وقت الصيام ومكانه

الإسلام > الحج والعمرة > وقت الصيام ومكانه

مسائلُ فقهيةٌ في وقت الصيام ومكانه على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

تعريف وقت الصيام ومكانه وحكمها

وقتُ الصِّيامِ ومَكانُه:

أولًا: صيامُ الأيامِ الثَّلاثةِ:

جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على أنَّ الوقتَ المُفضَّلَ والمُستحبَّ لِصيامِ الأيامِ الثَّلاثةِ هو أنْ يَصومَها بينَ إحرامِه بالحَجِّ ويومِ عَرفةَ، ويَكونَ آخِرُ أيامِها يومَ عَرفةَ، بأنْ يَصومَ قبلَ يومِ التَّرويةِ بيَومٍ، ويومَ التَّرويةِ ويومَ عَرفةَ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى جعَل صيامَ ثَلاثةِ أيامٍ بَدلًا عن الهَديِ، وأفضلُ أوقاتِ البَدلِ وقتُ اليَأسِ عن الأصلِ، لِما يُحتمَلُ القُدرةُ على الأصلِ فيه، وعلى هذا يُستحبُّ له تَقديمُ الإحرامِ بالحَجِّ قبلَ يومِ التَّرويةِ، ليَصومَها في الحَجِّ.

ويُستحبُّ عندَ الشافِعيةِ وأحمدَ في رِوايةٍ أنْ يَكونَ الثَّلاثةُ قبلَ يومِ عَرفةَ؛ لأنَّ صَومَ يومِ عَرفةَ بعَرفةَ غيرُ مُستحبٍّ.

وقد اختلَفوا، هل يَجوزُ تَقديمُ الثَّلاثةِ أو يَومٍ منها قبلَ الإحرامِ بالحَجِّ أو لا؟

فذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ وزُفَرُ من الحَنفيةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ تَقديمُ الثَّلاثةِ أو يَومٍ منها على الإحرامِ بالحَجِّ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.

وإنَّما يَكونُ في الحَجِّ بعدَ الشُّروعِ فيه، وذلك بالإحرامِ، ولأنَّه صيامٌ واجبٌ فلم يَجزْ تَقديمُه على وقتِ وُجوبه كسائرِ الصِّيامِ الواجبِ، ولأنَّ ما قبلَه وقتٌ لا يَجوزُ فيه المُبدَلُ، فلم يَجزِ البَدلُ، كما قبلَ الإحرامِ بالعُمرةِ.

ولأنَّه على أصلِ الشافِعيِّ دَمُ كَفارةٍ وجَب جَبرًا للنَّقصِ، وما لم يُحرِمْ بالحَجِّ لا يَظهرِ النَّقصُ.

وذهَب الحَنفيةُ والحَنابلةُ إلى جوازِ تَقديمِ الثَّلاثةِ على الإحرامِ بالحَجِّ بعدَ الإحرامِ بالعُمرةِ، سَواءٌ طافَ لِعُمرتِه أو لم يَطفْ، وفي رِوايةٍ عن الإمامِ أحمدَ إذا أحلَّ من العُمرةِ.

والدَّليلُ على ذلك أنَّ إحرامَ العُمرةِ أحدُ إحرامَيِ التَّمتُّعِ، فجازَ الصَّومُ بعدَه كإحرامِ الحَجِّ.

قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: لأنَّ الإحرامَ بالعُمرةِ سَببٌ لوُجودِ الإحرامِ بالحَجةِ، فكانَ الصَّومُ تَعجيلًا بعدَ وُجودِ السَببِ فجازَ، وقبلَ وُجودِ العُمرةِ لم يوجَدِ السَببُ فلم يَجزْ، ولأنَّ السُّنةَ في المُتمتِّعِ أنْ يُحرِمَ بالحَجِّ عَشيَّةَ التَّرويةِ.

كذا رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ أمَر أصحابَه بذلك، وإذا كانت السُّنةُ في حقِّه الإحرامَ بالحَجِّ عَشيَّةَ التَّرويةِ لا يُمكِنُه صيامُ الأيامِ الثَّلاثةِ بعدَ ذلك، وإنَّما بقِي له يَومٌ واحِدٌ؛ لأنَّ أيامَ النَّحرِ والتَّشريقِ قَدْ نُهيَ عن الصِّيامِ فيها، فلا بدَّ من الحُكمِ بجوازِ الصَّومِ بعدَ إحرامِ العُمرةِ قبلَ الشُّروعِ في الحَجِّ.

وأمَّا الآيةُ فقَد قيلَ في تَأويلِها: إنَّ المُرادَ مِنها وقتُ الحَجِّ، وهو الصَّحيحُ، إذِ الحَجُّ لا يَصلُحُ ظَرفًا لِلصَّومِ، والوقتُ يَصلُحُ ظَرفًا له، فصارَ تَقديرُ الآيةِ الشَّريفةِ: فصيامُ ثَلاثةِ أيامٍ في وقتِ الحَجِّ، كما في قولِه تَعالى:

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي وقتُ الحَجِّ أشهُرٌ مَعلوماتٌ، وعلى هذا صارَتِ الآيةُ الشَّريفةُ حُجةً لنا؛ لأنَّ الله تَعالى أوجَب على المُتمتِّعِ صيامَ ثَلاثةِ أيامٍ في وقتِ الحَجِّ، وهو أشهُرُ الحَجِّ، وقد صامَ في أشهُرِ الحَجِّ فجازَ، إلا أنَّ زَمانَ ما قبلَ الإحرامِ صارَ مَخصوصًا من النصِّ (١).

وأما تَقديمُ الصَّومِ على إحرامِ العُمرةِ فلا يَجوزُ اتِّفاقًا.

قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا نَعلمُ قائلًا بجوازِه؛ لعَدمِ وُجودِ السَّببِ (٢).

وقد اختلَفوا أيضًا فيما إذا فاتَه الصَّومُ حتى أتى يومُ النَّحرِ هل يَجوزُ له أنْ يَصومَها في أيامِ منًى أو لا؟

أما يومُ النَّحرِ، فقال ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: أجمَعوا على أنَّه لا يَجوزُ له ولا لغيرِه صيامُ يومِ النَّحرِ (٣).

فذهَب المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصومُ أيامَ منًى إذا كان قَدْ فرَّطَ فلم يَصمْها قبلَ يومِ النَّحرِ، لِما رَوى ابنُ عُمرَ وعائشةُ رضي الله عنهما قالا: «لم يُرخَّصْ في أيامِ التَّشريقِ أنْ يُصَمنَ إلا لمن لم يَجد الهَديَ» (٤) وهذا يَنصَرفُ إلى تَرخيصِ النَّبيِّ ، ولأنَّ اللهَ تَعالى أمَر بصيامِ الثَّلاثةِ في الحَجِّ، ولم يَبقَ من أيامِ الحَجِّ إلا هذه

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨٤).
(٢) «المغني» (٥/ ١٠٩).
(٣) «الاستذكار» (٤/ ٤١٤).
(٤) رواه البخاري (١٦٩١، ١٦٩٢).

الأيامُ، فيَتعيَّنُ الصَّومُ فيها، فإذا صامَ هذه الأيامَ فحُكمُه حُكمُ من صامَ قبلَ يومِ النَّحرِ (١).

وذهَب الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَصومُ أيامَ منًى، وإنَّما يَصومُها بعدَ أيامِ التَّشريقِ؛ لأنَّ النَّبيَّ قال: «أيامُ منًى أيامُ أكلٍ وشُربٍ» (٢)، ولأنَّه لا يَجوزُ فيها صَومُ النَّفلِ، فلا يَصومُها عن الهَديِ كيومِ النَّحرِ، فعلى هذا يَصومُ بعدَ ذلك عَشرةَ أيامٍ، والأظهرُ عندَ الشافِعيةِ أنْ يُفرَّقَ في قَضائها بينَها وبينَ السَّبعةِ بقَدرِ أربَعةِ أيامٍ (يومِ النَّحرِ وأيامِ التَّشريقِ) ومُدةِ إمكانِ السَّيرِ إلى أهلِه، السَّيرِ المُعتادِ.

ولا يَجبُ عليه دَمٌ عندَ الشافِعيةِ، واختلَفت الرِّوايةُ عن أحمدَ في وُجوبِ الدَّمِ عليه، فعنه: عليه دَمٌ؛ لأنَّه أخَّر الواجبَ من مَناسكِ الحَجِّ عن وقتِه، فلزِمه دَمٌ كرَميِ الجِمارِ، ولا فرقَ بينَ المُؤخِّرِ لعُذرٍ والمُؤخِّرِ لغيرِ عُذرٍ، وقال القاضي: إنْ أخَّر لعُذرٍ ليسَ عليه إلا قَضاؤُهُ؛ لأنَّ الدَّمَ الذي هو المُبدَلُ لو أخَّره لعُذرٍ فلا دَمَ عليه لتَأخيرِه، فالبَدلُ أوْلى.

ورُوي عن أحمدَ: لا يَلزمُه مع الصَّومِ دَمٌ بحالٍ، وهذا اختيارُ أبي

(١) «الاستذكار» (٤/ ٤١٤)، والكافي (١/ ١٤٩)، و «التمهيد» (٨/ ٣٤٤)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٤٣٣)، و «الذخيرة» (٣٥٧٣)، و «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٩٩)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٩٤)، و «المهذب» (١/ ١٩٩)، و «المجموع» (٧/ ١٥٨)، و «المغني» (٥/ ١١٠)، و «الإنصاف» (٣/ ٥١٢)، و «مغني المحتاج» (١/ ٥١٧).
(٢) رواه مسلم (١١٤١، ١١٤٢).

مسائل وقت الصيام ومكانه الفقهية

ارجع إلى الحج والعمرة للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.6 / 29.5
الإضاءة 66%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا إله إلا الله