الإسلام > الشركات والإجارات > أركان المساقاة وشروطها > ما تصح فيه المساقاة وما لا تصح
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةلَه، كالصَّفصافِ والجَوزِ ونَحوِهِما، أو له ثَمرٌ غيرُ مَقصودٍ، كالصَّنَوبَرِ والأَرْزِ، فلا تَجوزُ المُساقاةُ عليه، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وبِه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لَيسَ بمَنصوصٍ عليه ولا في مَعنَى المَنصوصِ، ولأنَّ المُساقاةَ إنَّما تَكونُ بجُزءٍ مِنْ الثَّمرةِ، وهذا لا ثَمرةَ له إلَّا أنْ يَكونَ ممَّا يُقصَدُ وَرقُه، كالتُّوتِ والوَردِ، فالقياسُ يَقتَضي جَوازَ المُساقاةِ عليه؛ لأنَّه في مَعنَى الثَّمرِ؛ لأنَّه نَماءٌ يَتكرَّرُ كلَّ عامٍ، ويُمكِنُ أخْذُه والمُساقاةُ عليه بجُزءٍ مِنه، فيثبُتُ له مِثلُ حُكمِه (١).
ما تَصحُّ فيه المُساقاةُ وما لا تَصحُّ:
ذكرَ فُقهاءُ كلِّ مَذهَبٍ بَعضَ الأنواعِ التي تَصحُّ فيها المُساقاةُ دونَ بَعضٍ، وهي على التَّفصيلِ الآتي:
قالَ الحَنفيَّةُ: تَجوزُ المُساقاةُ في النَّخلِ والشَّجرِ والكَرْمِ والرِّطابِ -جَمْعُ رَطبةٍ- وأُصولِ الباذِنجانِ والبُقولِ.
والبُقولُ غيرُ الرِّطابِ، فالبُقولُ مِثلُ الكُرَّاثِ والبَقلِ والسَّلقِ ونَحوِ ذلك، والرِّطابُ كالقِثَّاءِ والبِطِّيخِ والرُّمَّانِ والعِنَبِ والسَّفَرجَلِ والباذِنجانِ وأشباهِ ذلك؛ لأنَّ الشَّجرَ اسمٌ لِمَا له ساقٌ، وهذه لَها ساقٌ، ولأنَّ الجَوازَ لِلحاجةِ، وهي تَعُمُّ الجَميعَ (٢).
(١) «المغني» (٥/ ٢٢٧)، ويُنْظر: «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٦/ ٢٨٨)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٣١٥)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٤١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٣٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٧٦٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٦٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٢٩٤)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٢٤، ٦٢٥).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٦٠)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٢٢)، و «العناية» (١٤/ ١٢٠)، و «الاختيار» (٣/ ٩٩)، و «اللباب» (٢/ ١٤)، و «خلاصة الدلائل» (٢/ ٥١٤)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ١٥٠)، و «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٦/ ٢٨٨).
وقالَ المالِكيةُ: تَصحُّ مُساقاةُ شَجرٍ وإنْ بَعْلًا؛ لأنَّ ما فيه مِنْ المُؤَنِ والكُلفةِ يَقومُ مَقامَ السَّقْيِ، والبَعلُ هو الذي لا سَقْيَ فيه، بَلْ يُسقَى مِنْ عُروقِه مِنْ غيرِ سَيْحٍ ولا عَينٍ، بِشَرطِ ألَّا يُخلِفَ؛ فإنْ كانَ يُخلِفُ، كالمَوزِ، ممَّا يُخلِفُ قبلَ قَطعِ البَطنِ الأولِ ولا يَنتَهي، وكالبَقلِ والرَّيحانِ والكُرَّاثِ؛ فلا تَصحُّ فيه مُساقاةٌ، إلَّا تَبَعًا لِغَيرِها. لأنَّ المُرادَ بالشَّجرِ الأُصولُ، وهذه لَها أُصولٌ، وإذا جُذَّتِ أخلَفَتْ، وإنَّما مَنَعوا مُساقاةَ البَقلِ وما مَعَه؛ لِبُعدِه عن مَحَلِّ النَّصِّ، وهو الشَّجرُ.
فَيُشترَطُ في الأُصولِ التي تَجوزُ مُساقَاتُها أنْ تَكونَ ممَّا تُجنَى ثَمرَتُه، ولَم تُخلِفْ، فإنْ كانَتْ تُخلِفُ، كالمَوزِ والقَصَبِ والقُرطِ -ما يُرعَى مِنْ العُشبِ- والبَقلِ، فلا يَجوزُ؛ لأنَّه بَطنٌ بعدَ بَطنٍ، وجُزءٌ بعدَ جُزءٍ.
فالمُساقاةُ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ، كما يَلي:
١ - أُصولٌ ثابِتةٌ يُجدُّ ثَمرتُها ويَبقَى أصْلُها، فهي جائِزةٌ، عجزَ عَنها رَبُّها أو لا.
٢ - أُصولٌ تُجدُّ -تُجنَى- ثم تُخلِفُ، فلا تُساقَى في عَجزٍ ولا غَيرِه.
٣ - شَيءٌ تَزولُ أُصولُه، كالزَّرعِ وغَيرِه، فلا يُساقَى إلَّا عندَ العَجزِ (١).
(١) «الشرح الكبير» (٥/ ٣١٥)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٤٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٣٦)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٢٧، ٢٢٨)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣١٥)، و «حاشية الصاوي» (٨/ ٤٤٠).
وأمَّا الشافِعيَّةُ؛ فقالَ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: الرُّكنُ الثَّاني: مُتعلِّقُ العَملِ، وهو الشَّجرُ، ولَه ثَلاثةُ شُروطٍ:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ نَخلًا أو عِنَبًا، فأمَّا غَيرُهُما مِنْ النَّباتِ فقِسمانِ:
القِسمُ الأولُ: ما له ساقٌ وما لا. والأولُ ضَربانِ:
الضَّربُ الأولُ: ما له ثَمرةٌ، كالتِّينِ والجَوزِ والمِشمِشِ والتُّفَّاحِ ونَحوِها، وفيها قولانِ: القَديمُ جَوازُ المُساقاةِ عليها، والجَديدُ المَنعُ، وعَلَى الجَديدِ في شَجرِ المُقْلِ وَجهانِ، جوَّزَها ابنُ سُرَيجٍ، ومَنَعَها غَيرُه، قُلتُ: الأصَحُّ المَنعُ، واللَّهُ أعلمُ.
الضَّربُ الثَّاني: ما لا ثَمرةَ لَه، كالدُّلْبِ -شَجرٌ مَعروفٌ لا ثَمرَ لَهُ- والخِلافِ (١) وغَيرِه، فلا تَجوزُ المُساقاةُ عليه. وقيلَ في الخِلافِ وَجهانِ لِأغصانِه.
القِسمُ الثَّاني: ما لا ساقَ لَهُ؛ كالبِطِّيخِ والقِثَّاءِ وقَصَبِ السُّكَّرِ والباذِنجانِ والبُقولِ التي لا تَثبُتُ في الأرضِ، ولا تُجَزُّ إلَّا مَرَّةً واحِدةً، فلا تَجوزُ المُساقاةُ عليها، كَما لا تَجوزُ على الزَّرعِ، فإنْ كانَتْ تَثبُتُ في الأرضِ وتُجَزُّ مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ فالمَذهَبُ المَنعُ. وقيلَ وَجهانِ، أصَحُّهُما المَنعُ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَجوزُ المُساقاةُ في كلِّ شَجرٍ له ثَمرٌ مَأكولٌ، وإنْ لَم يكُنْ
(١) والخِلافُ: شَجَرٌ يُستَخرَجُ منه ماءٌ طَيِّبٌ، كماء الوَرد، وسَمِعناه بالتَّخفيفِ، ورُويَ بالتَّشديدِ. وذَكَرَ ابنُ قُتيبةَ في كِتابِ عُيونِ الأخبارِ أنَّ الخِلافَ شَجرٌ سَقَطَ ثَمرُه قَبلَ تَمامِه، وهو الصَّفصَافُ.
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٦٩، ٧٧٠).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب المساقاة
باب المزارعة *
بابُ المُزَارَعةِ *
٨٨٨ - مسألة؛ قال: (وتَجُوزُ الْمُزَارَعةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ)
مَعْنَى المُزَارَعةِ: دَفْعُ الأرْضِ إلى مَن يَزْرَعُها ويَعْمَلُ عليها، والزَّرْعُ بينهما. وهى جائِزَةٌ في قولِ كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، قال البُخَارِىُّ : قال أبو جعفرٍ: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ، وزَارَعَ علِىٌّ وسَعْدٌ، وابنُ مسعودٍ، وعمرُ بن عبد العَزِيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبى بَكْرٍ، وآلُ عَلِىٍّ، وابنُ سِيرِينَ. وممَّن رَأَى ذلك سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ، وعبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ، وموسى بن طَلْحَةَ ، والزُّهْرِيُّ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، وابْنُه، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ورُوِىَ ذلك عن مُعَاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحْمنِ بن يَزِيدَ. قال البُخَارِيُّ : وعامَلَ عمرُ الناسَ على أنَّه إن جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ من عندِه، فلَه الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ، فلهم كذا. وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِى عن ابنِ عَبَّاسٍ الأمْرانِ جَمِيعًا. وأجَازَها الشافِعِىُّ في الأرْضِ بين النَّخِيلِ، إذا كان بَيَاضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ فعلى وَجْهَيْنِ. ومَنَعَها في الأرْضِ البَيْضَاءِ؛ لما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ قال: كُنَّا نُخَابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاه، فقال: نَهَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أمْرٍ كان لنا نافِعًا، وطَوَاعِيةُ رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْفَعُ. قال، قُلْنا: ما ذاك؟ قال: قال
ارجع إلى أركان المساقاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.