الإسلام > الشركات والإجارات > فيما ينفسخ وينتهي به عقد المساقاة > العذر الثالث: الجائحة في الحائط
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةكالحُكمِ، ويُصَرِّحُ في الإشهادِ بإرادةِ الرُّجوعِ، فإنْ لَم يُشهِدْ، كَما ذُكِرَ، فلا رُجوعَ لَه، وإنْ لَم يُمكِنْه الإشهادُ فلا رُجوعَ له أيضًا؛ لأنَّه عُذرٌ نادِرٌ.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ومتى أنفَقَ وأشهَدَ ثم اختَلفَ المالِكُ والعامِلُ في قَدْرِ النَّفَقةِ ففي المُصدَّقِ مِنهما احتِمالانِ لِلإمامِ، رَجَّحَ السُّبكيُّ مِنهما قَولَ المالِكِ. ولَم يُصَرِّحِ الشَّيخانِ بالمَسألةِ، وكَلامُهما في هَرَبِ الجِمالِ يَقتَضي تَصديقَ العامِلِ؛ فأنَّهما رَجَّحَا قَبولَ قَولِ الجَمَّالِ، وعَلَّلاه بأنَّ المُنفِقَ لَم يَستَنِدْ إلى ائتِمانٍ مِنْ جِهةِ الحاكِمِ؛ فيَكونُ هُنا كذلك (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إن عَجَزَ العامِلُ عن العَملِ، كضَعفِه مع أمانَتِه، ضُمَّ إليه قَويٌّ أمينٌ، ولا تُنزَعُ يَده؛ لأنَّ العَملَ مُستحَقٌّ عليه، ولا ضَرَرَ في بَقاءِ يَدِه، فإنْ عَجَزَ العامِلُ بالكُليَّةِ أقامَ العامِلُ مَقامَه مَنْ يَعمَلُ والأُجرةُ عليه في المَوضِعَيْنِ؛ لأنَّ عليه تَوفيةَ العَملِ، وهذا مِنْ تَوفِيَته (٢).
العُذرُ الثَّالث: الجائِحةُ في الحائِطِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا أُجيحَ الثَّمرُ أو بَعضُه، هَلْ تَنفَسِخُ المُساقاةُ أو لا؟
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: إذا أُجيحَ بَعضُ الحائِطِ سقطَ ما أُجيحَ منه إذا كانَ لا يُرجَى منه ثَمرةٌ، وما جُذَّ مِنْ النَّخلِ لَم يَلزَمْه سَقيُها، وعليه أنْ يَسقيَ ما لَم يَجُذَّ حتى يَجُذَّ، وإنْ جَذَّ غَيرُه قَبلَه.
(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٣٧٤، ٣٧٥)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٧٧٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٩٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣١١)، و «الديباج» (٢/ ٤٥٢، ٤٥٣).
(٢) «الكافي» (٢/ ٢٩٥)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٣٥)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٧٥١).
وإنْ أُجيحَ الحائِطُ كلُّه انفَسخَتْ فيه المُساقاةُ.
وإنْ أُجيحَ ثُلُثُه فصاعِدًا فعَن مالِكٍ رِوايَتانِ:
إحداهُما: أنَّ العامِلَ بالخيارِ بينَ فَسخِ المُساقاةِ والإقامةِ عليها.
والأُخرَى: أنَّ المُساقاةَ لَازِمةٌ لَهُما، إلَّا أنْ تَكونَ الجائِحةُ أتَتْ على قِطعةٍ مِنْ النَّخلِ والشَّجرِ بعَينِها، فتَنفَسِخُ المُساقاةُ وَحدَها دونَ ما سِواها.
وإنْ أتَلَفَتِ الجائِحةُ أقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الحائِطِ، فالمُساقاةُ صَحيحةٌ لَازِمةٌ، ولَوِ انهارَتِ البِئرُ انفَسخَتِ المُساقاةُ، إلَّا أنْ يُريدَ العامِلُ أنْ يُنفِقَ مِنْ مالِه في صَلاحِ البِئرِ، ويَكونَ على مَساقاتِه، ويَرتَهِنَ صاحِبُ الحائِطِ مِنْ الثَّمرةِ بما أنفَقَ، فذلك لَهُ (١).
وأمَّا الشافِعيَّةُ؛ فقالَ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: نقلَ المُتولِّي أنَّه إذا لَم تُثمِرِ الأشجارُ أصْلًا أو تَلِفَتِ الثِّمارُ بجائِحةٍ أو غَصْبٍ، فعلى العامِلِ إتمامُ العَملِ، وإنْ تَضرَّرَ به، كَما أنَّ عامِلَ القِراضِ يُكلَّفُ التَّنضيضَ، وإنْ ظَهرَ خُسرانٌ ولَم يَنَلْ إلَّا التَّعَبَ، وهذا أصَحُّ ممَّا ذكرَه البَغَويُّ أنَّه إذا تَلِفَتِ الثِّمارُ كلُّها بالجائِحةِ يَنفَسِخُ العَقدُ، إلَّا أنْ يُريدَ بعدَ تَمامِ العَملِ وتَكامُلِ الثِّمارِ.
قالَ: وإنْ هَلَكَ بَعضُها فلِلعاملِ الخِيارُ بينَ أنْ يَفسَخَ العَقدَ، ولا شَيءَ لَه، وبَينَ أنْ يُجيزَ ويُتِمَّ العَملَ ويَأخُذَ نَصيبَهُ (٢).
(١) «الكافي» (٣٨٣).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٨٢).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القراض
الباب الثالث القول في أحكام القراض
الرَّجُلَيْنِ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ رَأَى أَنَّهَا زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ.
فَأَمَّا إِنِ اشْتَرَطَ الْعَامِلُ غُلَامَهُ، فَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا يَجُوزُ، وَلِلْغُلَامِ فِيمَا عَمِلَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ حَظَّ الْعَامِلِ يَكُونُ عِنْدَهُ مَجْهُولًا.
الْبَابُ الثَّالِثُ الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْقِرَاضِ
وَالْأَحْكَامُ مِنْهَا مَا هِيَ أَحْكَامُ الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ، وَمِنْهَا مَا هِيَ أَحْكَامُ الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ. وَأَحْكَامُ الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ، مِنْهَا مَا هِيَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ (أَعْنِي: أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمُوجِبِ الْعَقْدِ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا هَلْ هِيَ تَابِعَةٌ أَوْ غَيْرُ تَابِعَةٍ؟) ، وَمِنْهَا أَحْكَامُ طَوَارِئٍ تَطْرَأُ عَلَى الْعَقْدِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ مُوجِبُهُ مِنْ نَفْسِ الْعَقْدِ، مِثْلَ التَّعَدِّي، وَالِاخْتِلَافِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ مَا اشْتُهِرَ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ. وَنَبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِمُوجِبَاتِ الْعَقْدِ فَنَقُولُ:
إِنَّهُ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اللُّزُومَ لَيْسَ مِنْ مُوجِبَاتِ عَقْدِ الْقِرَاضِ، وَأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخَهُ مَا لَمْ يَشْرَعِ الْعَامِلُ فِي الْقِرَاضِ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا شَرَعَ الْعَامِلُ: فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ لَازِمٌ، وَهُوَ عَقْدٌ يُورَثُ، فَإِنْ مَاتَ وَكَانَ لِلْمُقَارِضِ بَنُونَ أُمَنَاءُ كَانُوا فِي الْقِرَاضِ مِثْلَ أَبِيهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْفَسْخُ إِذَا شَاءَ، وَلَيْسَ هُوَ عَقْدٌ يُورَثُ.
ارجع إلى فيما ينفسخ وينتهي به عقد المساقاة للاطلاع على جميع المسائل.