كيفية استتابة المرتد ورجوعه إلى الإسلام

الإسلام > الجنايات والحدود > حكم قتل المرتد > كيفية استتابة المرتد ورجوعه إلى الإسلام

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

كيفية استتابة المرتد ورجوعه إلى الإسلام - الأقوال والأدلة

كَيفيةُ استِتابةِ المرتَدِّ ورُجوعِه إلى الإسلامِ:

استِتابةُ المُرتدِّ وإسلامُه لا يَتحققُّ إلا برُجوعِه عمَّا ارتَدَّ به، فالقاعِدةُ هنا: أنَّ البابَ الذي خرَجَ منه هو البابُ الذي يَرجعُ منه لا غيَرَ مع إعادتِه للشَّهادتَينِ (١).

قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: كُلُّ طائِفةٍ خرَجَتْ عن شَريعةٍ مِنْ شَرائعِ الإسلامِ الظاهِرةِ المُتواتِرةِ فإنه يَجبُ قتالُها باتِّفاقِ أئمَّةِ المُسلمينَ وإنْ تكَلَّمتْ بالشَّهادتَينِ، فإذا أقَرُّوا بالشهادتَينِ وامتَنَعوا عن الصَّلواتِ الخَمسِ وجَبَ قِتالُهم حتى يُصَلُّوا، وإنِ امتَنَعوا عن الزكاةِ وجَبَ قِتالُهم حتى يُؤَدُّوا الزكاةَ، وكذلكَ إنِ امتَنَعوا عن صِيامِ شَهرِ رَمضانَ أو حَجِّ البَيتِ العَتيقِ، وكذلكَ إنِ امتَنَعوا عن تَحريمِ الفواحِشِ أو الزِّنا أو المَيسرِ أو الخَمرِ أو غيرِ ذلكَ مِنْ مُحرَّماتِ الشريعةِ، وكذلكَ إنِ امتَنَعوا عن الحُكمِ في الدِّماءِ والأموالِ والأعراضِ والأبضاعِ ونحوِها بحُكمِ الكِتابِ والسُّنةِ، وكذلكَ إنِ امتَنَعوا عن الأمرِ بالمَعروفِ والنهيِ عن المُنكرِ وجِهادِ الكفَّارِ إلى أنْ يُسلِموا ويُؤدُّوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهُم صاغِرونَ، وكذلِكَ إنْ أظهَرُوا البِدعَ المُخالِفةَ للكِتابِ والسُّنةِ واتِّباعِ سَلفِ الأمَّةِ (٢).

قالَ الحَنفيةُ: توبةُ المُرتدِّ: أنْ يأتِيَ بكَلمةِ الشهادةِ ويَتبَرَّأَ مِنْ الأدْيَانِ كلِّها سوَى الإسلام، أو يَتبَرَّأَ ممَّا كانَ انتَقلَ إليهِ لحُصولِ المَقصودِ بذلك،

(١) «تفسير الطبري» (٦/ ٢٨٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥١١).

فإنْ عادَ فارتَدَّ فحُكمُه كذلك، وهكذا أبدًا؛ لأنَّا إنما نَحكمُ بالظاهرِ، وكانَ يَقبلُ مِنْ المُنافقِينَ ظاهِرَ الإسلامِ، ولأنَّ تَوبتَه قُبلَتْ أولَ مرَّةٍ بإظهارِ الإسلامِ، وأنه مَوجودٌ فيما بعدُ فتُقبَلُ.

قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: تَوبتُه: أنْ يأتِيَ بكَلمةِ الشهادةِ ويَتبَرَّأَ عنِ الأديانِ كلِّها سِوى الإسلامِ أو يَتبَرأَ عمَّا كانَ انتَقلَ إليه، فإنَّ تَمامَ الإسلامِ مِنْ اليَهوديِّ التبَرِّي عن اليَهوديةِ، ومِن النصرانِيِّ التبَرِّي عن النَّصرانيةِ، ومِن المُرتدِّ التبَرِّي عن كُلِّ مِلَّةٍ سِوى الإسلامِ؛ لأنه ليسَ للمُرتدِّ مِلةُ مَنفعةٍ، وإنْ تبَرَّأَ عمَّا انتَقلَ إليه فقدْ حصَلَ ما هو المَقصودُ، فإنِ ارتَدَّ ثانيًا وثالثًا فكذلكَ يُفعلُ به في كلِّ مرَّةٍ، فإذا أسلَمَ خُليَ سَبيلُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (١).

وقال أيضًا: تَوبةُ المُرتدِّ: بالإقرارِ بكَلمةِ الشهادتَينِ والتبَرِّي عما كانَ انتَقلَ إليهِ (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: إسلامُ الكافرِ الأصليِّ والمُرتدِّ سَواءٌ، ويُنظرُ فيه:

فإنْ كانَ لا تأويلَ له في كُفرِه مثلَ عَبدةِ الأوثانِ .. فيَكفيهِ في الإسلامِ أنْ يأتِيَ بالشهادتَينِ؛ لقَولِه : «فإذا قالُوها .. عَصَموا منِّي دِماءَهم وأموالَهم إلا بحَقِّها».

(١) «المبسوط» (١٠/ ٩٩)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٢٥٣).
(٢) «المبسوط» (١٠/ ١١٢).

وإنْ كانَ مُتأوِّلًا في كُفرِه بأنْ يقولَ: «إنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ، ولكنَّه رسولُ اللهِ إلى الأمِّيينَ دونَ أهلِ الكتابِ»، أو يَقولَ: «هو نَبيٌّ، إلا أنه لم يُبعَثْ بعدُ» .. فلا يُحكَمُ بإسلامِه حتى يأتِيَ بالشهادتَينِ ويَبرأَ معهُما مِنْ كلِّ دِينٍ مُخالِفٍ دِينَ الإسلامِ؛ لأنه إذا اقتَصرَ على الشهادتَينِ .. احتُملَ أنْ يُريدَ ما يَعتقدُه.

وإنِ ارتَدَّ بجُحودِ فَرضٍ مُجمَعٍ عليهِ كالصلاةِ والزكاةِ، أو باستِباحةِ مُحرَّمٍ مُجمَعٍ عليهِ كالخَمرِ والخِنزيرِ والزنا .. لم يُحكَمْ بإسلامِه حتى يأتِيَ بالشهادتَينِ ويُقِرَّ بوُجوبِ ما جحَدَ وجوبَه وتَحريمِ ما استَباحَه مِنْ ذلكَ؛ لأنه كذَّبَ اللهَ ورَسولَه بما أخبَرَا به، فلمْ يُحكَمْ بإسلامِه حتى يُقِرَّ بتَصديقِهما بذلكَ.

قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: (وإنْ صَلَّى الكافرُ الأصليُّ في دارِ الحَربِ .. حُكمَ بإسلامِه، وإنْ صَلَّى في دارِ الإسلامِ .. لم يُحكَمْ بإسلامِه؛ لأنَّ الإنسانَ في دارِ الإسلامِ مُطالَبٌ بإقامةِ الصَّلاةِ مَحمولٌ على فِعلِها، فإذا فعَلَها الكافرُ هناكَ .. فالظاهِرُ أنه فعَلَها تقيَّةً لا اعتِقادًا، فلمْ يُحكَمْ بإسلامِه، وفي دارِ الكُفرِ هو غيرُ مُطالَبٍ بإقامةِ الصَّلاةِ، فإذا فعَلَها فيها .. فالظاهِرُ أنه فعَلَها اعتِقادًا لا تقيَّةً .. فحُكمَ بإسلامِه).

وهكذا إنِ ارتَدَّ في دارِ الحَربِ ثم شَهدَ شاهِدانِ أنه يُصلِّي هناكَ .. فإنه يُحكَمُ بإسلامِه؛ لِمَا ذكَرْناهُ في الحَربيِّ، وإنِ ارتَدَّ في دارِ الإسلامِ ثم شَهدَ شاهِدانِ أنه يُصلِّي .. فإنه لا يُحكَمُ بإسلامِه؛ لِمَا ذكَرْناهُ في الحَربيِّ، ولأنَّ

المُرتدَّ في دارِ الحَربِ لا يُمكِنُ مَعرفةُ إسلامِه إلا بالصلاةِ؛ لأنه لا يُمكِنُه إظهارُ الشهادتَينِ، والمُرتدُّ في دارِ الإسلامِ يُمكِنُ مَعرفةُ إسلامِه بإظهارِ الشهادتَينِ.

وإذا ارتَدَّ ثم أسلَمَ ثم ارتَدَّ ثم أسلَمَ وتَكرَّرَ ذلكَ منه .. فإنه يُحكَمُ بصِحةِ إسلامِه، إلا أنه لا يُعزَّرُ في الرِّدةِ الأُولى؛ لجَوازِ أنْ يكونَ عرَضَتْ له شُبهةٌ، ويُعزَّرُ فيما بعدَها؛ لأنه لا شُبهةَ له (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا ثبتَتْ رِدتُه بالبيِّنةِ أو غيرِها فشَهدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ لم يُكشَفْ عن صِحةِ ما شَهدَ عليهِ به وخُلِّيَ سَبيلُه، ولا يُكلَّفُ الإقرارَ بما نُسبَ إليهِ؛ لقَولِ النبيِّ : «أُمرْتُ أنْ أقاتِلَ الناسَ حتى يَقولُوا لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالُوها عَصَموا منِّي دِماءَهم وأموالَهم إلا بحَقِّها، وحِسابُهم على اللهِ ﷿» مُتفَقٌ عليه، ولأنَّ هذا يَثبتُ به إسلامُ الكافرِ الأصليِّ، فكذلكَ إسلامُ المُرتدِّ، ولا حاجَةَ مع ثُبوتِ إسلامِه إلى الكَشفِ عن صِحةِ ردَّتِه، وكَلامُ الخِرقيِّ مَحمولٌ على مَنْ كفَرَ بجَحدِ الوَحدانيةِ أو جَحدِ رِسالةِ مُحمدٍ أو جَحدِهما معًا، فأما مَنْ كفَرَ بغيرِ هذا فلا يَحصلُ إسلامُه إلا بالإقرارِ بما جحَدَه، ومَن أقَرَّ برِسالةِ مُحمدٍ وأنكَرَ كَونَه مَبعوثًا إلى العالَمينَ لا يَثبتُ إسلامُه حتى يَشهدَ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ إلى الخَلقِ أجمَعينَ، أو يَتبَرَّأَ مع الشهادتَينِ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخالِفُ الإسلامَ، وإنْ زعَمَ أنَّ مُحمدًا رَسولٌ مَبعوثٌ

(١) «المهذب» (٢/ ٢٢٣)، و «البيان» (١٢/ ٥٠، ٥١).

وهو غير هذا لَزمَه الإقرارُ بأنَّ هذا المَبعوثَ هو رَسولُ اللهِ؛ لأنه إذا اقتَصرَ على الشهادتَينِ احتُملَ أنه أرادَ ما اعتَقدَه.

وإنِ ارتَدَّ بجُحودِ فَرضٍ لم يُسلِمْ حتى يُقِرَّ بما جحَدَه ويُعيدَ الشهادتَينِ؛ لأنه كذَّبَ اللهَ ورسولَه بما اعتَقدَه، وكذلكَ إنْ جحَدَ نبيًّا أو آيةً مِنْ كِتابِ اللهِ تعالَى أو كتابًا مِنْ كُتبِه أو مَلكًا مِنْ مَلائكتِه الذينَ ثبَتَ أنهُم مَلائكةُ اللهِ أو استَباحَ مُحرَّمًا، فلا بُدَّ في إسلامِه مِنْ الإقرارِ بما جحَدَه.

وأما الكافرُ بجَحدِ الدِّينِ مِنْ أصلِه إذا شَهدَ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ واقتَصرَ على ذلكَ ففيهِ رِوايتانِ:

إحداهُما: يُحكَمُ بإسلامِه؛ لأنه رُويَ أنَّ يَهوديًّا قالَ: «أشهَدُ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ ثم ماتَ فقالَ النبيُّ صَلُّوا على صاحِبِكم»، ولأنه لا يُقِرُّ برِسالةِ مُحمدٍ إلا وهو مُقِرٌّ بمَن أرسَلَه وبتَوحيدِه؛ لأنه صدَّقَ النبيَّ فيما جاءَ بهِ، وقد جاءَ بتَوحيدِه.

والثانيةُ: أنه إنْ كانَ مُقِرًّا بالتوحيدِ كاليَهودِ حُكمَ بإسلامِه؛ لأنَّ تَوحيدَ اللهِ ثابِتٌ في حَقِّه، وقد ضَمَّ إليهِ الإقرارَ برِسالةِ مُحمدٍ ، فكَملَ إسلامُه.

وإنْ كانَ غيرَ مُوحِّدٍ كالنَّصارى والمَجوسِ والوَثنيينَ لم يُحكَمْ بإسلامِه حتى يَشهدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وبهذا جاءَتْ أكثَرُ الأخبارِ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ مَنْ جحَدَ شَيئينِ لا يَزولُ جَحدُهما إلا بإقرارِه بهِما جَميعًا، وإنْ قالَ: «أشهَدُ أنَّ النبيَّ رَسولُ اللهِ» لم نَحكمْ بإسلامِه؛ لأنه يَحتملُ أنْ يُريدَ غيرَ نَبيِّنا، وإنْ

قالَ: «أنا مُؤمنٌ، أو أنا مُسلمٌ» فقالَ القاضِي: يُحكَمُ بإسلامِه بهذا وإنْ لم يَلفظْ بالشهادتَينِ؛ لأنهُما اسمَانِ لشيءٍ مَعلومٍ مَعروفٍ وهو الشَّهادتانِ، فإذا أخبَرَ عن نَفسِه بما تَضمَّنَ الشهادتَينِ كانَ مُخبِرًا بهِما، ورَوى المِقدادُ أنه قالَ: «يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ إنْ لَقيتُ رَجلًا مِنْ الكفَّارِ فقاتَلَني فضرَبَ إحدَى يَديَّ بالسَّيفِ فقطَعَهما ثمَّ لاذَ منِّي بشَجرةٍ فقالَ: أسلَمْتُ، أفأقتُلُه يا رَسولَ اللهِ بعدَ أنْ قالَها؟ قالَ: لا تَقتلْه، فإنْ قَتلْتَه فإنه بمَنزلتِكَ قبلَ أنْ تَقتلَه وإنكَ بمَنزلتِه قبلَ أنْ يَقولَ كَلمتَه التي قالَها»، وعن عِمرانَ بنِ حُصينٍ قالَ: «أصابَ المُسلمونَ رَجلًا مِنْ بَني عَقيلٍ فأتَوا به النبيَّ فقالَ: يا مُحمدُ إني مُسلمٌ، فقالَ رَسولُ اللهِ : لو كُنْتَ قُلتَ وأنتَ تَملكُ أمْرَكَ أفلَحْتَ كُلَّ الفَلاحِ» رَواهُما مُسلمٌ، ويَحتملُ أنَّ هذا في الكافرِ الأصليِّ أو مَنْ جحَدَ الوَحدانيةَ، أما مَنْ كفَرَ بجَحدِ نَبيٍّ أو كِتابٍ أو فَريضةٍ ونحوِها فلا يَصيرُ مُسلمًا بذلكَ؛ لأنه ربَّما اعتَقدَ أنَّ الإسلامَ ما هو عليهِ، فإنَّ أهلَ البِدعِ كلَّهم يَعتقدونَ أنهُم هُمْ المُسلمونَ ومنهُم مَنْ هو كافِرٌ (١).

وقالَ الإمام المِرْداويُّ رحمة الله عليه: وتَوبةُ المُرتدِّ إسلامُه، وهو أنْ يَشهدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه، إلا أنْ تكونَ رِدتُه بإنكارِ فَرضٍ أو إحلالِ مُحرَّمٍ أو جَحدِ نَبيٍّ أو كِتابٍ أو انتَقلَ إلى دِينِ مَنْ يَعتقدُ أنَّ مُحمدًا بُعثَ إلى العَربِ خاصَّةً، فلا يَصحُّ إسلامُه حتى يُقِرَّ بما جحَدَه ويَشهدَ أنَّ مُحمدًا بُعثَ إلى العالَمينَ أو يَقولَ: «أنا بَريءٌ مِنْ كلِّ دِينٍ يُخالِفُ

(١) «المغني» (٩/ ٢٨، ٢٩).

دينَ الإسلامِ»، يعني: يأتِي بذلكَ مع الإتيانِ بالشهادتَينِ إذا كانَ ارتِدادُه بهذهِ الصِّفةِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ مُفلحٍ رحمة الله عليه: إلا أنْ تكونَ رِدتُه بإنكارِ فَرضٍ أو إحلالِ مُحرَّمٍ أو جَحدِ نبيٍّ أو كِتابٍ أو انتَقلَ إلى دِينِ مَنْ يَعتقدُ أنَّ مُحمدًا بُعثَ إلى العَربِ خاصَّةً، فلا يَصحُّ إسلامُه حتى يُقِرَّ بما جحَدَه؛ لأنَّ رِدتَه بجَحدِه، فإذا لم يُقِرَّ بما جحَدَه بقيَ الأمرُ على ما كانَ عليه مِنْ الرِّدةِ المُوجِبةِ لتَكفيرِه، فإذا كانَتْ رِدتُه باعتِقادِ أنَّ مُحمدًا بُعثَ إلى العَربِ فلا بُدَّ وأنْ يَشهدَ أنَّ مُحمدًا بُعثَ إلى العالَمينَ، ولا بُدَّ أنْ يقولَ مع ذلكَ كَلمةَ الشهادتَينِ، ولا يكفِي مُجرَّدُ إقرارِه بما جحَدَه، أو يقولَ: «أنا بَريءٌ مِنْ كلِّ دِينٍ يُخالِفُ الإسلامَ»؛ لأنه يُحتمَلُ أنْ يُريدَ بالشهادةِ ما يَعتقدُه، ولأنَّ الرُّجوعَ إلى الإسلامِ لا يَكونُ إلا بذلكَ (٢).

وقالَ الإمامُ المروزِيُّ رحمة الله عليه: الرَّجلُ إذا كفَرَ بتَركِ الصلاةِ فإنما يُستتابُ مِنْ كُفرِه بأنْ يُدعَى إلى الصلاةِ، فإذا رجَعَ إلى الصَّلاةِ فصَلَّى كانَ راجِعًا إلى الإسلامِ؛ لأنَّ كفْرَه كانَ بتَركِها، فإسلامُه يَكونُ بإقامَتِها، وكذلكَ كُلُّ مَنْ كانَ مَعروفًا بالإسلامِ والإيمانِ بما جاءَ مِنْ عندِ اللهِ تعالَى مِنْ الفَرائضِ والحَلالِ والحَرامِ ثمَّ كفَرَ بشَريعةٍ مِنْ الشَّرائعِ أو استِحلالِ بَعضِ ما حرَّمَ اللهُ تعالى، فإنما يُستتابُ مِنْ الكُفرِ بالشَّريعةِ التي كفَرَ بها، فإذا أقَرَّ بها

(١) «الإنصاف» (١٠/ ٣٣٦).
(٢) «المبدع» (٩/ ١٨٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الحرابة
الباب الخامس بماذا تثبت الحرابة

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِأَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَظْهَرَ لِجِيرَانِهِ. وَإِنْ أَتَى الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَجِيءِ إِلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ تَرَكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ عَنْهُ حُكْمًا مِنَ الْأَحْكَامِ إِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامُ. وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ تَوْبَتَهُ قِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ بِأَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ إِذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: تَكُونُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.

وَأَمَّا صِفَةُ الْمُحَارِبِ الَّذِي تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ.

وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لَهُ فِئَةٌ.

وَالثَّالِثُ: كَيْفَمَا كَانَتْ، لَهُ فِئَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَلْحَقْ.

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُحَارِبِ إِذَا امْتَنَعَ، فَأَمَّنَهُ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ - فَقِيلَ: لَهُ الْأَمَانُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الْحِرَابَةِ. وَقِيلَ: لَا أَمَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَمَّنُ الْمُشْرِكُ.

وَأَمَّا مَا تُسْقِطُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تُسْقِطُ عَنْهُ حَدَّ الْحِرَابَةِ فَقَطْ، وَيُؤْخَذُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 62 - 68

ارجع إلى حكم قتل المرتد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله