استتابة المرتد

الإسلام > الجنايات والحدود > حكم قتل المرتد > استتابة المرتد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 18 دقيقة قراءة

استتابة المرتد - الأقوال والأدلة

استِتابةُ المرتَدِّ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في المُرتدِّ، هل يُستتابُ المُرتدُّ قبلَ القتلِ؟ أو يُقتلُ بنَفسِ الردَّةِ؟ لأهلِ العِلمِ في ذلكَ قَولانِ مَشهورانِ:

القَولُ الأولُ: إنه يُقتلُ بنَفسِ الردَّةِ، ولا تَجبُ استِتابتُه، بل تُندَبُ، لكنْ لو تابَ نفعَتْه تَوبتُه عندَ اللهِ تعالَى ولا يَسقطُ قَتلُه، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ في الصَّحيحِ عندَهم وقَولُ عبدِ الملكِ بنِ الماجشُونِ مِنْ المالِكيةِ وأهلِ الظاهِرِ والشافِعيِّ في قَولٍ وأحمدَ في رِوايةٍ.

قالَ الحَنفيةُ: يُعرَضُ عليه الإسلامُ نَدبًا رَجاءَ أنْ يَعودَ، دونَ الوُجوبِ؛ لأنَّ الدَّعوةَ قد بلَغَتْه، لكنْ يُستحبُّ ذلك؛ لأنَّ الظاهرَ أنهُ إنما ارتدَّ لشُبهةٍ دخَلَتْ عليه أو ضَيمٌ أصابَه، فيُكشفُ ذلك عنه ليَعودَ إلى الإسلامِ، وهوَ أهوَنُ مِنْ القَتلِ، فإنْ كانَتْ له شُبهةٌ كُشفَتْ له.

والدَّليلُ على عَدمِ وُجوبِ استِتابتِه ما رَواهُ الشَّيخانِ عن أبي مُوسى قالَ: أقبَلْتُ إلى النبيِّ ومَعي رَجلانِ مِنْ الأشعَريِّينَ أحَدُهما عن يَمينِي والآخَرُ عن يَساري ورَسولُ اللهِ يَستاكُ، فكِلاهُما سَألَ، فقالَ: يا أبا مُوسى أو يا عبدَ اللهِ بنَ قَيسٍ، قالَ: قلتُ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ ما أطلَعاني على ما في أنفُسِهما وما شَعَرتُ أنهُما يَطلُبانِ العَملَ، فكأني أنظُرُ إلى سِواكِه تحتَ شفتِه قلَصَتْ، فقالَ: لنْ أو لا نَستعمِلُ على عَمَلِنا مَنْ أرادَه، ولكنِ اذهَبْ أنتَ يا أبا مُوسى أو يا عبدَ اللهِ بنَ قَيسٍ إلى اليَمنِ، ثمَّ أتبَعَه مُعاذَ بنَ جَبَلٍ، فلما قَدِمَ عليه أَلقى له وِسادةً، قالَ: انزِلْ، وإذا رَجلٌ

عندَه مُوثَقٌ، قالَ: ما هذا؟ قالَ: كانَ يَهوديًّا فأسلَمَ ثمَّ راجَعَ دِينَه دِينَ السَّوءِ فتَهوَّدَ، قالَ: لا أَجلِسُ حتى يُقتلَ قَضاءُ اللهِ ورَسولِه، فقالَ: اجلِسْ نعمْ، قالَ: لا أَجلِسُ حتى يُقتلَ قَضاءُ اللهِ ورَسولِهِ، ثَلاثَ مرَّاتٍ، فأمَرَ به فقُتِلَ» (١).

فكانَ ظاهِرَ قولِه: «حتَّى يُقتلَ قَضاءُ اللهِ ورَسولِه»، وقولِ أبي مُوسَى له: «نعمْ» ثم أُمِرَ به فقُتلَ، ولم يعرضْ لاستِتابتِه أنه كذلكَ قضَى رَسولُ اللهِ .

إلا أنه يُحبسُ ثلاثةَ أيَّامٍ إذا استَمهَلَ، أي: طلَبَ أنْ يُمهلَ، فإنْ تابَ فيها وأسلَمَ قُبلَ منه، وإلا قُتلَ، وهذا إذا استَمهلَ، فأما إذا لم يَستمهِلْ قُتلَ مِنْ ساعتِه؛ لقولِ النبيِّ : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ» (٢). ولحَديثِ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه مَرفوعًا: «لا يَحِلُّ دَمُ رَجلٍ مُسلمٍ يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ وأني رَسولُ اللَّهِ إلا بإحدَى ثلاثٍ: الثَّيبُ الزاني، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتارِكُ لدِينِه المُفارِقُ للجَماعةِ» (٣)، ولأنهُ بلَغَتْه الدَّعوةُ، فيُقتلُ في الحالِ مِنْ غيرِ الإمهالِ كالكافِرِ الأصليِّ، ولا يَجوزُ تَأخيرُ ما وجَبَ في الحالِ لأمرٍ مَوهومٍ في الاستِقبالِ.

وإنْ قتَلَه قاتِلٌ قبلَ عَرْضِ الإسلامِ عليه كُرِهَ له ذلكَ، ولا شَيءَ على القاتِلِ؛ لأنَّ القَتلَ مُستحَقٌّ عليه بكُفرِه، والكُفرُ يُبيحُ الدَّمَ، والعَرضُ بعدَ

(١) رواه البخاري (٦٥٢٥)، ومسلم (١٧٣٣).
(٢) رواه البخاري (٣٠١٧).
(٣) رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (٤٤٦٨).

بُلوغِ الدعوةِ غيرُ واجِبٍ، ولكنْ يُكرَهُ له ذلكَ؛ لِمَا فيه مِنْ تَركِ الغَرضِ المُستحَبِّ، ولِمَا فيه مِنْ الافتِياتِ على الإمامِ (١).

القَولُ الثاني: إنه يُستتابُ وُجوبًا، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ، وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ الحَنفيةِ في قَولٍ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابلةِ في المَذهبِ، ورُوي ذلكَ عن عُمرَ وعُثمانَ وعَليٍّ رضي الله عنهم، وبه قالَ عطاءٌ والنخَعيُّ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وإسحاقُ وغيرُهم.

والدليلُ على هذا قَولُه تعالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. مع ما دَلَّ عليهِ مَفهومُ الخبَرِ، وأنَّ القتلَ إنما وجَبَ بحالٍ، فإذا تابَ وراجَعَ الإسلامَ ارتَفعَ حُكمُ القَتلِ كالكافرِ الأصليِّ، وقولُ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهو يَعُمُّ كلَّ كافرٍ كانَ منه إيمانٌ قبلَ ذلكَ أو لم يكنْ.

وقولُه تعالَى في المُنافقِينَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)[النساء: ١٤٦ - ١٤٧]، والمُنافِقونَ ممَّن آمَنَ ثمَّ كفَرَ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا يُقتلُ حتى يُستتابَ ثَلاثًا، هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ، منهُم عُمرُ وعليٌّ وعطاءٌ والنخَعيُّ ومالِكٌ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وإسحاقُ وأصحابُ الرأيِ، وهو أحَدُ قولَي الشافِعيِّ.

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٥٠١)، و «الاختيار» (٤/ ١٧٨، ١٧٩)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٢٨، ٣٢٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٣٦٤)، و «اللباب» (٢/ ٥٥٩، ٥٦٠).

ورُويَ عن أحمَدَ رِوايةٌ أخرى أنه لا تَجبُ استِتابتُه، لكنْ تُستحَبُّ، وهذا القَولُ الثاني للشافِعيِّ، وهو قَولُ عُبيدِ بنِ عُميرٍ وطاوُسٍ، ويُروى ذلكَ عن الحَسنِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: اختَلفَ العُلماءُ في استِتابةِ المُرتدِّ، فرُويَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعُثمانَ وعليٍّ وابنِ مَسعودٍ أنه يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ، وهو قولُ أكثَرِ العُلماءِ.

وقالَتْ طائِفةٌ: لا يُستتابُ، ويَجبُ قتلُه حينَ يَرتدُّ في الحالِ، رُويَ ذلك عن الحَسنِ البَصريِّ وطاوُسٍ، وذكَرَه الطحَاويُّ عن أبي يُوسفَ، وبه قالَ أهلُ الظاهِرِ، واحتَجُّوا بقَولِه : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ»، قالُوا: ولم يَذكرْ فيه استِتابةً، وكذلكَ حَديثُ معاذٍ وأبي مُوسَى قَتَلوا المُرتدَّ بغيرِ استِتابةٍ.

قالَ الطَّحاويُّ: جعَلَ أهلُ هذهِ المَقالةِ حُكمَ المُرتدِّ حُكمَ الحَربيينَ إذا بلَغَتْهم الدَّعوةُ، أنه يَجبُ قِتالُهم دونَ أنْ يُؤذَنُوا، قالَ: وإنما تَجبُ الاستِتابةُ لمَن خرَجَ عن الإسلامِ لا عن بَصيرةٍ منه، فأمَّا إنْ خرَجَ منه عن بَصيرةٍ فإنهُ يُقتلُ دُونَ استتابةٍ.

قالَ أبو يُوسفَ: إنْ بدَرَ بالتَّوبةِ خَلَّيتُ سَبيلَه ووَكَلتُ أمْرَه إلى اللهِ تعالَى.

قالَ ابنُ القصَّارِ: والدليلُ على أنه يُستتابُ الإجماعُ؛ وذلكَ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ قالَ في المُرتدِّ: «هلَّا حَبسْتموهُ ثلاثةَ أيامٍ وأطعَمْتموهُ كلَّ يَومٍ رَغيفًا

(١) «المغني» (٩/ ١٧)، و «شرح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٠٨).

لعلَّه يَتوبُ فيَتوبَ اللهِ عليهِ، اللَّهمَّ لم أحضُرْ ولم آمُرْ ولم أرْضَ إذْ بلَغَني»، ولم يَختلِفِ الصحابةُ في استِتابةِ المُرتدِّ، فكأنهُم فَهِموا مِنْ قَولِه : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ» أنَّ المُرادَ بذلكَ إذا لم يَتُبْ، والدليلُ على ذلكَ قولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فهو عُمومٌ في كلِّ كافرٍ.

وأما حَديثُ معاذٍ وأبي مُوسَى فلا حُجةَ فيه لمَن لم يَقُلْ بالاستِتابةِ؛ لأنه رُويَ أنه قد كانَ استَتابَه أبو مُوسَى، رَوى أبو بَكرٍ ابنُ أبي شَيبةَ قالَ: حدَّثَنا عبادُ بنُ العوَّامِ عن سَعيدٍ عن قَتادةَ عن حُميدِ بنِ هِلالٍ: «أنَّ مُعاذًا أتَى أبا مُوسَى وعندَه يَهوديٌّ أسلَمَ ثم ارتَدَّ، وقد استَتابَه أبو مُوسَى شَهرينِ فقالَ مُعاذٌ: لا أجلِسُ حتى أَضرِبَ عُنقَه» (١).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: يُستتابُ المُرتدُّ قبلَ قتلِه، فإنْ تابَ حُقنَ دَمُه، وقالَ الحَسنُ البَصريُّ: يُقتلُ مِنْ غيرِ استِتابةٍ، وقالَ عطاءٌ: إنْ وُلدَ في الإسلامِ قُتلَ مِنْ غيرِ استِتابةٍ، وإنْ وُلدَ في الكُفرِ ثمَّ أسلَمَ لم يُقتلْ إلا بعدَ الاستِتابةِ؛ استِدلالًا بقَولِ النبيِّ : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ»، فلمْ يأمُرْ فيه إلا بالقَتلِ دونَ الاستِتابةِ، ولأنَّ قتْلَ الرِّدةِ حَدٌّ كالرَّجمِ في الزنا، فلمَّا لم يَلزَمِ استِتابةُ الزاني لم يَلزَمِ استِتابةُ المُرتدِّ.

ودَليلُنا: ما رَواهُ عُروةُ عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «ارتَدَّتِ امرأةٌ يومَ أحُدٍ فأمَرَ النبيُّ أنْ تُستتابَ، فإنْ تابَتْ وإلا قُتلَتْ»، وهذا

(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٥٧١، ٥٧٣).

نَصٌّ، ورُويَ «أنَّ رَجلًا قَدِمَ على عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه مِنْ قِبَلِ أبي مُوسَى الأشعَريِّ، فقالَ له عُمرُ بنُ الخطَّابِ: هل كانَ فيكُم مِنْ مُغَرِّبةِ خبَرٍ؟ فقالَ: نعمْ، رَجلٌ كفَرَ بعدَ إسلامِه فقَتلْناهُ، فقالَ عُمرُ: هلَّا حَبسْتموهُ ثلاثًا وأطعَمتُموهُ في كلِّ يَومٍ رَغيفًا واستَتَبتُموهُ لعلَّه يُتوبُ، اللَّهمَّ لم أحضُرْ ولم آمُرْ .. ولم أرْضَ إذْ بلَغَني، اللهمَّ إني أبرَأُ إليكَ مِنْ دَمِه».

ورُويَ أنَّ ابنَ مَسعودٍ كتَبَ إلى عُثمانَ رضي الله عنهما في قَومٍ ارتَدُّوا، فكَتبَ إليه عُثمانُ: «ادعُهُم إلى دِينِ الحَقِّ وشَهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، فإنْ أجابُوا فخَلِّ سَبيلَهم، وإنِ امتَنَعوا فاقتُلْهم، فأجابَ بعضُهم فخَلَّا سَبيلَه، وامتَنعَ بعضُهم فقَتلَه».

ولأنَّ الأغلَبَ مِنْ حُدوثِ الرِّدةِ أنه لاعتِراضِ شُبهةٍ، فلمْ يَجُزِ الإقدامُ على القتلِ قبلَ كَشفِها والاستِتابةِ منها، كأهلِ الحَربِ لا يَجوزُ قَتلُهم إلا بعدَ بُلوغِ الدَّعوةِ وإظهارِ المُعجِزةِ، فأما الخبَرُ فلا يَمنعُ مِنْ الاستِتابةِ، وأما الزِّنا فالتوبةُ لا تُزيلُه، وهي تُزيلُ الرِّدةَ، فلذلكَ استُتيبَ مِنْ الرِّدةِ ولم يُستَتبْ مِنْ الزنا.

فإذا ثبَتَ الأمرُ باستِتابتِه قبلَ قَتلِه ففيها قَولانِ:

أحَدُهما وهو قَولُ أبي حَنيفةَ واختِيارُ أبي عليٍّ ابنِ أبي هُريرةَ: أنها مُستحَبةٌ وليسَتْ بواجِبةٍ؛ لأنَّ وُجوبَ الاستِتابةِ يُوجِبُ حظْرَ دَمِه قبلَها، وهو غيرُ مَضمونِ الدمِّ لو قُتلَ قبلَها، فدَلَّ على استِحبابِها.

والقَولُ الثاني وهو أصَحُّ: أنَّ الاستِتابةَ واجبةٌ؛ لِمَا قَدَّمناهُ مِنْ الخبَرِ والأثَرِ، ولأنَّ الاستِتابةَ في حَقِّ المُرتدِّ في حُكمِ إبلاغِ الدَّعوةِ لأهلِ الحَربِ، وإبلاغُ

الدَّعوةِ واجبةٌ، فكذلكَ الاستِتابةُ، ولأنَّ المَقصودَ بقَتلِ المُرتدِّ إقلاعُه عن رِدتِه، والاستِتابةُ أخَصُّ بالإقلاعِ عنها مِنْ القَتلِ، فاقتَضَى أنْ تكونَ أوجَبَ منه.

فإذا تقرَّرَ حُكمُ الاستِتابةِ في الوُجوبِ والاستِحبابِ، فهل يُعجَّلُ قتلُه عندَ الامتناعِ مِنْ التَّوبةِ؟ أو يُؤجَّلُ ثلاثةَ أيامٍ؟ فيه قَولانِ:

أحَدُهما وهو اختِيارُ المُزنِيِّ: أنه يُعجَّلُ قتلُه ولا يُؤجَّلُ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ، إلا أنْ يَسألَ الإنظارَ فيُؤجَّلُ ثلاثًا؛ لقَولِ النبيِّ : «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ»، ولأنه حَدٌّ، فلمْ يُؤجَّلْ فيه كسائرِ الحُدودِ.

والقَولُ الثاني: يُؤجَّلُ ثلاثةَ أيامٍ، وبه قالَ أحمَدُ بنُ حَنبلٍ وإسحاقُ بنُ رَاهويهِ، وقالَ سُفيانُ الثَّوريُّ: يُنظَرُ ما كانَ يَرجو التوبةَ، ودَليلُ تَأجيلِه ثلاثًا قَولُ عُمرَ رضي الله عنه حينَ أُخبِرَ بقَتلِ المُرتدِّ: «هلَّا حَبستُموهُ ثلاثًا، اللهمَّ لم أحضُرْ ولم آمُرْ» .. الخبَرُ، ولأنَّ اللهَ قضَى بعَذابِ قَومٍ ثمَّ أنظَرَهم ثَلاثًا فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)[هود: ٦٥]، ولأنَّ المَقصودَ منهُ استِبصارُه في الدِّينِ ورُجوعُه إلى الحَقِّ، وذلكَ ممَّا يَحتاجُ فيه إلى الارتياءِ والفِكرِ، فأُمهِلَ بما يُقدَّرُ في الشرعِ مِنْ مُدةِ أقلِّ الكَثيرِ وأكثَرِ القَليلِ، وذلكَ ثَلاثةُ أيامٍ.

فعلى هذا: في تَأجيلِه بهذه الثَّلاثِ قَولانِ:

أحَدُهما: أنها مُستحَبةٌ إنْ قيلَ: إنَّ الاستِتابةَ مُستحَبةٌ.

والثَّاني: أنها واجِبةٌ إنْ قيلَ: إنَّ الاستِتابةَ واجِبةٌ (١).

(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ١٥٨، ١٦٠)، و «البيان» (١٢/ ٤٢، ٤٨).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 55 - 61

ارجع إلى حكم قتل المرتد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله