الإسلام > الجنايات والحدود > ما تنعقد به الإمامة > ثانيا: باستخلاف الإمام الذي قبله
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةذلكَ في صحَّتِه أو في مَرضِه وعندَ موتِه، إذ لا نَصَّ ولا إجماعَ على المَنعِ مِنْ أحدِ هذه الوُجوهِ، كما فعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ بأبي بَكرٍ، وكما فعَلَ أبو بَكرٍ بعُمرَ، وكما فعَلَ سُليمانُ بنُ عبدِ المَلكِ بعُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وهذا هو الوَجهُ الذي نَختارُه ونَكرَهُ غيرَه؛ لِما في هذا الوجهِ مِنْ اتصالِ الإمامةِ، وانتظامِ أمرِ الإسلامِ وأهلِه، ورَفعِ ما يُتخوَّفُ مِنْ الاختلافِ والشغَبِ ممَّا يُتوقَّعُ في غيرِه مِنْ بقاءِ الأمَّةِ فوضَى، ومِن انتِشارِ الأمرِ وارتفاعِ النُّفوسِ وحُدوثِ الأطماعِ.
إنما أنكَرَ مَنْ أنكَرَ مِنْ الصحابةِ رضي الله عنهم ومِن التابِعينَ بَيعةَ يَزيدَ بنِ مُعاويةَ والوليدِ وسُليمانَ لأنهُم كانوا غيرَ مَرضيِّينَ، لا لأنَّ الإمامَ عَهِدَ إليهم في حَياتِه (١).
ثانيًا: باستِخلافِ الإمامِ الذي قبْلَه:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وعامَّةُ العُلماءِ على تَنفيذِ عَهدِ الإمامِ إذا أوصَى بالإمامةِ إلى مَنْ يَصلحُ لها، وقد نُقِلَ الإجماعُ على هذا.
قالَ الإمامُ أبو مَنصورٍ البَغداديُّ رحمة الله عليه: إذا أوصَى بها الإمامُ إلى مَنْ يَصلحُ لها وجَبَتْ على الأمَّةِ إنفاذُ وصَيَّتِه، كما أوصَى بها أبو بكرٍ إلى عُمرَ، وأجمَعَتِ الصحابةُ على مُتابعتِه فيها (٢).
(١) «الفصل في الملل والنحل» (٤/ ١٢٩، ١٣١).
(٢) «أصول الدين» لأبي منصور البغدادي ص (٢٨٥).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وأما انعِقادُ الإمامةِ بعَهدِ مَنْ قبلَه فهو ممَّا انعَقدَ الإجماعُ على جَوازِه ووقَعَ الاتفاقُ على صحَّتِه؛ لأمرَينِ عَمِلَ المُسلمونَ بهما ولم يَتناكَروهُما:
أحَدُهما: أنَّ أبا بَكرٍ رضي الله عنه عَهِدَ بها إلى عُمرَ رضي الله عنه فأثبَتَ المُسلمونَ إمامتَه بعَهدِه.
والثاني: أنَّ عُمرَ رضي الله عنه عَهِدَ بها إلى أهلِ الشُّورى، فقَبِلتِ الجَماعةُ دُخولَهم فيها، وهم أعيانُ العَصرِ، اعتقادًا لصَّحةِ العهدِ بها، وخرَجَ باقي الصَّحابةِ منها، وقالَ عليٌّ للعبَّاسِ رِضوانُ اللهِ عليهِما حينَ عاتَبَه على الدُّخولِ في الشُّورَى: «كانَ أمرًا عَظيمًا مِنْ أمورِ الإسلامِ لم أرَ لنَفسِي الخُروجَ منه»، فصارَ العهدُ بها إجماعًا في انعِقادِ الإمامةِ، فإذا أرادَ الإمامُ أنْ يَعهدَ بها فعليهِ أنْ يَجهدَ رأيَه في الأحَقِّ بها والأقوَمِ بشُروطِها، فإذا تعيَّنَ له الاجتهادُ في واحِدٍ نُظرَ فيه:
فإنْ لم يَكنْ ولَدًا ولا والِدًا جازَ أنْ يَنفردَ بعَقدِ البيعةِ له وبتَفويضِ العَهدِ إليه وإنْ لم يَستشرْ فيه أحَدًا مِنْ أهلِ الاختيارِ، لكنِ اختَلفُوا: هل يَكونُ ظُهورُ الرِّضا منهُم شَرطًا في انعِقادِ بَيعتِه أو لا؟ فذهَبَ بعضُ عُلماءِ أهلِ البَصرةِ إلى أنَّ رِضا أهلِ الاختيارِ لبَيعتِه شرطٌ في لُزومِها للأمَّةِ؛ لأنها حقٌّ يتعلَّقُ بهم، فلَم تَلزمْهم إلا برضَا أهلِ الاختيارِ منهم، والصَّحيحُ أنَّ بَيعتَه مُنعقدةٌ وأنَّ الرِّضا بها غيرُ مُعتبَرٍ؛ لأنَّ بَيعةَ عُمرَ رضي الله عنه لم تَتوقَّفْ على رضَا الصَّحابةِ؛ ولأنَّ الإمامَ أحَقُّ بها، فكانَ اختيارُه فيها أمضَى وقولُه فيها أنفَذَ.
وإنْ كانَ وَليُّ العَهدِ ولدًا أو والدًا فقدِ اختُلفَ في جَوازِ انفِرادِه بعقدِ البيعةِ له على ثَلاثةِ مَذاهبَ:
أحَدُها: لا يَجوزُ أنْ يَنفردَ بعَقدِ البَيعةِ لولدٍ ولا لوالِدٍ حتى يُشاوِرَ فيه أهلَ الاختيارِ فيَرَونَه أهلًا لها، فيَصحُّ منه حِينئذٍ عَقدُ البيعةِ له؛ لأنَّ ذلكَ منه تَزكيةٌ له تجرِي مجرَى الشهادةِ، وتقَليدُه على الأمَّةِ يَجري مَجرى الحُكمِ، وهو لا يَجوزُ أنْ يَشهدَ لوالدٍ ولا لوَلدٍ ولا يَحكمَ لواحدٍ منهُما؛ للتُّهمةِ العائِدةِ إليه بما جُبلَ مِنْ المَيلِ إليه.
والمَذهبُ الثاني: يَجوزُ أنْ يَنفردَ بعَقدِها لولدٍ ووالدٍ؛ لأنه أميرُ الأمَّةِ نافذُ الأمرِ لهم وعليهِم، فغُلِّبَ حُكمُ المَنصبِ على حُكمِ النسبِ، ولم يجعَلْ للتُّهمةِ طَريقًا على أمانتِه ولا سَبيلًا إلى مُعارَضتِه وصارَ فيها كعَهدِه بها إلى غيرِ ولدِه ووالدِه، وهل يكونُ رضَا أهلِ الاختيارِ بعدَ صحَّةِ العهدِ مُعتبَرًا في لُزومِه للأمَّةِ أو لا؟ على ما قدَّمْناهُ مِنْ الوَجهينِ.
والمَذهبُ الثالثُ: إنه يَجوزُ أنْ يَنفردَ بعَقدِ البيعةِ لوالدِه، ولا يَجوزُ أنْ يَنفردَ بها لوَلدِه؛ لأنَّ الطَّبعَ يَبعثُ على مُمايَلةِ الولدِ أكثَرَ مما يَبعثُ على مُمايلةِ الوالدِ، ولذلكَ كانَ كلِّ ما يَقتنيهِ في الأغلبِ مَذخورًا لوَلدِه دونَ والدِه.
فأما عَقدُها لأخيهِ ومَن قارَبَه مِنْ عَصَبتِه ومُناسبيهِ فكعَقدِها للبُعداءِ الأجانبِ في جَوازِ تَفرُّدِه بها (١).
(١) «الأحكام السلطانية» ص (٣٠/ ٣٢).
وقالَ الإمامُ أبو المَعالي الجُوَينيُّ رحمة الله عليه: أصلُ تَوليةِ العَهدِ ثابتٌ قَطعًا مُستنِدٌ إلى إجماعِ حَمَلةِ الشريعةِ، فإنَّ أبا بَكرٍ خَليفةَ رَسولِ اللهِ ﷺ لمَّا عَهدَ إلى عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنهما وولَّاهُ الإمامةَ بعدَه لم يُبْدِ أحدٌ مِنْ صَحبِ رَسولِ اللهِ ﷺ نَكيرًا، ثم اعتَقدَ كافَّةُ عُلماءِ الدِّينِ تَوليةَ العَهدِ مَسلكًا في إثباتِ الإمامةِ في حقِّ المَعهودِ إليه المُولَّى، ولم يَنفِ أحدٌ أصلَها أصلًا، وإنْ كانَ مَنْ تَردَّدَ وتبلَّدَ ففي صِفةِ المولَّى أو المولِّي، فأما أصلُ العَهدِ فثابتٌ باتِّفاقِ أهل الحَلِّ والعَقدِ، ثم تكلَّمَ العُلماءُ في تَفاصيلِ تَوليةِ العُهودِ وانتَهوا إلى كلِّ مَقصودٍ (١).
وقالَ القاضي عِياضٌ رحمة الله عليه: إجماعُ الصَّحابةِ … على تنفيذِ عَهدِ أبي بكرٍ لعُمرَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَنْ اتَّفقَ المُسلمونَ على إمامتِه وبَيعتِه ثَبتَتْ إمامتُه ووجَبَتْ مَعونتُه؛ لِما ذكَرْنا مِنْ الحَديثِ والإجماعِ، وفي مَعناهُ مَنْ ثَبتَتْ إمامتُه بعَهدِ النبيِّ ﷺ أو بعَهدِ إمامٍ قبلَه إليه، فإنَّ أبا بكرٍ ثبَتَتْ إمامتُه بإجماعِ الصحابةِ على بَيعتِه، وعُمرَ ثبَتَتْ إمامتُه بعهدِ أبي بكرٍ إليهِ، وأجمَعَ الصحابةُ على قَبولِه (٣).
(١) «غياث الأمم» (٢٩٥).
(٢) «إكمال المُعلّم بفوائد مسلم» (٦/ ٢٢١).
(٣) «المغني» (٩/ ٥).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على انعِقادِ الخِلافةِ بالاستِخلافِ، وعلى انعِقادِها بعَقدِ أهلِ الحلِّ والعَقدِ لإنسانٍ إذا لم يَستخلفِ الخَليفةُ، وأجمَعوا على جَوازِ جَعلِ الخَليفةِ الأمرَ شُورى بينَ جَماعةٍ كما فعَلَ عُمرُ بالسِّتةِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ خَلدونَ رحمة الله عليه: وقد عُرفَ ذلكَ مِنْ الشرعِ بإجماعِ الأمَّةِ على جَوازِه وانعِقادِه، إذ وقَعَ بعَهدِ أبي بكرٍ رضي الله عنه لعُمرَ بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ وأجازُوهُ وأوجَبُوا على أنفُسِهم به طاعةَ عُمرَ رضي الله عنه وعَنهُم، وكذلكَ عَهِدَ عُمرُ في الشُّورى إلى السِّتةِ بقيَّةِ العَشرةِ وجعَلَ لهم أنْ يَختارُوا للمُسلمينَ، ففوَّضَ بعضُهم إلى بعضٍ، حتى أفضَى ذلكَ إلى عبدِ الرحمنِ ابنِ عَوفٍ، فاجتَهدَ وناظَرَ المُسلمينَ فوجَدَهم مُتفِقينَ على عُثمانَ وعلى عليٍّ، فآثَرَ عُثمانَ بالبَيعةِ على ذلكَ لمُوافقتِه إيَّاهُ على لُزومِ الاقتِداءِ بالشَّيخينِ في كلِّ ما يَعنُّ دونَ اجتِهادِه، فانعَقدَ أمرُ عُثمانَ لذلكَ وأوجَبُوا طاعتَه والملأُ مِنْ الصحابةِ حاضِرونَ للأُولى والثانيةِ، ولم يُنكِره أحدٌ منهم، فدَلَّ على أنهم مُتفِقونَ على صحَّةِ هذا العَهدِ عارِفونَ بمَشروعيَّتِه، والإجماعُ حُجَّةٌ كما عُرفَ، ولا يُتهَمُ الإمامُ في هذا الأمرِ وإنْ عَهِدَ إلى أبيهِ أو ابنِه؛ لأنه مَأمونٌ على النظرِ لهم في حَياتِه، فأَولى أنْ لا يَحتملَ فيها تَبعةً بعدَ مَماتِه، خِلافًا لمَن قالَ باتِّهامِه في الولدِ والوالدِ، أو لمَن خصَّصَ التُّهمةَ بالولدِ دونَ الوالدِ، فإنه
(١) «شرح صحيح مسلم» (١٢/ ٢٠٥).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب قطاع الطريق)
(باب قطاع الطريق)
(مسألة)
قال الشافعي: " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَصُلِّبُوا وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَلَمْ يُصَلَّبُوا وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَنَفْيُهُمْ إِذَا هَرَبُوا أَنْ يُطْلَبُوا حَتَّى يُؤْخَذُوا فَيُقَامَ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) فبهذا أقول) .
قال الماوردي: والأصل في الحرابة وقطاع الطرق مُجَاهَرَةً قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} المائدة: ٣٣ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأُرِيدَ بِهَا عَلَى أربعة أقاويل:
أحدها: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَهْدٌ فَنَقَضُوهُ وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، فَحَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِيهِمْ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا مَقْصُورًا عَلَى نَاقِضِي الْعَهْدِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
ارجع إلى ما تنعقد به الإمامة للاطلاع على جميع المسائل.