الإسلام > الشركات والإجارات > أقسام الأجراء > ما يستثنى من زمن الإجارة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 28 دقيقة قراءةوَعَنْ أحمدَ أنَّه ذُكِرَ له ذلك، فقالَ: «المُؤمِنونَ على شُروطِهِم»، وهذا يَدلُّ على نَفْيِ الضَّمانِ بشَرطِه، والأولُ ظاهِرُ المَذهبِ (١).
ما يُستَثْنَى مِنْ زَمنِ الإجارةِ:
ذكرَ الفُقهاءُ أنَّ الأجيرَ إذا استَأجَرَه إنسانٌ لِيَعمَلَ له مدَّةً مُحَدَّدةً مِنْ الزَمنِ، يُستَثْنَى مِنْ الزَمنِ المُستَأجَرِ عليه الزَمنُ الذي تَستَغرِقُه العِباداتُ الواجِبةُ التي لا تُؤَدَّى إلَّا في المدَّةِ المُستَأجَرِ عليها، وكذلك أوقاتُ الطَّعامِ المُعتادةُ لَدَى الأُجَراءِ والمُستَأجِرينَ، وكذلك إذا كانَتِ المدَّةُ مَقدَّرةً بزَمنٍ طَويلٍ: استُثْنِيَ أيَّامُ الأعيادِ الثَّابِتةُ بالشَّرعِ، وأيَّامُ التَّعطيلِ الثَّابِتةُ بالعُرفِ، فإنَّ الأجيرَ يَستَحقُّ الأجْرَ على هذه الأيَّامِ وتلك الأوقاتِ، ولَو لَم يُنَصَّ عليها في العَقدِ، فلا يَنقُصُه المُستَأجِرُ شَيئًا مِنْ الأجرِ المُتفَقِ عليه لِليَومِ أو الشَّهرِ أو السَّنةِ، إذا كانَ على المُعتادِ، واختَلفوا، هَلْ له أنْ يُصَلِّيَ النَّوافِلَ أو لا؟
قالَ الحَنفيَّةُ: الأجيرُ الخاصُّ له أنْ يُصَلِّيَ المَكتوبةَ، وليسَ له أنْ يُصَلِّيَ النَّافِلةَ.
قالَ في «التَّاتَرْخانية» وفي «فَتاوَى الفَضْلِيِّ»: وإذا استَأجَرَ رَجُلًا يَومًا يَعمَلُ كَذا فعليه أنْ يَعمَلَ ذلك العَملَ إلى تَمامِ المدَّةِ، وألَّا يَشتَغِلَ بشَيءٍ آخَرَ سِوَى المَكتوبةِ.
وَفي فَتاوَى سَمَرقَندَ: وقَد قالَ بَعضُ مَشايِخِنا: له أنْ يُؤدِّيَ السُّنةَ أيضًا.
(١) «المغني» (٥/ ٣١٢، ٣١٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٣٦٦، ٣٦٧)، و «المبدع» (٥/ ١٤٥)، و «الإنصاف» (٦/ ١١٣).
واتَّفَقوا على أنَّه لا يُؤدِّي نَفْلًا، وعليه الفَتوَى.
وَفي غَريبِ الرِّوايةِ قالَ أبو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: لا يُمنَعُ في المِصرِ مِنْ إتيانِ الجُمُعةِ، ويَسقُطُ مِنْ الأجْرِ بقَدْرِ اشتِغالِه بذلك إنْ كانَ بَعيدًا، وإنْ كانَ قَريبًا لَم يُحَطَّ عنه شَيءٌ مِنْ الأجْرِ؛ فإنْ كانَ بَعيدًا فاشتَغَلَ قَدْرَ رُبُعِ النَّهارِ، حُطَّ عنه رُبُعُ الأجرِ؛ فإنْ قالَ الأجيرُ: حُطَّ مِنْ الرُّبُعِ مِقدارَ اشتِغالي بالصَّلاةِ، لَم يكُنْ له ذلك. ثم قالَ: يُحتَمَلُ أنْ يَتحمَّلَ مِنْ الرُّبُعِ مِقدارَ اشتِغالِه بالصَّلاةِ، كَذا في المُحيطِ، استَأجَرَ أجيرًا شَهرًا لِيَعمَلَ له كَذا، لا يَدخُلُ يَومُ الجُمُعةِ لِلعُرفِ، وابتِداؤُه مِنْ صَلاةِ الفَجرِ. كَذا في خِزانةِ الفَتاوَى (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ أجَّرَ نَفْسَه مدَّةً مَعلومةً يَستَحقُّ مُستَأجِرُه نَفْعَه في جَميعِه مُختَصًّا به، سِوَى زَمنِ فِعلِ الصَّلَواتِ الخَمسِ بسُنَنِها الرَّاتِبةِ في أوقاتِها المَشروعةِ فيها، وسِوَى زَمنِ فِعلِ صَلاةِ جُمُعةٍ، وصَلاةِ عِيدِ فِطرٍ، أو أضْحَى؛ فإنَّ أزمِنةَ ذلك لا تَدخُلُ في العَقدِ، بَلْ هي مُستَثناةٌ شَرعًا، وعَلَى قِياسِ الخَمْسِ صَلاةُ الجِنازةِ، إذا تَعيَّنَ عليه حُضورُها.
قالَ المَجْدُ رحمة الله عليه: ظاهِرُ النَّصِّ أنَّه يُمنَعُ مِنْ خُصوصِ الجَماعةِ؛ إلَّا بإذنٍ أو شَرطٍ.
قالَ الرُّحَيْبانيُّ رحمة الله عليه: ويُتَّجَه باحتِمالٍ قَويٍّ أنَّ لِلأجيرِ الخاصِّ فِعلَ الصَّلاةِ جَماعةً (٢).
(١) «حاشية ابن عابدين على الدر المختار» (٦/ ٧٠)، و «المحيط البرهاني» (٧/ ٧٣٠)، و «الهندية» (٤/ ٤١٦، ٤١٧).
(٢) «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦٢٦)، و «المبدع» (٥/ ١٠٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٧)، و «الروض المربع» (٢/ ١٠١)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٢٧).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ أحمَدُ: أجيرُ المُشاهَرةِ يَشهَدُ الأعيادَ والجُمُعةَ، ولا يَشتَرِطُ ذلك. قيلَ لَهُ: فيَتَطَوَّعُ بالرَّكعَتَيْنِ؟ قالَ: ما لَم يَضُرَّ بصاحِبِه. إنَّما أباحَ له ذلك لأنَّ أوقاتَ الصَّلاةِ مُستَثْناةٌ مِنْ الخِدمةِ، ولِهَذا وَقَعَتْ مُستَثْناةً في حَقِّ المُعتَكِفِ بتَرْكِ مُعتكَفِه لَها، وقالَ ابنُ المُبارَكِ: لا بَأْسَ أنْ يُصَلِّيَ الأجيرُ رَكعاتِ السُّنةِ، وقالَ أبو ثَورٍ، وابنُ المُنذِرِ: لَيسَ له مَنْعُه مِنها (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: أجيرُ العَينِ يَجِبُ عليه حُضورُ الجُمُعةِ، قالوا: وأمَّا ما جَرَتْ به العادةُ مِنْ إحضارِ الخُبزِ لِمَنْ يَخبِزُه ويُعطَى ما جَرَتْ به العادةُ مِنْ الأُجرةِ، فليسَ اشتِغالُه بالخُبزِ عُذرًا، بَلْ يَجِبُ حُضورُ الجُمُعةِ، وإنْ أدَّى إلى تَلَفِه ما لَم يُكرِهْهُ صاحِبُ الخُبزِ على عَدَمِ الحُضورِ، فلا يَعصِي، ويَنبَغي أنَّه لَو تَعدَّى ووَضعَ يَدَه عليه، وكانَ لَو تَركَه وذَهَبَ إلى الجُمُعةِ تَلِفَ كانَ ذلك عُذرًا، وإنْ أثِمَ بأصْلِ اشتِغالِه به على وَجهٍ يُؤدِّي إلى تَلَفِه لَو ذَهَبَ إلى الجُمُعةِ، ومِثلُه في ذلك بَقيَّةُ العُمالِ؛ كالنَّجَّارِ والبَنَّاءِ ونَحوِهِما، قالَ الجَمَلُ في «حاشِيَته»: وظاهِرُ إطلاقِه كَحَجٍّ أنَّه حَيثُ لَم يَفسُدُ عَملُه يَجِبُ عليه الحُضورُ، وإنْ زادَ زَمنُه على زَمنِ صَلاتِه بمَحَلِّ عَملِه، ولَو طالَ، وعِبارةُ الإيعابِ والمُعتَمَدِ أنَّ الإجارةَ لَيسَتْ عُذرًا في الجُمُعةِ؛ فقَد ذكرَ الشَّيخانِ في بابِها أنَّه يُستَثْنَى مِنْ زَمنِها زَمنُ الصَّلاةِ والطَّهارةِ والصَّلاةِ
(١) «المغني» (٥/ ٢٧١)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٧).
الرَّاتِبةِ والمَكتوبةِ، ولَو كانَتْ جُمُعةً، وبَحَثَ الأذرَعيُّ أنَّه لا يَلزَمُ المُستَأجِرَ تَمكينُه مِنْ الذَّهابِ إلى المَسجِدِ لِلجَماعةِ في غيرِ الجُمُعةِ، قالَ: ولا شَكَّ فيه عندَ بُعدِه، أو كَوْنِ إمامِه يُطيلُ الصَّلاةَ ا. هـ؛ بحُروفِه، وعليه فيُفَرَّقُ بينَ الجُمُعةِ والجَماعةِ بأنَّ الجَماعةَ صِفةٌ تابِعةٌ، وتَتكَرَّرُ، فاشتُرِطَ لِاغتِفارِها ألَّا يَطولَ زَمنُها؛ رِعايةً لِحَقِّ المُستَأجِرِ، واكتُفِيَ لِتَفريغِ الذِّمةِ بالصَّلاةِ فُرادَى بخِلافِ الجُمُعةِ، فلَم تَسقُطْ، وإنْ طالَ زَمنُها؛ لأنَّ سُقوطَها يُفَوِّتُ الصَّلاةَ بلا بَدَلٍ. اه (١).
وقالَ الشَّيخُ زَكَريا الأنصاريُّ رحمة الله عليه: زَمنُ الطَّهارةِ والصَّلاةِ المَكتوبةِ ولَو كانَ جُمُعةً، والرَّاتِبةِ، مُستَثْنًى في الإجارةِ لِعَملِ مدَّةٍ، فلا يُنْقَصُ مِنْ الأُجرةِ شَيءٌ، فلَو صَلَّى ثم قالَ: كُنْتُ مُحدِثًا، قالَ القَفَّالُ: لا نَمنَعُه مِنْ الإعادةِ، لَكِنْ يَسقُطُ مِنْ الأُجرةِ بقَدْرِ الصَّلاةِ الثَّانيةِ ونَمنَعُه مِنْ الثَّالثةِ؛ لأنَّه مُتعنِّتٌ، قالَ الأذرَعيُّ، والظَّاهِرُ: أنَّ المُستَأجِرَ لا يَلزَمُه تَمكينُه مِنْ الذَّهابِ إلى المَسجِدِ لِلجَماعةِ في غيرِ الجُمُعةِ، ولا شَكَّ فيه عندَ بُعدِه عَنهُ؛ فإنْ كانَ بقُربِه جِدًّا ففيه احتِمالٌ، اللَّهمَّ إلَّا أنْ يَكونَ إمامُه مِمَّنْ يُطيلُ الصَّلاةَ، فلا، وعَلَى الأجيرِ أنْ يُخفِّفَ الصَّلاةَ مع إتْمامِها، ثم مَحَلُّ تَمكِينِه مِنْ الذَّهابِ إلى الجُمُعةِ إذا لَم يَخْشَ على عَملِه الفَسادَ، وهو ظاهِرٌ، وكَذا سَبْتُ اليَهودِ مُستَثْنًى إنِ اعتِيدَ لَهم، وحُكمُ النَّصارَى في يَومِ الأحَدِ كذلك، قالَه الزَّركَشيُّ، قالَ: وهَلْ يَلحَقُ بذلك بَقيَّةُ أعيادِهِم؟ فيه نَظَرٌ، لا سيَّما التي
(١) «حاشية الجمل على شرح المنهج» (٢/ ٤)، و «حواشي الشرواني على تحفة المحتاج» (٢/ ٤٠٦).
تَدومُ أيَّامًا، والأقرَبُ المَنْعُ؛ لِعَدَمِ اشتِهارِها في عُرفِ المُسلِمينَ، وجَهلِ أكثَرِ النَّاسِ لَها، والذِّميُّ مُفَرِّطٌ بعَدَمِ استِثْنائِها (١).
وقالَ السُّيوطيُّ رحمة الله عليه: سُئِلَ الغَزاليُّ عن اليَهوديِّ إذا أجَّرَ نَفْسَه مدَّةً مَعلومةً، ما حُكمُ السُّبوتِ التي تَتخلَّلُها إذا لَم يَستَثْنِها؛ فإنِ استَثْناها فهَل تَصحُّ الإجارةُ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى تَأخيرِ التَّسليمِ عن العَقدِ؟
فَأجابَ: إذا اطَّردَ عُرفُهم بذلك، كانَ إطلاقُ العَقدِ؛ كالتَّصريحِ بالِاستِثْناءِ، كاستِثْناءِ اللَّيلِ في عَملٍ لا يُتَوَلَّى إلَّا بالنَّهارِ، وحُكمُه أنَّه لَو أنشَأَ الإجارةَ في أوَّلِ اللَّيلِ مُصَرِّحًا بالإضافةِ إلى أوَّلِ الغَدِ لَم يَصحَّ، وإنْ أطلَقَ صَحَّ؛ وإنْ كانَ الحالُ يَقتَضي تَأخيرَ العَملِ، كَما لَو أجَّرَ أرضًا لِلزِّراعةِ في وَقتٍ لا يُتصوَّرُ المُبادَرةُ إلى زَرعِها فيه، أو أجَّرَ دارًا مَشحونةً بالأمتِعةِ لا تُفرَّغُ إلَّا في يَومٍ أو يَومَيْنِ. انتَهَى، وقَد نقلَه عنه الرَّافِعيُّ، والنَّوَويُّ، ولَم يَنقُلاه عن غَيرِه، قالَ السُّبكيُّ: ولا يَنبَغي أنْ يُؤخَذَ مُسلَّمًا، بَلْ يُنظَرُ فيه، قالَ: وقَد سُئِلَ عنه قاضي القُضاةِ أبو بَكرٍ الشَّاميُّ، فقالَ: يُجبَرُ على العَملِ فيها؛ لأنَّ الِاعتِبارَ بشَرعِنا في ذلك؛ فذُكِرَ له كَلامُ الغَزاليِّ فقالَ: لَيسَ بصَحيحٍ، ثم قالَ: يُحتَمَلُ أنْ يُقالَ ذلك ويُستَثْنَى بالعُرفِ.
قالَ السُّبكيُّ رحمة الله عليه: وكَلامُ الغَزاليِّ مَتينٌ وقَويمٌ، وفيه فَوائِدُ، وهو أَوْلَى مِنْ قَولِ أبي بَكرٍ الشَّاميِّ؛ لأنَّ العُرفَ -وإنْ لَم يكُنْ عامًّا- مَوجودٌ فيه، فيُنزَلُ مَنزِلةَ العُرفِ في أوقاتِ الرَّاحةِ ونَحوِها.
(١) «أسنى المطالب شرح روض الطالب» (٢/ ٤٣٦).
قالَ: وقولُه إذا اطَّردَ عُرفُهم بذلك؛ يَنبَغي أنْ يُحمَلَ على عُرفِ المُستَأجِرِ والمُؤجِّرِ جَميعًا، سَواءٌ كانَ المُستَأجِرُ مُسْلِمًا أو لا، فلَو كانَ عُرفُ اليَهودِ مُطَّرِدًا بذلك، ولَكنَّ المُستَأجِرَ المُسلِمَ لَم يَعرِفْ ذلك، لَم يكُنْ إطلاقُ العَقدِ في حَقِّه مُنزَلًا مَنزِلةَ الِاستِثناءِ، والقولُ قولُ المُسلِمِ في ذلك، إذا لَم يكُنْ مِنْ أهلِ تلك البَلدةِ، ولَم يُعلَمْ مِنْ حالِه ما يَقتَضي مَعرِفَتَه بذلك العُرفِ؛ وحينئذٍ هَلْ يَقولُ: العَقدُ باطِلٌ، أو يَصحُّ ويثبُتُ له الخيارُ، أو يُلزَمُ اليَهوديُّ بالعَملِ؟ فيه نَظَرٌ؛ والأقرَبُ الثَّالث؛ لأنَّ اليَهوديَّ مُفَرِّطٌ بالإطلاقِ مع مَنْ لَيسَ مِنْ أَهلِ العُرفِ. قالَ: وإذا اقتَضَى الحالُ استِثْناءَها وأسلَمَ الذِّميُّ في مدَّةِ الإجارةِ، وأتَى عليه بعدَ إسلامِه يَومُ سَبتٍ وجبَ العَملُ فيه؛ لأنَّا نَقولُ عندَ الِاستِثناءِ: إنَّه خارِجٌ عن عَقدِ الإجارةِ؛ فإنَّه لَو كانَ كذلك لَجَرَى في الإجارةِ خِلافٌ؛ كَإجارةِ العَقِبِ، ولَجازَ له أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه يَومَ السَّبتِ لِآخَرَ، وتَجويزُ ذلك بَعيدٌ؛ فإنَّه يَلزَمُ منه عَقدُ الإجارةِ على العَينِ لِشَخصَيْنِ، على الكَمالِ في مدَّةٍ واحِدةٍ، وكَلامُ الفُقهاءِ يَأباه، وصَرَّحوا بأنَّه إذا وَردَ عَقدٌ على عَينٍ لا يَجوزُ أنْ يُعقَدَ عليها مِثلُه، وهَكَذا نَقولُ في استِثْناءِ أوقاتِ الصَّلَواتِ ونَحوِها، لَيسَ مَعناه أنَّ تلك الأوقاتَ مُتخلِّلةٌ بينَ أزمانِ الإجارةِ؛ كَإجارةِ العَقِبِ، بَلْ يَقولُ في كلِّ ذلك: إنَّ مَنفَعةَ ذلك الشَّخصِ في جَميعِ تلك المدَّةِ مُستَحقَّةٌ لِلمُستَأجِرِ، مَملوكةٌ بمُقتَضَى العَقدِ، ومَعَ هذا يَجِبُ عليه تَوفيرُه مِنْ العَملِ في تلك الأوقاتِ، كَما أنَّ السَّيِّدَ يَستَحقُّ مَنفَعةَ عَبدِه في جَميعِ الأوقاتِ، ومَعَ ذلك يَجِبُ تَوفيرُه في أوقاتِ الصَّلَواتِ والرَّاحةِ باللَّيلِ ونَحوِها؛ فهذا هو مَعنَى الِاستِثناءِ، وهو استِثناءٌ مِنْ
الِاستيفاءِ، لا مِنْ الِاستِحقاقِ، وإنْ شِئتَ قُلتَ: مِنْ استِيفاءِ المَملوكِ، لا مِنْ المَالِكِ، وإنْ شِئتَ قُلتَ: العَقدُ مُقتَضٍ لِاستِحقاقِها، ولَكِنْ مَنَعَ مانِعٌ، فاستَثناها، وحينئذٍ فالسُّبوتُ داخِلةٌ في الإجارةِ، ومِلكُ المُستَأجِرِ مَنفعَتُه فيها، وإنَّما امتَنَعَ عليه الِاستيفاءُ لِأمرٍ عُرفيٍّ مَشروطٍ ببَقاءِ اليَهوديَّةِ، فإذا أسلَمَ لَم يَبقَ مانِعٌ، والِاستِحقاقُ ثابِتٌ؛ لِعُمومِ العَقدِ؛ فيَستَوفيه، ويَجِبُ عليه بَعدَما أسلَمَ أنْ يُؤدِّيَ الصَّلَواتِ في أوقاتِها، ويَزولُ استِحقاقُ المُستَأجِرِ لِاستيفائِها بالإسلامِ، وإنْ كانَتْ مَملوكةً له بالعَقدِ، كَما لَم يَستَحقَّ استِيفاءَها في استِئجارِ المُسلِمِ، وإنْ كانَتْ مَملوكةً له بالعَقدِ؛ وإنَّما وجبَ استِحقاقُ صَرفِها قبلَ الإسلامِ إلى العَملِ؛ لِعَدَمِ المانِعِ مِنْ استِيفائِها، مع استِحقاقِها، ونَظيرُه لَوِ استَأجَرَ امرَأةً لِعَملٍ مدَّةً، فحاضَتْ في بَعضِها، فأوقاتُ الصَّلاةِ في زَمنِ الحَيضِ غيرُ مُستَثناةٍ، وفي غَيرِه مُستَثناةٌ، ولا يُنظَرُ في ذلك إلى حالِ العَقدِ، بَلْ إلى حالِ الِاستِيفاءِ، وهَكَذا اكتِراءُ الإبِلِ إلى الحَجِّ، وسَيْرُها مَحمولٌ على العادةِ، والمَنازِلِ المُعتادةِ، فلَوِ اتَّفقَ في مدَّةِ الإجارةِ تَغييرُ العادةِ وسارَ النَّاسُ على خِلافِ ما كانوا يَسيرونَ فيما لا يَضُرُّ بالأجيرِ والمُستَأجِرِ، وجبَ الرُّجوعُ إلى ما صارَ عادةُ النَّاسِ، ولا نَقولُ بانفِساخِ العَقدِ، واعتِبارِ العادةِ الأُولَى، هذا مُقتَضَى الفِقهِ، وإنْ لَم أجِدْه مَنقولًا، قالَ: ولَوِ استَعمَلَ المُستَأجِرُ اليَهوديَّ يَومَ السَّبتِ ظالِمًا، أو ألزَم المُسلِمَ العَملَ في أوقاتِ الصَّلاةِ ونَحوِها، لَم يَلزَمْه أُجرةُ المِثلِ، وقَد قالَ البَغوَيُّ في فَتاويهِ: إنَّه لَوِ استَأجَرَ عَبدًا فاستَعمَلَه في أوقاتِ الرَّاحةِ لَم يَجِبْ عليه أُجرةٌ زائِدةٌ؛ لأنَّ جُملةَ الزَّمانِ مُستَحقَّةٌ، وتَرْكَ الرَّاحةِ لِيتَوَافَرَ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في ركن الإجارة ومعناها
نَفَى ﷾ الْجُنَاحَ عَمَّنْ يَسْتَرْضِعُ وَلَدَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الِاسْتِرْضَاعُ بِالْأُجْرَةِ، دَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: ٢٣٣ قِيلَ أَيْ الْأَجْرَ الَّذِي قَبِلْتُمْ، وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الطلاق: ٦ وَهَذَا نَصٌّ وَهُوَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَسْتَامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلَا يَنْكِحُ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبِيعُوا بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ، وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَهَذَا مِنْهُ ﷺ تَعْلِيمُ شَرْطِ جَوَازِ الْإِجَارَةِ وَهُوَ إعْلَامُ الْأَجْرِ فَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها]
[فصل كراء الحمام]
فَصْل) جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ
ــ
منح الجليل
فَلَكَ رَدُّهُ، وَعَلَيْك فِي الْإِرْدَبِّ نِصْفُ دِرْهَمٍ اهـ.
وَظَاهِرُهَا صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي التَّقْيِيدِ بِالْعَمَلِ وَالزَّمَانِ الَّذِي يَحْمِلُ الْعَمَلَ، كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَاللَّخْمِيِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْخِلَافَ إذَا أَمْكَنَ إتْمَامُ الْعَمَلِ فِي الزَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا عَلَى صِحَّةِ الْكِرَاءِ مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالزَّمَنِ إذَا زَادَ عَلَى الْعَمَلِ أَوْ سَاوَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) إنْ اكْتَرَى ثَوْرًا مَثَلًا لِطَحْنِ إرْدَبَّيْنِ فِي يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا فَ (زَادَ) مَا يَطْحَنُهُ فِيهِ عَلَى إرْدَبَّيْنِ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ (أَوْ نَقَصَ) مَا يَطْحَنُهُ عَنْهُمَا وَتَنَازَعَ زَادَ وَنَقَصَ (مَا) أَيْ قَدْرًا (يُشْبِهُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (الْكَيْلَ) أَيْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِزِيَادَتِهِ فِيهِ تَارَةً وَنَقْصِهِ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى (فَلَا) شَيْءَ (لَك) يَا مُكْرِي فِي الزِّيَادَةِ (وَلَا) شَيْءَ (عَلَيْك) يَا مُكْتَرِي فِي النَّقْصِ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا حَمَلَ لَك رَجُلٌ طَعَامًا فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ زِيَادَةَ الْكَيْلِ أَوْ نَقْصِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا لَك مِنْ ضَمَانٍ وَلَا حِصَّةِ كِرَاءٍ، وَبِهَذَا قَرَّرَ الشَّارِحَانِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّقْرِيرَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْل كِرَاءُ الْحَمَّامِ
ارجع إلى أقسام الأجراء للاطلاع على جميع المسائل.