قتل الساحر وكفره

الإسلام > الجنايات والحدود > حكم قتل المرتد > قتل الساحر وكفره

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 37 دقيقة قراءة

قتل الساحر وكفره - الأقوال والأدلة

قَتلُ الساحِرِ وكُفرُه:

السِّحرُ: كَلامٌ يُعظَّمُ به غيرُ اللهِ ويُنسَبُ إليه المَقاديرُ والكائِناتُ (١).

اختَلفَ الفُقهاءُ في الساحِرِ، هل هو كافِرٌ ويُقتَلُ رِدةً إذا كانَ مُسلمًا قبلَ ذلكَ أو ظهَرَ منه الإسلامُ؟ أم لا يُقتلُ إلا إذا قتَلَ بسَحرِه؟ أم هُناكَ فَرقٌ بينَ سِحرٍ وسِحرٍ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الساحِرَ كافرٌ ويُقتلُ رِدةً إذا كانَ مُسلمًا قبلَ ذلكَ أو قد ظهَرَ منه الإسلامُ في وَقتِ كُفرِه بفِعلِ السِّحرِ، فاستَحقَّ القتلَ بقَولِه عليه الصلاة والسلام: «مَنْ بدَّلَ دِينَه فاقتُلوهُ»، ولأنَّ الساحِرَ قد جمَعَ إلى كُفرِه السعيَ بالفَسادِ في الأرضِ.

واستَدلُّوا على قَتلِه بما رَواهُ الحَسنُ عن جُندبٍ أنَّ النبيَّ قالَ: «حَدُّ الساحِرِ ضَربةٌ بالسَّيفِ» (٢).

وعن نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما «أنَّ جارِيةً لحَفصةَ سَحَرتْها ووَجدُوا سِحرَها واعتَرفَتْ، به فأمَرَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ زَيدٍ فقتَلَها، فبلَغَ ذلكَ عُثمانَ فأنكَرَه واشتَدَّ عليهِ، فأتاهُ ابنُ عُمرَ فأخبَرَه أنها سَحَرتْها واعتَرفَتْ به ووَجَدوا سِحرَها، فكأنَّ عُثمانَ إنما أنكَرَ ذلكَ لأنَّها قُتِلتْ بغيرِ إذنِه» (٣).

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٢٨٢).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الترمذي (١٤٦٠).
(٣) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٨٧٤٧)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٨٩٨٠).

وعن بَجالةَ قالَ: «كنتُ كاتبًا لجَزءِ بنِ مُعاوِيةَ عَمِّ الأحنَفِ بنِ قَيسٍ فأتانا كِتابُ عُمرَ قبلَ مَوتِه بسَنةٍ: أنِ اقتلُوا كلَّ ساحرٍ وساحِرةٍ وفرِّقوا بينَ كلِّ ذِي مَحرَمٍ مِنْ المَجوسِ وانهَوْهُم عن الزَّمزمةِ، فقَتَلْنا ثَلاثَ سَواحِرَ وجعَلْنا نُفرِّقُ بينَ الرَّجلِ وبينَ حَريمَتِه في كِتابِ اللهِ» (١).

قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: رَوى ابنُ شُجاعٍ عن الحَسنِ بنِ زِيادٍ عن أبي حَنيفةَ أنه قالَ في الساحِرِ: يُقتلُ إذا عُلِمَ أنه ساحرٌ ولا يُستتابُ ولا يُقبلُ قَولُه «إنِّي أترُكُ السِحرَ وأتوبُ منه»، فإذا أقَرَّ أنه ساحرٌ فقدْ حَلَّ دَمُه، وإنْ شَهدَ عليه شاهِدانِ أنه ساحِرٌ فوَصَفوا ذلكَ بصِفةٍ يُعلَمُ أنه سِحرٌ قُتلَ ولا يُستتابُ، وإنْ أقَرَّ فقالَ: «كنتُ أسحَرُ وقد تَركْتُ منذُ زمانٍ» قُبلَ منه ولم يُقتلْ، وكذلكَ لو شُهدَ عليه أنه كانَ مرَّةً ساحِرًا وأنه ترَكَ منذُ زمانٍ لم يُقتلْ، إلا أنْ يَشهَدوا أنه الساعةَ ساحِرٌ وأقَرَّ بذلكَ فيُقتلُ، وكذلكَ العَبدُ المُسلمُ والذِّميُّ والحُرُّ الذِّميُّ، مَنْ أقَرَّ منهُم أنه ساحِرٌ فقدْ حَلَّ دَمُه، فيُقتلُ ولا يُقبَلُ تَوبتُه، وكذلكَ لو شُهدَ على عَبدٍ أو ذِميٍّ أنه ساحِرٌ ووَصَفوا ذلكَ بصِفةٍ يُعلَمُ أنه سِحرٌ لم يُقبَلْ تَوبتُه ويُقتلُ، وإنْ أقَرَّ العبدُ أو الذِّميُّ أنه كانَ ساحِرًا وترَكَ ذلكَ منذُ زَمانٍ قُبلَ ذلكَ منه، وكذلكَ لو شَهِدوا عليه أنه كانَ مرَّةً ساحِرًا ولم يَشهَدوا أنه الساعَةَ ساحِرٌ لم يُقتلْ.

وأما المَرأةُ فإذا شَهِدوا عليها أنها ساحِرةٌ أو أقَرَّتْ بذلكَ لم تُقتلْ وحُبِستْ وضُرِبتْ حتى يُستيقَنَ لهم تَركُها للسِّحرِ، وكذلكَ الأمَةُ والذِّميةُ

(١) صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٠٤٣)، والإمام أحمد في «مسنده» (١٦٥٧).

إذا شَهِدوا أنها ساحِرةٌ أو أقَرَّتْ بذلكَ لم تُقتلْ وحُبِستْ حتى يُعلَمَ منها تَركُ ذلك كلِّه.

وهذا كلُّه قَولُ أبي حَنيفةَ، قالَ ابنُ شُجاعٍ: فحكَمَ في الساحِرِ والساحِرةِ حُكمَ المُرتدِّ والمُرتدةِ، إلا أنْ يَجيءَ فيُقِرَّ بالسِّحرِ أو يُشهَدَ عليه بذلكَ أنه عَمِلَه، فإنه جعَلَ ذلكَ بمَنزلةِ الثَّباتِ على الرِّدةِ، وحكَى مُحمدُ بنُ شُجاعٍ عن أبي عليٍّ الرازيِّ قالَ: سألتُ أبا يُوسفَ عن قَولِ أبي حَنيفةَ في الساحِرِ «يُقتَلُ ولا يُستتابُ» لِمَ لمْ يَكنْ ذلكَ بمَنزلةِ المَرتدِّ؟ فقالَ: الساحرُ قد جمَعَ مع كُفرِه السعيَ في الأرضِ بالفَسادِ، والساعي بالفَسادِ إذا قتَلَ قُتلَ، قالَ: فقلتُ لأبي يُوسفَ: ما الساحِرُ؟ قالَ: الذي يقتصُّ له مِنْ العَملِ مثلَ ما فعَلَتِ اليَهودُ بالنبيُّ عليه الصلاة والسلام وبما جاءَتْ به الأخبارُ إذا أصابَ به قَتلًا، فإذا لم يُصِبْ به قَتلًا لم يُقتلْ؛ لأنَّ لَبيدَ بنَ الأعصَمِ سحَرَ رسولَ اللهِ فلمْ يَقتلُه؛ إذْ كانَ لم يُصِبْ به قَتلًا، قالَ أبو بَكرٍ: ليسَ فيما ذكَرَ بَيانُ معنَى السِّحرِ الذي يَستحقُّ فاعِلُه القتلَ، ولا يَجوزُ أنْ يُظَنَّ بأبي يُوسفَ أنه اعتَقدَ في السِّحرِ ما يَعتقدُه الحَشوُ مِنْ إيصالِهم الضَّررَ إلى المَسحورِ مِنْ غيرِ مُماسَّةٍ ولا سَقيِ دواءٍ، وجائزٌ أنْ يكونَ سِحرُ اليهودِ للنبيِّ على جِهةِ إرادتِهم التوصُّلَ إلى قَتلِه بإطعامِه، وأطلَعَه اللهُ على ما أرادُوا، كما سَمَّتْه زَينبُ اليَهوديةُ في الشاةِ المَسمومةِ فأخبَرَتْه الشاةُ بذلكَ فقالَ: «إنَّ هذهِ الشاةَ لَتُخبِرُني أنها مَسمومةٌ»

فإنْ قالَ قائلٌ: فأنتَ لا تَقتلُ الخُنَّاقَ والمُحارِبينَ إلا إذا قَتَلوا، فهَلَّا قلتَ مِثلَه في الساحِرِ؟

قيلَ له: يَفتَرِقانِ مِنْ جِهةِ أنَّ الخَنَّاقَ والمُحارِبَ لم يَكفرَا قبلَ القتلِ ولا بعدَه، فلمْ يَستحِقَّا القتلَ؛ إذْ لم يَتقدَّمْ منهُما سَببٌ يَستحِقَّانِ به القتلَ، وأما الساحِرُ فقدْ كفَرَ بسِحرِه، قتَلَ به أو لم يَقتلْ، فاستَحقَّ القتلَ بكُفرِه، ثُمَّ لمَّا كانَ مع كُفرِه ساعيًا في الأرضِ بالفَسادِ كانَ وُجوبُ قَتلِه حَدًّا، فلمْ يَسقطْ بالتَّوبةِ كالمُحارِبِ إذا استَحقَّ القتلَ لم يَسقطْ ذلكَ عنه بالتوبةِ، فهو مُشبِهٌ للمُحارِبِ الذي قتَلَ في أنَّ قتْلَه حَدٌّ لا تُزيلُه عنه التوبةُ، ويُفارِقُ المُرتدَّ مِنْ جِهةِ أنَّ المُرتدَّ يَستحقُّ القتلَ بإقامتِه على الكفرِ فحَسب، فمتَى انتَقلَ عنه زالَ عنه الكفرُ والقَتلُ، ولِمَا وصَفْنا مِنْ ذلكَ لم يُفرِّقوا بينَ الساحِرِ مِنْ أهلِ الذمةِ ومِن المُسلمينِ، كما لا يَختلفُ حُكمُ المُحارِبِ مِنْ أهلِ الذمةِ والإسلامِ فيما يَستحقُّونَه بالمُحارَبةِ، ولذلكَ لم تُقتَلِ المرأةُ الساحِرةُ؛ لأنَّ المَرأةَ مِنْ المُحارِبينَ عندَهم لا تُقتلُ حَدًّا، وإنما تُقتلُ قَودًا.

ووَجهٌ آخَرُ لقولِ أبي حَنيفةَ في تَركِ استِتابةِ الساحرِ، وهو ما ذكَرَه الطَّحاويُّ قالَ: حدَّثَنا سُليمانُ بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن أبي يُوسفَ في نَوادرَ ذكَرَها عنه أدخَلَها في أماليهِ عليهِم قالَ: قالَ أبو حَنيفةَ: اقتُلوا الزِّنديقَ سِرًّا؛ فإنَّ تَوبتَه لا تُعرَفُ، ولم يَحْكِ أبو يُوسفَ خِلافَه، ويَصحُّ بِناءُ مَسألةِ الساحرِ عليه؛ لأنَّ الساحرَ يَكفرُ سِرًّا، فهو بمَنزلةِ الزِّنديقِ، فالواجِبُ أنْ لا تُقبَلَ توبتُه.

فإنْ قيلَ: فعَلى هذا يَنبغي أنْ لا يُقتلَ الساحرُ مِنْ أهلِ الذِّمةِ؛ لأنَّ كفْرَه ظاهرٌ، وهو غيرُ مُستحِقٍّ للقتلِ لأجْلِ الكفرِ.

قيلَ له: الكفرُ الذي أقرَرْناهُ عليهِ هو ما أظهَرَه لنا، وأما الكفرُ الذي صارَ إليه بسِحرِه فإنه غيرُ مَقَرٍّ عليهِ ولم نُعطِه الذمَّةَ على إقرارِه عليه، ألَا ترَى أنه

لو سَألَنا إقرارَه على السِّحرِ بالجِزيةِ لم نُجبْه إليهِ ولم نُجِزْ إقرارَه عليهِ، ولا فرْقَ بينَه وبينَ الساحِرِ مِنْ أهلِ الملِّةِ، وأيضًا فلو أنَّ الذِّميَّ الساحِرَ لم يَستحقَّ القَتلَ بكُفرِه لَاستَحقَّه بسَعيِه في الأرضِ بالفسادِ كالمُحارِبينَ على النحوِ الذي ذكَرْنا، وقَولُهم في تَركِ قَبولِ تَوبةِ الزِّنديقِ يُوجِبُ أنْ لا يُستتابَ الإسماعِيليةُ وسائِرُ المُلحِدينَ الذين قد عُلِمَ منهم اعتِقادُ الكُفرِ كسائرِ الزَّنادقةِ وأنْ يُقتَلوا مع إظهارِهِم التوبةَ.

ويَدلُّ على وُجوبِ قَتلِ الساحِرِ ما حَدَّثنا به ابنُ قانعٍ حَدَّثنا بِشرُ بنُ مُوسَى قالَ: حَدَّثنا ابنُ الأصبَهانِيِّ قالَ: حَدَّثنا أبو مُعاوَيةَ عن إسماعيلَ ابنِ مُسلمٍ عن الحَسنِ عن جُندبٍ أنَّ النبيَّ قالَ: «حَدُّ الساحِرِ ضَربُهُ بالسَّيفِ» (١)، وقِصةُ جُندبٍ في قَتلِه الساحِرَ بالكُوفةِ عندَ الوليدِ ابنِ عُقبةَ مَشهورةٌ، وقولُه عليه السلام: «حَدُّ الساحِرِ ضَربُه بالسيفِ» قد دَلَّ على مَعنيَينِ:

أحَدُهما: وُجوبُ قَتلِه، والثاني: أنه حَدٌّ لا يُزيلُه التوبةُ كسائِرِ الحُدودِ إذا وجَبَتْ، ولِمَا ذكَرْنا مِنْ قتلِه على وجهِ قتلِ المُحارِبِ (٢).

وقالَ المالِكيةُ: الساحِرُ كافِرٌ باللهِ تعالَى، قالَ تعالَى على لسانِ المَلَكينِ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فإذا تَعلَّمَ السحرَ أو علَّمَه وإنْ لم يَعمَلْ به فهو كافِرٌ؛ إذْ تَعظيمُ الشيَاطينِ ونِسبةُ الكائِناتِ إليها لا يَستطيعُ

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الترمذي (١٤٦٠).
(٢) «أحكام القرآن» (١/ ٦١، ٦٦).

عاقِلٌ يُؤمنُ باللهِ أنْ يَقولَ فيه أنه ليسَ بكُفرٍ، فإذا سحَرَ هو بنَفسِه فإنه يُقتلُ ولا يُستتابُ، وقالَ مالِكٌ: هو كالزِّنديقِ إذا عَمِلَ السِّحرَ هو بنَفسِه، قالَ تعالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، «وقد أمَرَتْ حَفصةُ بجاريةٍ لها سحَرَتْها أنْ تُقتلَ فقُتِلتْ»، قالَ ابنُ عبدِ الحَكمِ وأصبَغُ: هو كالزِّنديقِ مِيراثُه لوَرثتِه مِنْ المُسلمينَ، وإنْ كانَ للسحرِ والزِّندقةِ مُظهِرًا استُتيبَ، فإنْ لم يَتُبْ قُتلَ وكانَ مالُه في بَيتِ المالِ، ولا يُصلَّى عليه بحالٍ، وأما الذي يُسِرُّ ذلك إذا قُتلَ فيَرثُه وَرثتُه، ولا يأمرُهُم بالصَّلاةِ عليهِ، فإنْ فَعَلوا فهُم أعلَمُ.

قالَ الحطَّابُ رحمة الله عليه: والقَولُ الراجحُ فيه أنَّ حُكمَه حُكمُ الزنديقِ، يُقتلُ ولا تُقبلُ تَوبتُه إلا أنْ يَجيءَ تائبًا بنَفسِه (١).

ومَن لم يُباشِرِ السحرَ وجعَلَ مَنْ يَعملُه له فإنه يُؤدَّبُ أدبًا شَديدًا.

وقالَ الباجيُّ: ولا يُقتلُ الساحِرُ حتى يَثبتَ أنَّ ما يَفعلُه هو مِنْ السحرِ الذي وصَفَه اللهُ بأنه كُفرٌ.

قالَ أصبَغُ: يَكشفُ عن ذلك مَنْ يَعرفُ حَقيقتَه.

يُريدُ: ويَثبتُ ذلك عن الإمامِ؛ لأنه مَعنًى يَجبُ به القَتلُ، فلا يُحكَمُ به إلا بعد ثُبوتِه وتَحقيقِه كسائرِ ما يَجبُ به القتلُ.

والذي يَقطعُ أذُنَ الرَّجلِ أو يُدخلُ السكاكينَ في جَوفِ نفسِه إنْ كانَ سِحرًا قُوتلَ، وإنْ كانَ خِلافَه عُوقبَ.

(١) «مواهب الجليل» (٨/ ٢٦٧).

ويُقتلُ الساحرُ إذا كانَ مِنْ أهلِ الذِّمةِ، إلا أنْ يَكونوا أدخَلُوا بسِحرِهم ضَررًا على المُسلمينَ، فيكونُ نَقضًا للعَهدِ، فإنْ تابَ فلا تَوبةَ له إلا بإسلامٍ، وقالَ مالكٌ: وإنْ سحَرَ بذلك أهلَ مِلَّتِه فيُؤدَّبُ، إلا أنْ يَقتلَ أحَدًا فيُقتلُ به.

ويَتحصلُ في النصرانِيِّ يَتزنْدقُ أو يُعثرُ على أنه ساحِرٌ ثَلاثةُ أقوالٍ:

أحَدُها: أنه يُتركُ وما هو عليه مِنْ الزَّندقةِ والسحرِ، إلا أنْ يُدخلَ بسِحرِه ضَررًا على المُسلمينَ، فيكونُ ذلكَ نَقضًا للعَهدِ.

والثاني: أنه يُقتلُ إلا أنْ يُسلمَ.

والثالثُ: أنه يُقتلُ وإنْ أسلَمَ؛ لأنَّ الزِّنديقَ لا تُقبلُ منه تَوبةٌ.

وأما الساحِرُ مِنْ المُسلمينَ فيُقتلَ، سحَرَ مُسلمًا أو ذِميًّا.

وأما إبطالُ السِّحرِ فإنْ كانَ بسِحرٍ مثلِه فهو كُفرٌ، وإنْ لم يَكنْ بسِحرٍ مِثلِه بل بآياتٍ أو دَعَواتٍ نَبويةٍ فلا يكونُ كذلكَ، ويَجوزُ الاستِئجارُ على إبطالِه بغيرِ سِحرٍ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: ويَكفرُ الساحرُ بتَعلمِه وفِعلِه، سواءٌ اعتَقدَ تَحريمَه أو إباحتَه، كالذي يَركبُ الحِمارَ مِنْ مِكنسةٍ وغيرِها فتَسيرُ به في الهَواءِ، أو يَدَّعي أنَّ الكواكِبَ تُخاطبُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢].

(١) «البيان والتحصيل» (١٦/ ٤٤٣، ٤٤٤)، و «الذخيرة» (١٢/ ١٣٣)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٠٧)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٢٦٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٢٨٢، ٢٨٣).

ويُقتلُ الساحِرُ إنْ كانَ مُسلمًا بالسيفِ؛ لِمَا رَوى جُندبٌ مَرفوعًا قالَ: «حَدُّ الساحِرِ ضَربةٌ السَّيفِ».

وعن بَجالةَ بنِ عبدٍ قالَ: «كنتُ كاتبًا لجَزءِ بنِ مُعاوِيةَ عَمِّ الأحنَفِ بنِ قَيسٍ فأتانا كِتابُ عُمرَ قبلَ مَوتِه بسَنةٍ: أنِ اقتلُوا كلَّ ساحرٍ وساحِرةٍ» رواهُ أحمَدُ وسَعيدٌ، وفي رِوايةٍ: «فقَتَلْنا ثَلاثَ سَواحِرَ في يَومٍ واحِدٍ»، و «قتَلَتْ حَفصةُ جارِيةً لها سحَرَتْها» رواهُ مالكٌ، ورُويَ عن عُثمانَ وابنِ عُمرَ رضي الله عنهما.

وكذا مَنْ يَعتقدُ حِلَّ السِّحرِ مِنْ المُسلمينَ فيُقتلُ كُفرًا؛ لأنه أحَلَّ حَرامًا مُجمَعًا عليه مَعلومًا بالضرورةِ.

ولا يُقتلُ ساحِرٌ ذِميٌّ؛ لأنَّ لَبيدَ بنَ الأعصَمِ سحَرَ النبيَّ فلمْ يَقتلْه، ولأنَّ الشركَ أعظَمُ مِنْ سِحرِه ولم يُقتلْ به، والأخبارُ ورَدَتْ في ساحِرِ المُسلمينَ؛ لأنه يَكفرُ بسِحرِه، وهذا كافرٌ أصليٌّ، إلا أنْ يَقتلَ الساحِرُ الذميُّ بسِحرِه ويكونُ سِحرُه ممَّا يَقتلُ غالِبًا، فيُقتصٌّ منه إذا قتَلَ مَنْ يُكافئُه كما لو قتَلَ بغيرِه.

فأما الذي يَسحرُ بأدويَةٍ وتَدخينٍ وسَقيِ شَيءٍ لا يَضرُّ فإنه لا يَكفرُ ولا يُقتلُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى وصَفَ الساحِرينَ الكافِرينَ بأنهُم يُفرِّقونَ بينَ المَرءِ وزَوجِه، فيَختصُّ الكفرُ بهم ويَبقَى مِنْ سِواهُم مِنْ السحَرةِ على أصلِ العِصمةِ، ويُعزَّرُ تَعزيرًا بَليغًا دونَ القتلِ؛ لأنه ارتَكبَ مَعصيةً، إلا أنْ يَقتلَ بفِعلِه ذلكَ ويكونُ ممَّا يَقتلُ غالبًا، فيُقتصُّ منه إذا قتَلَ مَنْ يُكافئُه كما لو قتَلَه بغيرِ ذلكَ، وإنْ لم يَكنْ فِعلُه مما يَقتلُ غالبًا فالديَةُ.

وأما الذي يَعزمُ على الجِنِّ ويَزعمُ أنه يَجمعُها فتُطيعُه فلا يَكفرُ بذلكَ ولا يُقتلُ به؛ لأنه ليسَ في معنَى المَنصوصِ على قَتلِه بالسحرِ، ويُعزَّرُ تَعزيرًا بليغًا دونَ القتلِ؛ لارتِكابِه مَعصيةً عَظيمةً، وكذا الكاهِنُ والعرَّافُ والكاهِنُ الذي له رَئيٌّ مِنْ الجنِّ يأتيهِ بأخبارٍ، والعرَّافُ الذي يَحدسُ ويَتخرَّصُ كالمُنجِّمِ وهو الذي يَنظرُ في النُّجومِ يَستدلُّ بها على الحَوادثِ.

ولو أوهَمَ قومًا بطَريقتِه أنه يَعلمُ الغَيبَ فللإمامِ قَتلُه؛ لسَعيِه بالفَسادِ.

وقالَ الشَّيخُ: التنجيمُ كالاستِدلالِ بالأحوالِ الفلَكيةِ على الحَوادثِ الأرضِيةِ مِنْ السحرِ.

قالَ الشيخُ: ويَحرمُ إجماعًا، وأقَرَّ أولُهم وآخِرُهم أنَّ اللهَ يَدفعُ عن أهلِ العِبادةِ والدُّعاءِ ببَركتِه ما زَعَموا أنَّ الأفلاكَ تُوجِبُه، وأنَّ لهم مِنْ ثَوابِ الدارَينِ ما لا تَقوَى الأفلاكُ أنْ تَجلبَه.

والمُتعبِّدُ والقائلُ بزَجرِ طَيرٍ والضاربُ بحصًى وشَعيرٍ وقِداحٍ -أي سِهامٍ- والنظرُ في ألواحِ الأكْتافِ إذا لم يَعتقدْ إباحتَه واعتَقدَ أنه لا يَعلمُ به الأمورُ المُغيَّبةَ عُزِّرَ ويُكَفُّ عنه، وإلا بأنِ اعتَقدَ إباحتَه وأنه يَعلمُ به الأمورَ المُغيَّبةَ كفَرَ، فيُستتابُ فإنْ تابَ وإلا قُتلَ.

وتَحرمُ رُقيَةٌ وحِرزٌ وتَعوُّذٌ بطَلسمٍ بغير عَربيٍّ، وتَحرمُ عَزيمةٌ بغيرِ عَربيٍ وباسم كَوكبٍ وما وُضعَ على نَجمٍ مِنْ صُورةٍ أو غيرِها، ولا بأسَ بحَلِّ السحرِ بشَيءٍ مِنْ القُرآنِ والذِّكرِ والأقسامِ والكَلامِ المُباحِ.

قالَ البُهوتِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ كانَ حَلُّ السِّحرَ بشيءٍ مِنْ السحرِ فقدْ تَوقفَ فيه أحمَدُ، قالَ في «المُغني»: تَوقفَ أحمدُ في الحَلِّ، وهو إلى الجَوازِ أميَلُ.

وسَألَه مُهنَّا عمَّن تَأتيهِ مَسحورةٌ فيُطلِقَه عنها، قالَ: لا بأسَ.

قالَ الخلَّالُ: إنما كَرِهَ فِعالَه ولا يَرَى به بأسًا كما بَيَّنَه مُهنَّا، وهذا مِنْ الضَّرورةِ التي تُبيحَ فِعلَها، والمَذهبُ جَوازُه ضَرورةً (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: تَعلُّمُ السحرِ وتَعليمُه حَرامٌ، لا نَعلمُ فيه خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ.

قالَ أصحابُنا: ويَكفرُ الساحِرُ بتَعلمِه وفِعلِه، سواءٌ اعتَقدَ تَحريمَه أو إباحتَه، ورُويَ عن أحمَدَ ما يَدلُّ على أنه لا يَكفرُ؛ فإنَّ حَنبلًا روَى عنه قالَ: قالَ عمِّي في العرَّافِ والكاهِنِ والساحرِ: أرَى أنْ يُستتابَ مِنْ هذه الأفاعيلِ كلِّها، فإنه عندِي في معنَى المُرتدِّ، فإنْ تابَ وراجَعَ، يعني: يُخلَّى سَبيلُه، قلتُ له: يُقتلُ؟ قالَ: لا، يُحبَسُ لعلَّه يَرجعُ، قلتُ له: لِمَ لا تَقتلُه؟ قالَ: إذا كانَ يُصلِّي لعلَّه يُتوبُ ويَرجعُ، وهذا يَدلُّ على أنه لم يُكفِّرْه؛ لأنه لو كفَّرَه لَقتَلَه، وقولُه: «في معنَى المُرتدِّ» يعني: في الاستِتابةِ.

وقالَ أصحابُ أبي حَنيفةَ: إنِ اعتَقدَ أنَّ الشياطينَ تَفعلُ له ما يَشاءُ كفَرَ، وإنِ اعتَقدَ أنه تَخييلٌ لم يَكفرْ.

وقالَ الشافِعيُّ: إنِ اعتَقدَ ما يُوجِبُ الكُفرَ مثلَ التقرُّبِ إلى الكواكبِ السَّبعةِ وأنها تَفعلُ ما يَلتمسُ أو اعتَقدَ حِلَّ السِّحرِ كفَرَ؛ لأنَّ القُرآنَ نطَقَ

(١) «كشاف القناع» (٦/ ٢٣٥، ٢٣٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٣٠٥، ٣٠٧).

بتَحريمِه وثبَتَ بالنقلِ المُتواترِ والإجماعِ عليهِ، وإلا فسَقَ ولم يَكفرْ؛ لأنَّ عائِشةَ رضي الله عنها باعَتْ مُدبَّرةً لها سحَرَتْها بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ، ولو كفَرَتْ لَصارتْ مُرتدةً يجبُ قَتلُها ولم يَجُزِ استِرقاقُها، ولأنه شيءٌ يَضرُّ بالناسِ، فلمْ يَكفرْ بمُجردِه كأذاهُم.

ولنا: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: وما كفَرَ سُليمانُ، أي: وما كانَ ساحِرًا كفَرَ بسِحرِه، وقَولُهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي لا تَتعلَّمْه فتَكفرَ بذلكَ، وقد رَوى هشامُ بنُ عُروةَ عن أبيه عن عائِشةَ «أنَّ امرأةً جاءَتْها فجعَلَتْ تَبكي بُكاءً شَديدًا وقالَتْ: يا أمَّ المُؤمنينَ إنَّ عَجوزًا ذهَبَتْ بي إلى هارُوتَ ومارُوتَ، فقلتُ: عَلِّماني السحرَ، فقالا: اتِّقي اللهَ ولا تَكفُرِي فإنكِ على رأسِ أمرِكِ، فقلتُ: عَلِّماني السحرَ، فقالا: اذهَبِي إلى ذلكَ التَّنورُ فبُولي فيهِ، ففعَلْتُ فرَأيتُ كأنَّ فارسًا مُقنَّعًا في الحَديدِ خرَجَ منِّي حتى طارَ فغابَ في السَّماءِ، فرَجَعتُ إليهِما فأخبَرتُهما فقالا: ذلكَ إيمانُكِ، فذكَرَتْ باقي القِصةَ إلى أنْ قالَتْ: واللهِ يا أمَّ المُؤمنينَ ما صَنعتُ شَيئًا غيرَ هذا ولا أصنَعُه أبدًا، فهل لي مِنْ تَوبةٍ؟ قالَتْ عائشةُ: ورأيتُها تَبكي بُكاءً شَديدًا، فطافَتْ في أصحابِ رسولِ اللهِ وهُم مُتوافرونَ تَسألُهم هل لها مِنْ تَوبةٍ؟ فما أفتاها أحَدٌ إلا أنَّ ابنَ عبَّاسٍ قالَ لها: إنْ كانَ أحَدٌ مِنْ أبوَيكِ حَيًّا فبِرِّيه وأكثِرِي مِنْ عَملِ البِرِّ ما استَطعْتِ»، وقولُ عائِشةَ قد خالَفَها فيه كَثيرٌ مِنْ الصحابةِ، وقالَ عليٌّ رضي الله عنه: «الساحرُ كافرٌ»، ويَحتملُ أنَّ المُدبَّرةَ تابَتْ فسقَطَ عنها

القَتلُ والكُفرُ بتَوبتِها، ويَحتملُ أنها سحَرَتْها بمَعنى أنها ذهَبَتْ إلى ساحرٍ سحَرَ لها.

فصلٌ: وحَدُّ الساحرِ القَتلُ، رُويَ ذلك عن عُمرَ وعُثمانَ بنِ عفَّانَ وابنِ عُمرَ وحَفصةَ وجُندبِ بنِ عبدِ اللهِ وجُندبِ بنِ كَعبٍ وقيسِ بنِ سَعدٍ وعُمرَ ابنِ عَبدِ العزيزِ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومالكٌ.

ولم يَرَ الشافعيُّ عليه القَتلَ بمُجرَّدِ السِّحرِ، وهو قولُ ابنُ المُنذِرِ وروايةٌ عن أحمَدَ قد ذكَرْناها فيما تَقدَّمَ، ووَجهُ ذلك أنَّ عائِشةَ رضي الله عنها باعَتْ مُدبَّرةً سحَرَتْها، ولو وجَبَ قَتلُها لَمَا حَلَّ بيعُها، ولأنَّ النبيَّ قالَ: «لا يَحِلُّ دمُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا بإحدَى ثَلاثٍ: كُفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو زنًا بعدَ إحصانٍ، أو قتلُ نَفسٍ بغيرِ حَقٍّ» (١)، ولم يَصدرْ منه أحَدُ الثَّلاثةِ، فوجَبَ أنْ لا يَحلَّ دَمُه.

ولنا: ما رَوى جُندبُ بنُ عبدِ اللهِ عن النبيِّ أنه قالَ: «حَدُّ الساحِرِ ضَربُه بالسَّيفِ» (٢)، قالَ ابنُ المُنذِرِ: رواهُ إسماعيلُ بنُ مُسلمٍ وهو ضَعيفٌ، وروَى سعيدٌ وأبو داودَ في كتابَيهِما عن بَجالةَ قالَ: كنتُ كاتِبًا لجَزءِ بنِ مُعاويةَ عمِّ الأحنَفِ بنِ قَيسٍ إذ جاءَنا كتابُ عُمرَ قبلَ موتِه بسَنةٍ: اقتُلوا كلَّ ساحِرٍ، فقتَلْنا ثَلاثَ سواحِرَ في يَومٍ»، وهذا اشتَهرَ فلمْ يُنكَرْ فكانَ إجماعًا، وقتَلَتْ حَفصةُ جاريةً لها سحَرَتْها، وقتَلَ جُندبُ بنُ كعبٍ ساحرًا كانَ يَسحرُ بينَ يَدَي الوليدِ بنِ عُقبةَ، ولأنه كافِرٌ، فيُقتلُ؛ للخبَرِ الذي رَوَوهُ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّمَ.
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الترمذي (١٤٦٠).

فصلٌ: وهل يُستتابُ الساحِرُ؟ فيه رِوايتانِ:

إحداهُما: لا يُستتابُ، وهو ظاهِرُ ما نُقلَ عن الصحابةِ؛ فإنه لم يُنقَلْ عن أحَدٍ منهُم أنه استَتابَ ساحِرًا، وفي الحَديثِ الذي رَواهُ هُشامُ بنُ عُروةَ عن أبيهِ عن عائِشةَ: «أنَّ الساحِرةَ سألَتْ أصحابَ النبيِّ وهم مُتوافرونَ هل لها مِنْ تَوبةٍ؟ فما أفتاها أحَدٌ، ولأنَّ السِّحرَ معنًى في قَلبِه لا يَزولُ بالتوبةِ، فيُشبهُ مَنْ لم يَتُبْ.

والرِّوايةُ الثانيةُ: يُستتابُ، فإنْ تابَ قُبِلتْ تَوبتُه؛ لأنه ليسَ بأعظَمَ مِنْ الشِّركِ، والمُشرِكُ يُستتابُ، ومَعرفتُه السِّحرَ لا تَمنعُ قَبولَ تَوبتِه؛ فإنَّ اللهَ تعالَى قَبِلَ تَوبةَ سَحرةِ فِرعونَ وجعَلَهم مِنْ أوليائِه في ساعةٍ، ولأنَّ الساحرَ لو كانَ كافِرًا فأسلَمَ صَحَّ إسلامُه وتَوبتُه، فإذا صحَّتِ التوبةُ منهُما صحَّتْ مِنْ أحَدِهما كالكُفرِ، ولأنَّ الكُفرَ والقتلَ إنما هو بعَملِه بالسِّحرِ لا بعِلمِه؛ بدَليلِ الساحرِ إذا أسلَمَ، والعَملُ به يُمكِنُ التوبةُ منه، وكذلكَ اعتِقادُ ما يَكفرُ باعتقادِه يُمكِنُ التوبةُ منه كالشِّركِ.

وهاتانِ الرِّوايتانِ في ثُبوتِ حُكمِ التوبةِ في الدنيا مِنْ سُقوطِ القَتلِ ونحوِه، فأما فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى وسُقوطُ عُقوبةِ الدارِ الآخرةِ عنه فتَصحُّ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لم يَسُدَّ بابَ التوبةِ عن أحَدٍ مِنْ خَلقِه، ومَن تابَ إلى اللهِ قَبِلَ توبتَه، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا.

فصلٌ: والسحرُ الذي ذكَرْنا حُكمَه هو الذي يُعَدُّ في العُرفِ سِحرًا، مثلَ فِعلِ لَبيدِ بنِ الأعصَمِ حينَ سحَرَ النبيَّ في مُشطٍ ومُشاطةٍ، وروينَا في مَغازِي الأمَويِّ أنَّ النجاشيَّ دعَا السواحِرَ فنَفخْنَ في إحليلِ عُمارةَ

ابنِ الوليدِ فهامَ مع الوَحشِ، فلمْ يَزَلْ معها إلى إمارةِ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه، فأمسَكَه إنسانٌ فقالَ: خَلِّني وإلا مُتُّ، فلمْ يُخلِّه فماتَ مِنْ ساعتِه، وبلَغَنا أنَّ بعضَ الأمراءِ أخَذَ ساحرةً فجاءَ زوْجُها كأنه مُحتِرقٌ فقالوا: قولوا لها تَحُلُّ عني، فقالَتْ: ائتُوني بخُيوطٍ وبابٍ، فجلَسَتْ على البابِ حينَ أتَوها به وجعَلَتْ تَعقدُ وطارَ بها البابُ، فلمْ يَقدِروا عليها، فهذا وأمثالُه مثلَ أنْ يَعقدَ الرَّجلُ المُتزوجُ فلا يُطيقَ وطءَ زوجتِه هو السِّحرُ المُختلَفُ في حُكمِ صاحبِه، فأما الذي يَعزمُ على المَصروعِ ويَزعمُ أنه يَجمعُ الجِنَّ ويأمرُها فتُطيعُه فهذا لا يَدخلُ في هذا الحُكمِ ظاهِرًا، وذكَرَه القاضي وأبو الخطَّابِ في جُملةِ السَّحرةِ …

فصلٌ: فأما الكاهِنُ الذي له رَئيٌّ مِنْ الجِنِّ تأتيهِ بالأخبارِ والعرَّافُ الذي يَحدسُ ويَتخرَّصُ فقدْ قالَ أحمدُ في رِوايةِ حَنبلٍ في العرَّافِ والكاهِنِ والساحِرِ: أرَى أنْ يُستتابَ مِنْ هذه الأفاعيلِ، قيلَ لهُ: يُقتلُ؟ قالَ: لا، يُحبسُ لعلَّه يَرجعُ، قالَ: والعِرَافةُ طَرفٌ مِنْ السِّحرِ، والساحرُ أخبَثُ؛ لأنَّ السِّحرَ شُعبةٌ مِنْ الكُفرِ، وقالَ: الساحِرُ والكاهِنُ حُكمُهما القتلُ أو الحَبسُ حتى يَتوبَا؛ لأنهُما يُلبِّسانِ أمْرَهما، وحَديثُ عُمرَ: «اقتُلوا كلَّ ساحِرٍ وكاهِنٍ» وليسَ هو مِنْ أمرِ الإسلامِ، وهذا يَدلُّ أنَّ كلَّ واحِدٍ منهُما فيه رِوايتانِ:

إحداهُما: أنه يُقتلُ إذا لم يَتُبْ.

والثانيةُ: لا يُقتلُ؛ لأنَّ حُكمَه أخَفُّ مِنْ حُكمِ الساحِرِ وقد اختُلفَ فيه، فهذا بدَرءِ القتلِ عنه أَولى.

فصلٌ: فأما ساحِرُ أهلِ الكِتابِ فلا يُقتلُ لسِحرِه إلا أنْ يَقتلَ به وهو مما يُقتلُ به غالبًا، فيُقتلُ قِصاصًا.

وقالَ أبو حَنيفةَ: يُقتلُ؛ لعُمومِ ما تَقدَّمَ مِنْ الأخبارِ، ولأنه جِنايةٌ أوجبَتْ قتْلَ المُسلمِ، فأوجَبَتْ قتْلَ الذميِّ كالقتلِ.

ولنا: إنَّ لَبيدَ بنَ الأعصَمِ سحَرَ النبيَّ فلمْ يَقتلْه؛ ولأنَّ الشِّركَ أعظَمُ مِنْ سِحرِه ولا يُقتلُ به، والأخبارُ ورَدَتْ في ساحرِ المُسلمينِ؛ لأنه يَكفرُ بسِحرِه، وهذا كافرٌ أصليٌّ، وقياسُهم يَنتقضُ باعتِقادِ الكُفرِ والمُتكلمِ به، ويَنتقضُ بالزنا مِنْ المُحصَنِ؛ فإنه لا يُقتلُ به الذِّميُّ عندَهم ويُقتلُ به المُسلمُ، واللهُ أعلَمُ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الساحِرَ لا يَكونُ كافرًا بالسحرِ، ولا يَجبُ به قتلُه، إلا أنْ يكونَ ما يَسحرُ به كُفرًا، فيَصيرُ باعتقادِ الكُفرِ كافِرًا يَجبُ قَتلُه بالكُفرِ لا بالسِّحرِ.

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فعَملُ السِّحرِ حَرامٌ، وهو مِنْ الكَبائرِ بالإجماعِ، وقد سبَقَ في كِتابِ الأيمانِ أنَّ رَسولَ اللهِ عَدَّه مِنْ السَّبعِ المُوبِقاتِ، وسبَقَ هناكَ شَرحُه، ومُختصرُ ذلكَ أنه قد يَكونُ كفرًا وقد لا يَكونُ كُفرًا، بل مَعصيتُه كَبيرةٌ، فإنْ كانَ فيه قَولٌ أو فِعلٌ يَقتضِي الكُفرَ كفَرَ، وإلا فَلا، وأما تَعلمُه وتَعليمُه فحَرامٌ، فإنْ تَضمَّنَ ما يَقتضِي

(١) «المغني» (٩/ ٣٤، ٣٧).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 79 - 93

ارجع إلى حكم قتل المرتد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد