الشرط الثالث: أن يكون عالما أن كثيرها يسكر

الإسلام > الجنايات والحدود > شروط وجوب الحد > الشرط الثالث: أن يكون عالما أن كثيرها يسكر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

الشرط الثالث: أن يكون عالما أن كثيرها يسكر - الأقوال والأدلة

الشَّرطُ الثالثُ: أنْ يَكونَ عالِمًا أنَّ كَثيرَها يُسكِرُ:

الحَدُّ إنما يَلزمُ مَنْ شَربَها عالِمًا أنَّ كَثيرَها يُسكِرُ، فأما غيرُه فلا حَدَّ عليه؛ لأنه غيرُ عالمٍ بتَحريمِها ولا قاصِدٍ إلى ارتِكابِ المَعصيةِ بها، فأشبَهَ مَنْ زُفَّتْ إليه غيرُ زَوجتِه، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهذا قَولُ عامةِ أهلِ العِلمِ (١).

الشَّرطُ الرابعُ: أنْ يكونَ عالِمًا بالتَّحريمِ:

نَصَّ أكثرُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ وابنُ وَهبٍ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ مِنْ شُروطِ وُجوبِ الحَدِّ على شاربِ الخَمرِ أنْ يكونَ عالِمًا بالتحريمِ، على تَفصيلٍ عندَهم، فإنْ شَربَها ثم قالَ: «لم أعلَمْ أنها حَرامٌ» فإنْ كانَ ناشِئًا في بِلادِ المُسلمينَ فلا يُقبلُ قَولُه ويُقامُ عليهِ الحَدُّ ولا عُذرَ له في هذا، وأمَّا إذا كانَ كافرًا وأسلَمَ فشَربَ الخَمرَ أو كانَ ناشِئًا في بادِيةٍ ثمَّ قالَ: «لم أعلَمْ أنها حَرامٌ» فلا حَدَّ عليهِ عِندَهم، خِلافًا لمُعتمَدِ المَذهبِ عندَ المالِكيةِ وقَولٍ للشافِعيةٍ، وتَفصيلُ ذلكَ فيما يَلي:

قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ أنْ يكونَ شاربُ الخَمرِ عالِمًا بالحُرمةِ حَقيقةً أو حُكمًا بكونِه في دارِنا بأنْ يكونَ ناشِئًا فيها، وإذا أسلَمَ الحَربيُّ وجاءَ إلى دارِ الإسلامِ ثمَّ شَربَ الخمرَ قبلَ أنْ يَعلمَ أنها مُحرَّمةٌ عليهِ لم يُحَدَّ، وإنْ زنَى أو سَرقَ أُخذَ بالحَدِّ ولم يُعذَرْ بقولِه: «لم أعلَمْ».

(١) «المغني» (٩/ ١٣٨)، ويُنظَر: «الإنصاف» (١٠/ ٢٣١)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٤٩)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٢٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥٠٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٦٦، ٣٦٧).

وأما المَولودُ بدارِ الإسلامِ إذا شَربَ الخَمرَ وهو بالغٌ فعَليهِ الحَدُّ ولا يُصدَّقُ أنه لم يَعلمْ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: لو قَرُبَ إسلامُه فقالَ: «جَهِلتُ تَحريمَها» لم يُحَدَّ؛ لأنه قد يَخفى عليه ذلكَ، والحُدودُ تُدرأُ بالشبُهاتِ، وهذا ظاهرٌ في غيرِ مَنْ نشَأَ في بلادِ الإسلامِ.

أما مَنْ نَشأَ في بلادِ الإسلامِ وكانَ مُخالِطًا للمُسلمينَ وأسلَمَ ثم ادَّعى بعدَ ذلكَ أنه لا يَعلمُ أنها حَرامٌ على المُسلمينَ فقَولانِ في المَذهبِ:

أحَدُهما: لا يُقبلُ قولُه؛ لأنَّ الظاهرَ أنه يَعلمُ تَحريمَها على المُسلمينَ، وهو قَولُ الأذرعيِّ، واختارَه الدَّميريُّ وابنُ حَجرٍ والرَّمليُّ وغيرُهم.

والثاني: لا حَدَّ عليهِ ويُقبلُ قَولُه، اختارَه الخَطيبُ الشَّربينيُّ، قالَ: وظاهرُ كلامِ الأصحابِ الإطلاقُ، وهو الظاهِرُ (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: مَنْ شَربَ الخَمرَ غيرَ عالِمٍ بتَحريمِها فلا حَدَّ عليه أيضًا؛ لأنَّ عُمرَ وعُثمانَ رضي الله عنهما قالا: «لا حَدَّ إلا على مَنْ عَلِمَه»، ولأنه غيرُ عالِمٍ بالتحريمِ، أشبَهَ مَنْ لم يَعلمْ أنها خَمرٌ، وإذا ادَّعى الجَهلَ بتَحريمِها نظَرْنا؛ فإنْ كانَ ناشئًا ببَلدِ الإسلامِ بينَ المُسلمينَ لم تُقبلْ دَعواهُ؛ لأنَّ هذا لا يكادُ

(١) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٣٩).
(٢) «مغني المحتاج» (٥/ ٥٠٨)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٢٢٥)، و «تحفة المحتاج» (١١/ ٩٥)، و «نهاية المحتاج» (٨/ ١٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٥٤ - مسألة؛ قال: (وإذا زنى العبد والأمة، جلد كل واحد منهما خمسين جلدة، ولم يغربا)

ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} . وهذا أوْلَى من تَرْكِ حَدِّهِ بالكُلِّيَّةِ، أو قَتْلِه بما لا يُوجِبُ القَتْلَ.

١٥٥٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا زَنَى الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ، جُلِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسِينَ جَلْدَةً، ولَمْ يُغَرَّبَا)

وجملتُه أنَّ حَدَّ العَبْدِ والأَمَةِ خمسون جَلْدَةً بِكْرَيْن كانا أو ثَيِّبَيْنِ. في قولِ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ منهم عمرُ، وعَلىٌّ، وابنُ مسعود، والحسنُ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ، والْبَتِّيُّ، والعَنْبَرِيُّ. وقال ابنُ عَبَّاسٍ، وطاوُسٌ، وأبو عُبَيْدٍ: إن كانا مُزَوَّجَيْنِ فعليْهِما نصفُ الحَدِّ، ولا حَدَّ على غيرِهما؛ لقولِ اللَّه تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} . فدليلُ خِطَابِه أنَّه لا حَدَّ على غيرِ المُحْصَناتِ. وقال داودُ: على الأَمَةِ نِصْفُ الحَدِّ إذا زَنَتْ بعدَ ما زُوِّجَتْ، وعلى العبدِ جَلْدُ مِائَةٍ بكُلِّ حالٍ، وفي الأَمَةِ إذا لم تُزَوَّجْ روايتَانِ؛ إحداهما، لا حَدَّ عليها. والأخرى، تُجْلَدُ مِائَةً؛ لأنَّ قولَ اللَّه تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} . عامٌّ، خَرَجَتْ منه الأَمَةُ المُحْصَنَةُ بقولِه: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} . فَيبَقَى العَبْدُ والأَمَةُ التي لم تُحْصَنْ على مُقْتَضَى العُمومِ. ويَحْتَمِلُ دَلِيلُ الخِطابِ في الأَمَةِ أن لا حَدَّ عليها، كَقولِ ابنِ عَبَّاسٍ. وقال أبو ثَوْرٍ: إذَا لم يُحْصَنَا بالتَّزْوِيجِ، فعليهما نصفُ الحَدِّ، وإن أُحْصِنَا فعليْهِما الرَّجْمُ؛ لعُمومِ الأخْبارِ فيه،

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 569 - 570

ارجع إلى شروط وجوب الحد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل