العذر الثاني: مرض العامل وعجزه عن العمل

الإسلام > الشركات والإجارات > فيما ينفسخ وينتهي به عقد المساقاة > العذر الثاني: مرض العامل وعجزه عن العمل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

العذر الثاني: مرض العامل وعجزه عن العمل - الأقوال والأدلة

فَإنْ ثبَتَتْ خِيانةُ العامِلِ في المُساقاةِ بإقرارِه أو ببيِّنةٍ أو يَمينٍ مَردودةٍ، ضُمَّ إليه مُشرِفٌ إلى أنْ يَتمَّ العَملُ، ولا تُزالُ يَده؛ لأنَّ العَملَ حَقٌّ عليه، ويُمكِنُ استيفاؤُه منه بهذه الطَّريقةِ، فتَعيَّنَ سُلوكُها جَمعًا بينَ الحَقَّيْنِ، وأُجرةُ المُشرِفِ عليه.

نَعَمْ لَو لَم تَثبُتِ الخِيانةُ، ولَكِنِ ارتابَ المالِكُ فيهِ؛ فإنَّه يُضَمُّ إليه مُشرِفٌ وأُجرَتُه حينئذٍ على المالِكِ.

فَإنْ لَم يَتحَفَّظْ بالمُشرِفِ أُزيلَتْ يَده بالكُليَّةِ واستُؤجِرَ عليه مِنْ مالِ العامِلِ مَنْ يُتِمُّ العَملَ، فتَعذَّرَ استيفاءُ العَملِ الواجِبِ عليه مِنه، والقُدرةُ عليه بهذه الطَّريقةِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: العامِلُ أمينٌ، والقولُ قولُه فيما يدَّعيه مِنْ هَلاكٍ، وما يُدَّعَى عليه مِنْ خِيانةٍ؛ لأنَّ ربَّ المالِ ائتَمَنَه بدَفعِ مالِه إلَيه، فهو كالمُضارِبِ، فإنِ اتُّهِمَ حلَف، فإنْ ثبَتَتْ خِيانَتُه بإقرارٍ، أو ببيِّنةِ، أو نُكولِه، ضُمَّ إليه مَنْ يُشرِفُ عليه؛ فإنْ لَم يُمكِنْ حِفظُه استُؤجِرَ مِنْ مالِه مَنْ يَعمَلُ عَملَه (٢).

العُذرُ الثَّاني: مَرَضُ العامِلِ وعَجزُه عن العَملِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في العامِلِ في المُساقاةِ إذا عَجَزَ عن العَملِ لِمَرَضٍ، أو لِكِبَرٍ أو لِسَفَرٍ أو لِغَيرِ ذلك، هَلْ تَنفَسِخُ المُساقاةُ بهذا أو لا؟

فذهبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّها تَنفَسِخُ بعُذرِ المَرَضِ والعَجزِ عن العَملِ،

(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٨٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٧٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣١٢)، و «الديباج» (٢/ ٤٥٤).
(٢) «المغني» (٥/ ٢٣٦، ٢٣٧).

قالوا: تُفسَخُ المُساقاةُ إذا مَرِضَ العامِلُ قبلَ إدراكِ الثَّمرِ، وعَجَزَ عن العَملِ، فتُفسَخُ المُساقاةُ؛ لأنَّه يَلحَقُه ضَرَرٌ بإلزامِه مَنْ يَعمَلُ بالأُجرةِ، وقَيَّدْنا بكَونِه قبلَ الإدراكِ؛ لأنَّه بَعدَه تَكونُ انتَهَتِ المُعامَلةُ؛ فلا يُمكِنُ الفَسخُ، ولَو أرادَ تَركَ العَملِ لَم يُمكِنْ، في الصَّحيحِ.

وَكَذا إذا أرادَ العامِلُ السَّفَرَ وفَسْخَ المُساقاةِ، تَنفَسِخُ (١).

وَذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في الجُملةِ إلى أنَّها لا تَنفَسِخُ بهذا على تَفصيلٍ عِندَهم.

قالَ المالِكيَّةُ: إذا عَجَزَ العامِلُ في المُساقاةِ مِنْ عَملِها بمانِعٍ طَرَأَ لَه، أو غيابٍ، بأنْ سافَرَ، فلا يَخلو عَجزُه؛ إمَّا أنْ يَكونَ بعدَ بُدُوِّ صَلاحِ الثَّمرةِ وجَوازِ بَيعِها، أو قبلَ ذلك:

فَإنْ كانَ عَجزُه بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ؛ فإنَّه يُباعُ حَظُّه مِنْ الثَّمرةِ ويُستَأجَرُ بثَمنِه مَنْ يُكمِلُ العَملَ؛ فإنْ كانَ هناك فَضلٌ كانَ لَه، وإنْ كانَ هناك نُقصانٌ أُتْبِعَ به.

وإنْ كانَ عَجْزُ العامِلِ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ؛ فإنْ وُجِدَ مَنْ يَقومُ مَقامَه فلا إشكالَ، وإنْ لَم يُوجَدْ فلا شَيءَ لِلعاملِ، ونَفَقَتُه وخِدمَتُه مُلغاةٌ، ويُعطيه إلى رَبِّه هَدَرًا بلا شَيءٍ، ولا يَجوزُ أنْ يُعطَى له ثَمنٌ في نَصيبِه مِنْ الثَّمرةِ؛ لأنَّه مِنْ بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها.

(١) «الهداية» (٤/ ٦١)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٦٣)، و «اللباب» (٢/ ١٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٩)، و «درر الحكام» (٣/ ٥١٥، ٥١٦).

وقالَ اللَّخميُّ رحمة الله عليه: لِلمُساقِي أنْ يُساقيَ غَيرَه، عَجَزَ أو لَم يَعجِزْ؛ لأنَّ العَملَ في الذِّمةِ، ويَجوزُ أنْ يَدفَعَه لِأمينٍ، وإنْ لَم يكُنْ مِثلَه في الأمانةِ؛ فإنْ عَجَزَ ولَم يَجِدْ مَنْ يَأخُذُه إلَّا بمِثلِ الجُزءِ الأولِ، كانَ صاحِبُ المالِ بالخيارِ بينَ أنْ يُساقَى على ذلك، أو يَرُدَّ إليه ويَكونَ أحَقَّ بما يُساقِي غَيرَه. انتَهَى.

وَإذا عَجَزَ العامِلُ قبلَ الطِّيبِ، ولَم يَجِدْ أمينًا؛ فقالَ ربُّ الحائِطِ: أنا أستَأجِرُ مَنْ يَعمَلُ تَمامَ العَملِ، ويَبيعُ ما صارَ له مِنْ الثَّمرةِ، وأستَوْفِي ما أدَّيتَ، فإنْ فَضَلَ شَيءٍ فلَه، وإنْ نَقَصَ أُتْبِعُه، فيَنبَغي أنْ يَكونَ له ذلك؛ كَقَولِ ابنِ القاسِمِ في المُتزارِعَيْنِ يَعجِزُ أحَدَهُما بعدَ العَملِ وقَبلَ طِيبِ الزَّرعِ، قالَ: يُقالُ لِصاحِبِه: اعمَلْ؛ فإذا يَبِسَ الزَّرعُ واستَوفَيْتَ حَقَّكَ فما فَضَلَ فلَه، وما عَجَزَ اتَّبعْتَهُ به؛ لأنَّ العَملَ كانَ له لازِمًا، فكذلك هَذا (١).

وقالَ الشافِعيَّةُ: لَو هَرَبَ العامِلُ أو مَرِضَ أو عَجَزَ بغَيرِ ذلك قبلَ الفَراغِ مِنْ عَمِلَها، وأتَمَّه المالِكُ بنَفْسِه، أو مالِه، مُتبرِّعًا بالعَملِ، أو بمُؤنَتِه عن العامِلِ، بَقيَ استِحقاقُ العامِلِ؛ كَتَبَرُّعِ الأجنَبيِّ بأداءِ الدَّيْنِ، وكَذا لَو تَبرَّعَ عنه بحُضورِه، كانَ كذلك، أو تَبرَّعَ عنه بجَميعِ العَملِ، كانَ كذلك، وكَذا لَو فعلَه أجنَبيٌّ مُتبرِّعًا عن العامِلِ فكذلك سَواءٌ أجَهِلَه المالِكُ أم عَلِمَه، ولا يَلزَمُ المالِكَ إجابةُ الأجنَبيِّ المُتطوِّعِ.

(١) «التبصرة» (١٠/ ٤٧٠٩)، و «شرح ميارة» (٢/ ١٩٢، ١٩٤)، و «الذخيرة» (٦/ ١٠٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٢٦)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٤٥)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٥١)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣٢٢)، و «منح الجليل» (٧/ ٤٢٣).

وإنْ لَم يُوجَدْ مُتبرِّعٌ استَأجَرَ الحاكِمُ عليه -بَعدَ رَفعِ الأمْرِ إليه وثُبوتِ كُلٍّ مِنْ المُساقاةِ وهَرَبِ العامِلِ، وتَعذُّرِ طَلَبِه، كَأنْ لَم يُعرَفْ مَكانُه- مَنْ يُتِمُّه مِنْ مالِ العامِلِ، ولَو كانَ مالُه عَقارًا، فإنْ لَم يكُنْ له مالٌ: فَإنْ كانَ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ باعَ نَصيبَ العامِلِ كلَّه أو بَعضَه بحَسَبِ الحاجةِ، واستَأْجَرَ بثَمنِه، وإنْ كانَ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، سَواءٌ أظَهرَتِ الثَّمرةُ أم لا، اقتَرضَ عليه مِنْ المالِكِ أو أجنَبيٍّ أو بَيتِ المالِ، إنْ لَم يَجِدْ مَنْ يَعمَلُ بأُجرةٍ مُؤجَّلةٍ مدَّةَ إدراكِ الثَّمرِ؛ لِتَعذُّرِ بَيعِ بَعضِه وَحدَه؛ لِلحاجةِ إلى شَرطِ قَطْعِه، وتَعذُّرِه في الشَّائِعِ، واستَأْجَرَ بما اقتَرضَه ويَقضيه العامِلُ بعدَ زَوالِ المانِعِ، أو يَقضيه الحاكِمُ مِنْ نَصيبِه مِنْ الثَّمرةِ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ؛ فإنْ وُجِدَ العَملُ بذلك استَغنَى عن الِاقتِراضِ، وحَصَلَ الغَرَضُ.

وَلَوِ استَأْجَرَ الحاكِمُ المالِكَ أو أذِنَ له في الإنفاقِ، فأنفَقَ لِيَرجِعَ، رَجعَ كَما لَوِ اقتَرضَ مِنه، ومتى تَعذَّرَ الِاقتِراضُ وغَيرُه قبلَ خُروجِ الثَّمرةِ، وبَعدَ بُدُوِّ صَلاحِها لَم يَفسَخِ المالِكُ لِأجْلِ الشَّرِكةِ.

وَلا تُباعُ الثَّمرةُ بشَرطِ القَطعِ؛ لِتَعذُّرِ قَطْعِها لِلشُّيوعِ؛ إلَّا إنْ رَضيَ المالِكُ ببَيعِ الجَميعِ، فيَصحُّ البَيعُ.

وإنْ كانَ ذلك قبلَ خُروجِ الثَّمرةِ فلَه الفَسخُ، ولِلعاملِ أُجرةُ ما عَمِلَ.

وَكَذا يَستَأجِرُ الحاكِمُ أيضًا إذا كانَ العامِلُ حاضِرًا وامتَنَعَ مِنْ العَملِ.

فَإنْ لَم يَقدِرِ المالِكُ على مُراجَعةِ الحاكِمِ إمَّا لِكَونِه فَوقَ مَسافةِ العَدْوَى، أو حاضِرًا ولَم يُجِبْه إلى ما التَمَسَه، فليُشهِدْ على العَملِ بنَفْسِه، أو بالإنفاقِ إنْ أرادَ الرُّجوعَ بما يَعمَلُه أو يُنفِقُه؛ لأنَّ الإشهادَ حالَ العُذرِ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب المزارعة
فصل في الذي ينفسخ به عقد المزارعة بعد وجوده

وَفِيهِ رِعَايَةُ الْجَانِبَيْنِ - فَكَانَ أَوْلَى وَيُطْلَقُ مِنْ الْحَبْسِ إنْ كَانَ مَحْبُوسًا إلَى غَايَةِ الْإِدْرَاكِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ جَزَاءُ الظُّلْمِ وَهُوَ الْمَطْلُ وَإِنَّهُ غَيْرُ مُمَاطِلٍ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ؛ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا عَنْ بَيْعِ الْأَرْضِ شَرْعًا، وَالْمَمْنُوعُ مَعْذُورٌ فَإِذَا أَدْرَكَ الزَّرْعُ يُرَدُّ إلَى الْحَبْسِ ثَانِيًا؛ لِيَبِيعَ أَرْضَهُ وَيُؤَدِّيَ دَيْنَهُ بِنَفْسِهِ، وَإِلَّا فَيَبِيعُ الْقَاضِي عَلَيْهِ.

(وَأَمَّا) الثَّانِي الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُزَارِعِ فَنَحْوُ الْمَرَضِ - لِأَنَّهُ مُعْجِزٌ عَنْ الْعَمَلِ -، وَالسَّفَرِ - لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ -، وَتَرْكِ حِرْفَةٍ إلَى حِرْفَةٍ - لِأَنَّ مِنْ الْحِرَفِ مَا لَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ فَيَحْتَاجُ إلَى الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِهِ -، وَمَانِعٍ يَمْنَعُهُ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ.

فَصْلٌ فِي الَّذِي يَنْفَسِخُ بِهِ عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ بَعْد وجوده

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا الَّذِي يَنْفَسِخُ بِهِ عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ بَعْدَ وُجُودِهِ فَأَنْوَاعٌ: (مِنْهَا) : الْفَسْخُ وَهُوَ نَوْعَانِ: صَرِيحٌ، وَدَلَالَةٌ فَالصَّرِيحُ: أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الْفَسْخِ وَالْإِقَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْإِجَارَةِ وَالشَّرِكَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَابِلٌ لِصَرِيحِ الْفَسْخِ وَالْإِقَالَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 110 - 113

ارجع إلى فيما ينفسخ وينتهي به عقد المساقاة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله