأئِمةُ الأربَعةُ أنْ يَنغَمِسَ المُسلِمُ في صَفِّ الكُفارِ وإنْ غلَبَ على ظَنِّه أنَّهم يَقتُلونَه إذا كانَ في ذلك مَصلَحةٌ للمُسلِمينَ.

وقد بسَطْنا القَولَ في هذه المَسألةِ في مَوضِعٍ آخرَ، فإذا كانَ الرَّجلُ يَفعَلُ ما يَعتقِدُ أنَّه يُقتَل به لأجلِ مَصلَحةِ الجِهادِ مع أنَّ قَتلَه نَفسَه أعظَمُ من قَتلِه لغيرِه كانَ ما يُفضي إلى قَتلِ غيرِه لأجلِ مَصلَحةِ الدِّينِ التي لا تَحصُلُ إلا بذلك، ودَفعُ ضَررِ العَدوِّ المُفسِدِ للدِّينِ والدُّنيا الذي لا يَندَفعُ إلا بذلك أوْلى (١).

وقالَ جَوابًا عن سُؤالٍ: وأمَّا قَولُه: أُريدُ أنْ أقتُلَ نَفسي في اللهِ، فهذا كَلامٌ مُجمَلٌ؛ فإنَّه إذا فعَلَ ما أمَرَه اللهُ به فأفضى ذلك إلى قَتلِ نَفسِه فهذا مُحسِنٌ في ذلك، كالذي يَحمِلُ على الصَّفِّ وَحدَه حَملًا فيه مَنفَعةٌ للمُسلِمينَ وقد اعتقَد أنَّه يُقتَل فهذا حَسنٌ.

وفي مِثلِه أنزَلَ اللهُ قَولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)[البقرة: ٢٠٧]، ومِثلَما كانَ بعضُ الصَّحابةِ يَنغمِسُ في العَدوِّ بحَضرةِ النَّبيِّ .

وقد رَوى الخَلَّالُ بإسنادِه عن عُمرَ بنِ الخَطابِ: أنَّ رَجلًا حمَلَ على العَدوِّ وَحدَه فقالَ الناسُ: ألقَى بيَدِه إلى التَّهلُكةِ. فقالَ عُمرُ: لا، ولكنَّه ممَّن قالَ اللهُ فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)[البقرة: ٢٠٧].

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٤٠).

ثم قالَ: إنَّ العِبادةَ المُفضيةَ إلى قَتلِ النَّفسِ بلا مَصلَحةٍ مَأمورٌ بها هي مِنْ قَتلِ النَّفسِ المَنهيِّ عنه.

فيَنبَغي للمُؤمِن أنْ يُفرِّقَ بينَ ما نَهى اللهُ عنه مِنْ قَصدِ الإنسانِ قَتلَ نَفسِه أو تَسبُّبِه في ذلك وبينَ ما شرَعَه اللهُ من بَيعِ المُؤمِنينَ أنفُسَهم وأموالَهم له.

كما قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)[التوبة: ١١١].

وقالَ تَعالى أيضًا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)[البقرة: ٢٠٧] أي: يَبيعُ نَفسَه. والاعتِبارُ في ذلك بما جاءَ به الكِتابُ والسُّنةُ لا بما يَستحسِنُه المَرءُ أو يَجدُه أو يَراه من الأُمورِ المُخالِفةِ للكِتابِ والسُّنةِ؛ بل قد يَكونُ أحَدُ هؤلاء جاهلًا، كما قالَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ: «مَنْ عبَد اللهَ بجَهلٍ أفسَد أكثَرَ ممَّا يُصلِحُ». ومما يَنبَغي أنْ يُعرَفَ أنَّ اللهَ ليسَ رِضاه أو مَحبَّتُه في مُجرَّدِ عَذابِ النَّفسِ وحَملِها على المَشاقِّ حتى يَكونَ العَملُ كُلَّما كانَ أشَقَّ كانَ أفضَلَ، كما يَحسَبُ كَثيرٌ من الجُهَّالِ أنَّ الأجرَ على قَدْرِ المَشقةِ في كلِّ شَيءٍ، لا، ولكنَّ الأجرَ على قَدرِ مَنفَعةِ العَملِ ومَصلَحتِه وفائِدتِه (١).

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٧٩، ٢٨١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان مقدار الواجب من الحدود

وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ بِالرِّقِّ لَا حَقَّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ - تَعَالَى - تَجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ، وَالْجَزَاءُ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ وَيُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِهَا، وَالْجِنَايَةُ تَتَكَامَلُ بِكَمَالِ حَالِ الْجَانِي وَتُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِ حَالِهِ، فَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْجَانِي، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - خَالِصًا أَوْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّهُ فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالِاعْتِيَاضُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمَتْرُوكِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُوَرَّثِ عَلَى مَا قَالَ « عليه الصلاة والسلام مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحُدُودِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 234 - 240

ارجع إلى حكم إتلاف النفس وتقحم المهالك إظهارا للدين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل