الإسلام > الحج والعمرة > أركان الحج > شروط طواف الزيارة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةوقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ فُروضَ الحَجِّ ثَلاثةٌ: الإحرَامُ بالحَجِّ، والوُقوف بعَرفةَ، وطَوافُ الزِّيارةِ وهو طَوافُ الإفاضةِ، ويُسمَّى طَوافَ الفَرضِ أيضًا (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: يَطوفُ بالبَيتِ طَوافَ الإفاضةِ … وهذا الطَّوافُ رُكنٌ مِنْ أركانِ الحَجِّ لا يَصحُّ الحَجُّ إلا بهِ بإجماعِ الأمَّةِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهو رُكنٌ للحَجِّ لا يَتمُّ إلا به، لا نَعلمُ فيه خِلافًا، ولأنَّ اللهَ ﷿ قالَ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
قالَ ابنُ عَبدِ البرِّ: هو مِنْ فَرائضِ الحَجِّ، لا خِلافَ في ذلكَ بينَ العُلماءِ (٣).
شُروطُ طَوافِ الزِّيارةِ:
يُشترَطُ في طَوافِ الزِّيارةِ شُروطٌ خاصَّةٌ به سِوى الشُّروطِ العامَّةِ للطَّوافِ، وهذه الشُّروطُ الخاصَّةُ هي:
أ- أنْ يَكونَ مَسبوقًا بالإحرامِ، لتَوقُّفِ احتِسابِ أيِّ عَملٍ من أعمالِ الحَجِّ على الإحرامِ.
ب- أنْ يَكونَ مَسبوقًا بوُقوفِ عَرفةَ، فلو طافَ لِلإفاضةِ قبلَ الوُقوفِ بعَرفةَ لا يَسقطُ به فَرضُ الطَّوافِ إجماعًا.
(١) «الإفصاح» (١/ ٥٣٢).
(٢) «المجموع» (٨/ ١٥٧).
(٣) «المغني» (٥/ ٦١).
ج - النِّيةُ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَجبُ تَعيُّنُ النِّيةِ في طَوافِ الإفاضةِ؛ لأنَّ نيَّةَ الحَجِّ تَشملُ أفعالَ الحَجِّ كلَّها، كما أنَّ نيَّةَ الصَّلاةِ تَشملُ جميعَ أفعالِها، ولا يُحتاجُ إلى النِّيةِ في رُكوعٍ ولا غيرِه، ولأنَّه لو وقَف بعَرفةَ ناسيًا أجزَأه بالإجماعِ.
قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: فأمَّا تَعيينُ النِّيةِ حالَ وُجودِه في وقتِه فلا حاجةَ إليه حتى لو نفَر في النَّفرِ الأولِ فطافَ، وهو لا يُعيِّنُ طَوافًا يَقعُ عن طَوافِ الزِّيارةِ، لا عن الصَّدرِ -أيِ: الوَداعِ-؛ لأنَّ أيامَ النَّحرِ مُتعيِّنةٌ لطَوافِ الزِّيارةِ فلا حاجةَ إلى تَعيينِ النِّيةِ، كما لو صامَ رَمضانَ بمُطلَقِ النِّيةِ أنَّه يَقعُ عن رَمضانَ لكَونِ الوقتِ مُتعيِّنًا لصَومِه، كذا هذا.
وكذا لو نَوى تطوُّعًا يَقعُ عن طَوافِ الزِّيارةِ، كما لو صامَ رَمضانَ بنيَّةِ التطوُّعِ، وكذلك كلُّ طَوافٍ واجبٍ، أو سُنَّةٍ يَقعُ في وقتِه من طَوافِ اللِّقاءِ -القُدومِ- وطَوافِ الصَّدرِ -الوَداعِ-، فإنَّما يَقعُ عمَّا يَستحِقُّه الوقتُ، وهو الذي انعقَد عليه الإحرامُ دونَ غيرِه، سَواءٌ عيَّن ذلك بالنِّيةِ، أو لم يُعيِّنْ، فيَقعُ عن الأولِ، ولو نَوى الثاني لا يَعملُ بنيَّتِه في تَقديمِه على الأولِ، حتى إنَّ المُحرِمَ إذا قدِم مكةَ، وطافَ لا يُعيِّنُ شيئًا، أو نَوى التطوُّعَ، فإنْ كان مُحرِمًا بعُمرةٍ يَقعُ طَوافُه للعُمرةِ، وإنْ كان مُحرِمًا بحَجةٍ يَقعُ طَوافُه للقُدومِ؛ لأنَّ عَقدَ الإحرامِ انعقَد عليه (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٦١، ٦٢)، ويُنظر: «المدونة الكبرى» (١/ ٣١٧)، و «فتح القدير» (٣/ ٥٥، ٥٧)، و «المجموع» (٨/ ١٩، ٢٤)، و «مغني المحتاج» (١/ ٤٨٧).
وذهَب الحَنابلةُ وابنُ القاسِمِ من المالِكيةِ إلى أنَّه يَجبُ تَعيينُ النِّيةِ لطَوافِ الإفاضةِ، فإنْ طافَ للقُدومِ أو لِلوداعِ بنِيةِ النَّفلِ، وكان ذلك كلُّه بعدَ دُخولِ هذا الطَّوافِ للفَرضِ لم يَقعْ عنه، لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوى» (١)، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ سمَّاه صَلاةً، والصَّلاةَ لا تَصحُّ إلا بالنِّيةِ اتِّفاقًا (٢).
د- الوقتُ: فلا يَصحُّ طَوافُ الإفاضةِ قبلَ الوقتِ المُحدَّدِ له شَرعًا، وقد اختلَف الفُقهاءُ في أولِ وقتِه:
فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ أولَ وقتِه حينَ يَطلُعُ الفَجرُ الثاني من يومِ النَّحرِ؛ لأنَّ ما قبلَ الفجرِ من اللَّيلِ وقتُ الوُقوفِ بعَرفةَ، والطَّوافُ مُرتَّبٌ عليه، فلا يَكونُ وقتًا لِلطَّوافِ؛ لأنَّ الوقتَ الواحِدَ لا يَكونُ وقتًا لرُكنَين (٣).
وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ أولَ وقتِ طَوافِ الإفاضةِ من بعدِ مُنتصَفِ لَيلةِ النَّحرِ لِمن وقَف بعَرفةَ قبلَه، واستدلَّ الشافِعيةُ بقياسِ الطَّوافِ
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.
(٢) «المدونة الكبرى» (١/ ٣١٧)، و «المغني» (٥/ ٦٣)، و «الإفصاح» (١/ ٥١٨)، و «الفروع» (٣/ ٣٧١).
(٣) «بدائع الصنائع» (٣/ ٧١، ٧٢)، و «الهداية» (٢/ ١٨٠)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ٣٣)، و «العناية» (٣/ ٤٩٠)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ١٠٩)، و «المدونة» (١/ ٣١٧)، و «المسلك المتقسط» ص (١٥٥)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٢٨١)، و «حاشية العدوي» (١/ ٤٧٩)، و «الإفصاح» (١/ ٥١٦).
على الرَّميِ؛ لأنَّهما من أسبابِ التَّحلُّلِ، فإنَّه بالرَّميِ للجِمارِ والذَّبحِ والحَلقِ يَحصلُ التَّحلُّلُ الأولُ وبِالطَّوافِ يَحصلُ التَّحلُّلُ الأكبَرُ (بشَرطِ السَّعيِ)، فكما أنَّ وقتَ الرَّميِ يَبدأُ عندَهم بعدَ نصفِ اللَّيلِ كذا وقتُ طَوافِ الإفاضةِ (١).
والأفضلُ عندَ العُلماءِ أداؤُه يومَ النَّحرِ بعدَ الرَّميِ والنَّحرِ والحَلقِ؛ لقولِ جابرٍ في صِفةِ حَجِّ النَّبيِّ ﷺ يومَ النَّحرِ: «فأفاضَ إلى البَيتِ فصلَّى بمكةَ الظُّهرَ» (٢).
وأمَّا آخِرُ وقتِ طَوافِ الفَرضِ -الزِّيارةِ- فليس لِآخرِه حَدٌّ مُعيَّنٌ لِأدائه فَرضًا، بل جميعُ الأيامِ واللَّيالي وقتُه باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربعةِ (٣).
(١) «المجموع» (١/ ١٦١)، و «نهاية المحتاج» (٢/ ٤٢٩)، و «مغني المحتاج» (١/ ٥٠٣، ٥٠٤)، و «الإفصاح» (١/ ٥١٦)، و «المغني» (٥/ ٦٢)، و «الفروع» (٣/ ٥١٦، ٥٢٠).
(٢) رواه مسلم (١٢١٨).
(٣) إلا قَولًا لابنِ حَزمٍ أنَّه إن خرَج ذو الحجَّةِ قبلَ أنْ يَطوفَ فقد بطَل حَجُّه، قال: وأمَّا قَولُنا: مَنْ ترَك عَمدًا أو بنسيانٍ شَيئًا من طَوافِ الإفاضةِ، أو من السَّعيِ الواجِبِ بينَ الصَّفا والمَروةِ فليَرجِعْ أيضًا -كما ذكَرنا- ممتَنِعًا من النِّساءِ حتى يَطوفَ بالبَيتِ: ما بَقيَ عليه، فإنْ خرَج ذو الحِجَّةِ قبلَ أنْ يَطوفَ فقد بطَل حَجُّه، وليس عليه في رُجوعِه لِطَوافِ الوَداعِ أنْ يَمتنِعَ من النِّساءِ؛ فلأنَّ طَوافَ الإفاضةِ فَرضٌ.
وقال تَعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقد ذكَرنا أنَّها شَوَّالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجةِ، فإذ هو كذلك لا يَحلُّ لأحدٍ أنْ يَعملَ شيئًا من أعمالِ الحَجِّ في غَيرِ أشهُرِ الحَجِّ فيَكونَ مُخالفًا لأمرِ اللهِ تَعالى.
وأمَّا امتِناعُه من النِّساءِ؛ فلقولِ اللهِ تَعالى: ﴿الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فهو ما لم يُتمَّ فَرائضَ الحَجِّ فهو في الحَجِّ بعدُ.
وأمَّا رُجوعُه لطَوافِ الوَداعِ فليس هو في حَجٍّ، ولا في عُمرةٍ فليس عليه أنْ يُحرِمَ، ولا أنْ يَمتنعَ من النِّساءِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى لم يُوجِبْ ذلك، ولا رَسولُ اللهِ، ولا إحرامَ إلا بحَجٍّ أو عُمرةٍ، أو لِطَوافٍ مُجرَّدٍ فلا. «المحلى» (٧/ ١٧٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا هل له وقتٌ آخَرُ وُجوبًا أو لا؟
فذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه مُوقَّتٌ بأيامِ النَّحرِ وُجوبًا، حتى لو أخَّره عنها صحَّ، ووجَب عليه دَمٌ جَزاءَ تأخيرِه عنها؛ لأنَّ التَّأخيرَ بمَنزلةِ التَّركِ في حقِّ وُجوبِ الجابرِ، بدَليلِ أنَّ مَنْ جاوَز الميقاتَ بغيرِ إحرامٍ ثم أحرَم يَلزمُه دَمٌ، ولو لم يُوجدْ منه إلا تأخيرُ الشكِّ، وكذا تَأخيرُ الواجبِ في بابِ الصَّلاةِ بمَنزلةِ التَّركِ في حقِّ وُجوبِ الجابرِ، هو واجبٌ، فمُراعاةُ مَحِلِّ الواجبِ واجبةٌ، فكان التَّأخيرُ تَركًا للمُراعاةِ الواجبةِ، وهي مُراعاتُه في مَحِلِّه، والتَّركُ تَركٌ لِواجبَين؛ أحدُهما: أداءُ الواجبِ في نَفسِه، والآخَرُ مُراعاتُه في مَحِلِّه، فإذا ترَك هذا الواجبَ يَجبُ جَبرُه بالدَّمِ.
وإذا توقَّت هذا الطَّوافُ بأيامِ النَّحرِ وُجوبًا فإذا أخَّره عنها فقد ترَك الواجبَ، فأوجَب ذلك نُقصانًا، فيَجبُ جَبرُه بالدَّمِ (١).
وقال الإمامُ مالكٌ: لا يَتعلَّقُ الدَّمُ بتَأخيرِه، ولو أخَّره إلى آخرِ ذي الحِجَّةِ؛ لأنَّه جميعَه عندَه من أشهُرِ الحَجِّ، لكنَّه قال: لا بَأسَ بتَأخيرِ الإفاضةِ إلى آخرِ أيامِ التَّشريقِ، وتَعجيلُها أفضلُ، فإنْ أخَّرها إلى المُحرَّمِ فعليه دَمٌ (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٧١، ٧٢).
(٢) «المدونة» (١/ ٣١٧)، و «المسلك المتقسط» (ص ١٥٥)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٢٨١)، و «حاشية العدوي» (١/ ٤٧٩)، و «الإفصاح» (١/ ٥١٦).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحج
فصل طواف الزيارة
لَا عِلَّةَ بِالسَّمَاءِ، فَوَقَفَ بِشَهَادَتِهِمَا قَوْمٌ قَبْلَ الْإِمَامِ لَمْ يَجُزْ وُقُوفُهُمْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ أَخَّرَ الْوُقُوفَ بِسَبَبٍ يَجُوزُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَخَّرَ بِالِاشْتِبَاهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَدْرُهُ فَنُبَيِّنُ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ، وَالْوَاجِبَ أَمَّا الْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ مِنْ الْوُقُوفِ: فَهُوَ كَيْنُونَتُهُ بِعَرَفَةَ فِي سَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ فَمَتَى حَصَلَ إتْيَانُهَا فِي سَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ تَأَدَّى فَرْضُ الْوُقُوفِ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِهَا، أَوْ جَاهِلًا نَائِمًا، أَوْ يَقْظَانَ مُفِيقًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، وَقَفَ بِهَا أَوْ مَرَّ، وَهُوَ يَمْشِي أَوْ عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ مَحْمُولًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ، وَهُوَ حُصُولُهُ كَائِنًا بِهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» .
ارجع إلى أركان الحج للاطلاع على جميع المسائل.