الإسلام > الحج والعمرة > أحكام الصيد والجماع ودواعيه > من جامع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةمَنْ جامَع بعدَ الوُقوفِ بعَرفةَ وقبلَ التَّحلُّلِ الأولِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ من جامَع بعدَ الوُقوفِ بعَرفةَ وقبلَ التَّحلُّلِ فقد فسَد حَجُّه وعليه بَدنةٌ؛ لأنَّه وَطءٌ صادَف إحرامًا مُنعقِدًا، كالوَطءِ قبلَ الوُقوفِ، ولأنَّها عِبادةٌ يَلحَقُها الفَسادُ، فجازَ أنْ يَطرأَ عليها الفَسادُ من حينِ التَّلبُّسِ بها إلى حينِ الخُروجِ منها، كسائرِ العِباداتِ.
واستدَلُّوا على ذلك بما رُوي عن ابنِ عُمرَ: «أنَّ رَجلًا سأَله فقال: إنِّي وقَعتُ بامرَأتي ونحنُ مُحرِمانِ، فقال: أفسَدتَ حجَّك، انطَلِقْ أنتَ وأهلُك مع الناسِ فاقضوا ما يَقضونَ، وحُلَّ إذا حَلُّوا فإذا كان في العامِ المُقبلِ فاحجُجْ أنتَ وامرَأتُك وأهْدِيا هَديًا، فإنْ لم تَجِدا فصوما ثَلاثةَ أيامٍ في الحَجِّ وسَبعةً إذا رجَعتُما» (١).
ووَجهُ الاستِدلالِ: أنَّه ونحوَه ممَّا رُوي عن الصَّحابةِ مُطلقٌ في المُحرِمِ إذا جامَع، لا تَفصيلَ فيه بينَ قبلَ الوُقوفِ وبعدَه، فيَكونُ حُكمُهما واحِدًا، وهو الفَسادُ، ووُجوبُ الفِديةِ؛ ولأنَّ الجِماعَ إنَّما عُرِف مُفسِدًا للحَجِّ لكَونِه مُفسِدًا لِلإحرامِ، والإحرامُ بعدَ الوُقوفِ باقٍ لبَقاءِ رُكنِ الحَجِّ -وهو طَوافُ
(١) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ١٦٤)، والدراقطني (٣/ ٥٠)، والحاكم (٢/ ٧٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ١٦٧)، وقال: إسنادُه صحيحٌ، وكذلك صحَّح إسنادَه النَّوويُّ في «المجموع» (٧/ ٣٣٥).
الزِّيارةِ-، ولا يُتصوَّرُ بَقاءُ الرُّكنِ بدونِ الإحرامِ، فصارَ الحالُ بعدَ الوُقوفِ كالحالِ قبلَه (١).
وذهَب الحَنفيةُ ومالكٌ في رِوايةٍ إلى أنَّ من جامَع بعدَ الوُقوفِ بعَرفةَ وقبلَ التَّحلُّلِ الأولِ حَجُّه تامٌّ، وعليه بَدنةٌ، قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: لأنَّ الرُّكنَ الأصليَّ للحَجِّ هو الوُقوفُ بعَرفةَ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «الحَجُّ عَرفةُ» (٢)، أي: الوُقوفُ بعَرفةَ، فمَن وقَف بعَرفةَ فقد تمَّ حَجُّه، أخبَر عن تَمامِ الحَجِّ بالوُقوفِ، ومَعلومٌ أنَّه ليسَ المُرادُ منه التَّمامَ الذي هو ضدُّ النُّقصانِ لأنَّ ذا يثبُتُ بالوُقوفِ نَفسِه، فعُلم أنَّ المُرادَ منه خُروجُه عن احتِمال الفَسادِ والفَواتِ، ولأنَّ الوُقوفَ رَكنٌ مُستقِلٌّ بنَفسِه وُجودًا وصِحةً لا يَقِفُ وُجودُه وصِحتُه على الرُّكنِ الآخَرِ، وما وُجد ومَضى على الصِحةِ لا يَبطُلُ إلا بالرِّدَّةِ، ولم تُوجدْ، وإذا لم يَفسُدِ الماضي لا يَفسُدُ البقِيةُ؛ لأنَّ فَسادَه بفَسادِه، ولكنْ يَلزمُه بَدنةٌ (٣).
واستدَلُّوا على ذلك أيضًا بقولِ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ عُروةَ بنِ
(١) «الاستذكار» (٤/ ٢٥٨)، و «بداية المجتهد» (١/ ٤٩٥)، و «حاشية العدوي» (١/ ٤٨٥)، و «الشرح الكبير» (٢/ ٦٨)، و «الشرح الصغير» (٢/ ٦١)، و «الأم» (٧/ ٢٤٤)، و «المجموع» (٧/ ٣٤٩)، و «نهاية المحتاج» (٢/ ٤٥٦)، و «الإفصاح» (١/ ٤٨٧)، و «المغني» (٤/ ٤٦٦).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه الترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٣٠١٦)، وابن ماجه (٣٠١٥).
(٣) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٩٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحج
فصل طواف الزيارة
لَا عِلَّةَ بِالسَّمَاءِ، فَوَقَفَ بِشَهَادَتِهِمَا قَوْمٌ قَبْلَ الْإِمَامِ لَمْ يَجُزْ وُقُوفُهُمْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ أَخَّرَ الْوُقُوفَ بِسَبَبٍ يَجُوزُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَخَّرَ بِالِاشْتِبَاهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَدْرُهُ فَنُبَيِّنُ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ، وَالْوَاجِبَ أَمَّا الْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ مِنْ الْوُقُوفِ: فَهُوَ كَيْنُونَتُهُ بِعَرَفَةَ فِي سَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ فَمَتَى حَصَلَ إتْيَانُهَا فِي سَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ تَأَدَّى فَرْضُ الْوُقُوفِ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِهَا، أَوْ جَاهِلًا نَائِمًا، أَوْ يَقْظَانَ مُفِيقًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، وَقَفَ بِهَا أَوْ مَرَّ، وَهُوَ يَمْشِي أَوْ عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ مَحْمُولًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ، وَهُوَ حُصُولُهُ كَائِنًا بِهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» .
ارجع إلى أحكام الصيد والجماع ودواعيه للاطلاع على جميع المسائل.