الجهر والإسرار بالبسملة

الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > الجهر والإسرار بالبسملة

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 27 دقيقة قراءة

الجهر والإسرار بالبسملة - الأقوال والأدلة

فهذا الحَديثُ صَحِيحٌ صَريحٌ في أنَّها ليست مِنْ الفاتِحةِ، ولم يُعارِضه حَديثٌ صَحِيحٌ صَريحٌ، وأجوَدُ ما يُرَى في هذا البابِ مِنْ الحَديثِ إنَّما يدلُّ على أنَّه يقرأُ بها في أوَّلِ الفاتِحةِ، لا يدلُّ على أنَّها منها، ولهذا كانَ القُرَّاءُ منهم مَنْ يَقرأُ بها في أوَّلِ السُّورةِ، ومنهم مَنْ لا يَقرأُ بها، فدلَّ على أنَّ كِلَا الأمرَينِ سائِغٌ، لكنَّ مَنْ قرأَ بها كانَ قد أتَى بالأفضَلِ، وكذلك مَنْ كرَّر قِراءَتَها في أوَّلِ كلِّ سُورةٍ كانَ أحسَنَ ممَّن تركَ قِراءَتَها؛ لأنَّه قرأَ ما كَتَبَه الصَّحابَةُ في المَصاحِفِ، فلو قُدِّرَ أنَّهم كَتَبوها على وَجهِ التَّبركِ لَكانَ يَنبَغي أن تُقرَأَ على وَجهِ التَّبركِ، وإلا فكيفَ يَكتُبونَ في المُصحَفِ ما لا يُشرعُ قِراءَتُه، وهم قد جَرَّدُوا المُصحَفَ عمَّا ليس مِنْ القُرآنِ، حتى إنَّهم لم يَكتُبوا التَّأمينَ ولا أسماءَ السُّوَرِ ولا التَّخميسَ والتَّعشيرَ، ولا غيرَ ذلك، مع أنَّ السُّنةَ لِلمُصلِّي أن يَقولَ عَقِبَ الفاتِحةِ: (آمِينَ)؟! فكيفَ يَكتُبونَ ما لا يُشرعُ أن يَقولَه، وهم لم يَكتُبوا ما يُشرعُ أن يَقولَه المُصلِّي مِنْ غيرِ القُرآنِ، فإذا جُمِعَ بينَ الأدلَّةِ الَّشرعيَّةِ دلَّت على أنَّها مِنْ كتابِ اللهِ، وليست مِنْ السُّورةِ (١).

٦ - الجَهرُ والإسرارُ بالبَسمَلَةِ:

ذَهب الإمامانِ أبو حَنيفَةَ وأحمدُ إلى أنَّ الجَهرَ بالبَسمَلَةِ غيرُ مَسنونٍ؛ لحَديثِ أنَس بنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: «صلَّيتُ مع رَسولِ اللهِ وَأَبِي بَكرٍ وَعمرَ وَعُثمانَ، فلم أَسمَع أَحدًا منهم يَقرأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» (٢). ولحَديثِ عَبد اللهِ بنِ المُغَفَّلِ السابقِ.

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٧٦، ٢٧٨).
(٢) رواه مسلم (٣٩٩).

وعن عائِشَةَ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ : «كانَ يَستَفتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكبيرِ وَالقِراءَةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]». وحَديثِ أبي هُريرةَ: «قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ … » الحَديثَ. وهذا يدلُّ على أنَّه لم يَذكُر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولم يَجهَر بها (١).

وأمَّا حَديثُ أنَسٍ الصَّحِيحُ فليس فيه نَفيُ قِراءةِ النَّبيِّ وأبي بَكرٍ وعمرَ وعُثمانَ: «فلم أسمَع أحَدًا منهم يَقرأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾»، أو «فلم يَكونوا يَجهَرون ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾»، ورِوايةُ مَنْ رَوى «فلم يَكونوا يَذكُرونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أوَّلِ قِراءةٍ ولا آخرِها»، إنَّما تَدلُّ على نَفيِ الجَهرِ؛ لأنَّ أنَسًا لم يَنفِ إلا ما علِم، وهو لا يَعلَمُ ما كانَ يَقولُه النَّبيُّ سِرًّا؛ ولا يُمكِنُ أن يُقالَ: إنَّ النَّبيَّ لم يكن يَسكُتُ، بل كانَ يَصلُ التَّكبيرَ بالقِراءةِ؛ فإنَّه قد ثَبت في الصَّحِيحَينِ أنَّ أبا هُريرةَ قال له: «أرأيتَ سُكوتَكَ بينَ التَّكبيرِ والقِراءةِ، ماذا تَقُولُ؟».

قال ابنُ تيميَّةَ رحمة الله عليه: ومَن تَأوَّلَ حَديثَ أنَسٍ على نَفيِ قِراءَتِها سِرًّا فهو مُقابِلٌ لقولِ مَنْ قالَ: مُرادُ أنَسٍ أنَّهم كانوا يَفتَتِحونَ بفاتِحةِ الكتابِ قبلَ غيرِها مِنْ السُّوَرِ، وهذا أيضًا ضَعيفٌ؛ فإنَّ هذا مِنْ العِلمِ العامَّ الذي ما زالَ النَّاسُ يَفعلونَه، وقد كانَ الحَجَّاجُ بنُ يُوسفَ وغيرُه مِنْ الأُمَراءِ الَّذينَ صلَّى خلفَهم أنَسٌ يَقرؤُونَ الفاتِحةَ قبلَ السُّورةِ ولم يُنازِع في ذلك أحَدٌ، ولا سُئلَ عن ذلك أحَدٌ، لا أنَسٌ ولا غيرُه، ولا يَحتَاجُ أن يَروِيَ أنَسٌ هذا عن النَّبيِّ

(١) «الإفصاح» (١/ ١٥٩)، و «المغني» (٢/ ٢٧)، و «الاختيار» (١/ ٥٠).

وصاحِبَيه، ومَن رَوى عن أنَسٍ أنَّه شَكَّ هل كانَ النَّبيُّ يَقرأُ البَسمَلَةَ أو لا يَقرؤُها فرِوايَتُه تُوافِقُ الرِّواياتِ الصَّحِيحةَ؛ لأنَّ أنَسًا لم يكن يَعلَمُ هل قَرَأها سِرًّا أو لا، وإنَّما نَفَى الجَهرَ (١).

وهو أيضًا قولُ المالِكيَّةِ إذا قَرَأها فإنَّه يُسِرُّ بها.

قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ رحمة الله عليه: قد بيَّنا أنَّ المُستحَبَّ تَركُ قِراءَتِها، فإن قَرَأها لم يَجهَر بها؛ خِلافًا لِلشافِعيِّ؛ لمَا رَوى أنَسٌ قالَ: «صلَّيتُ خلفَ رَسولِ اللهِ وأبي بَكرٍ وعمرَ وعُثمانَ وعلِيٍّ؛ فكانوا لا يَجهَرونَ بها»، ورُويَ مِثلُه عن ابنِ مَسعودٍ وعائِشَةَ. ورُويَ عن عَبد اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ «أنَّه قالَ لابنِه ورَآهُ يَجهَرُ بها: إيَّاكَ والحَدثَ؛ فإنِّي صلَّيُت مع رَسولِ اللهِ وأبي بَكرٍ وعمرَ وعُثمانَ وعلِيٍّ فلم أسمَع أحَدًا منهم يَقرؤُها؛ إذا قَرأتَ فقُلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]» (٢).

وذَهب الشافِعيَّةُ إلى أنَّه يُسنُّ الجَهرُ بالبَسمَلَةِ في الصَّلاةِ الجَهريَّةِ في الفاتِحةِ وفي السُّوَرِ.

قالَ الخَطيبُ: وأمَّا التَّابِعونَ ومَن بعدَهم ممَّن قالَ بالجَهرِ، فهُم أكثرُ مِنْ أن يُذكَروا، وأوسَعُ مِنْ أن يُحصَروا.

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٧٩)، ويُنظر: «بدائع الصنائع» (١/ ٢٠٣، ٢٠٥)، و «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٠٤)، و «التجريد» للقدوري (٢/ ٤٩٩، ٥٠٢)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ١٢٨)، و «عمدة القاري» (٥/ ٢٩١)، و «الدُّر المختار» (١/ ٤٩١)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ١٧٤)، و «المغني» (٢/ ٢٥، ٣٠)، و «الكافي» (١/ ١٣٠)، و «المبدع» (١/ ٤٣٤)، و «الإنصاف» (٢/ ٤٨).
(٢) «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٥٧).

وقالَ الشَّيخُ أبو مُحمدٍ المَقدِسِيُّ: والجَهرُ بالبَسمَلَةِ هو الذي قَرَّرَه الأئمَّةُ الحُفَّاظُ واختارُوه وصَنَّفوا فيه، مثلَ مُحمدِ بنِ نَصرٍ المَروَزيِّ، وأبي بَكرِ بنِ خُزَيمةَ، وأبي حاتِمِ بن حِبَّانَ، وأبي الحَسنِ الدَّارَقُطنِيِّ، وأبي عَبد اللهِ الحاكِمِ، وأبي بَكرٍ البَيهَقِيِّ، والخَطيبِ، وأبي عمرَ بنِ عَبد البرِّ، وغيرِهم، رحمهم الله.

قالَ الشَّيخُ أبو مُحمدٍ المَقدِسِيُّ: وأمَّا أحاديثُ الجَهرِ فالحُجَّةُ قائِمةٌ بما شَهِدَ له بالصِّحَّةِ، منها ما هو مَروِيٌّ عن سِتَّةٍ مِنْ الصَّحابةِ، أبي هُريرةَ، وأُمِّ سَلمةَ، وابنِ عبَّاسٍ، وأنَسٍ، وعلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ، وسَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ رضي الله عنهم.

أمَّا أبو هُريرةَ فوَرَدت عنه أحادِيثُ دَالَّةٌ على ذلك مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ: الأوَّلُ: ما هو مُستَنبَطٌ مِنْ مُتَّفَقٍ على صحَّتِه، رَواه البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أبي هُريرةَ قالَ: «في كلِّ صَلاةٍ قِراءَةٌ». وفي رِوايةٍ: «لا صَلاةَ إلَّا بِقِراءَةٍ». قالَ أبو هُريرةَ: «فما أَعلَنَ رَسولُ اللهِ أَعلَنَّاهُ لَكُم، وما أَخفَاهُ أَخفَينَاهُ لَكُمْ»، وفي رِوايةٍ: «فما أَسمعَنَا النَّبيُّ أَسمَعنَاكُم، وما أَخفَى مِنَّا أَخفَينَاهُ مِنْكُمْ». كلُّ هذه الألفاظِ في الصَّحِيحِ، وبَعضُها في الصَّحِيحَينِ، وبَعضُها في أحَدِهما، ومَعناه يَجهَرُ بما جهرَ به، ويُسِرُّ بما أسَرَّ به، ثم قد ثَبت عن أبي هُريرةَ: «أنَّه كانَ يَجهَرُ في صَلاتِه بالبَسمَلَةِ، فدلَّ على أنَّه سمِع الجَهرَ بها مِنْ رَسولِ اللهِ ».

قالَ الخَطيبُ أَبو بَكرٍ الحافِظُ البَغداديُّ: الجَهرُ بالتَّسمِيَةِ مَذهبٌ لِأبي هُريرةَ حُفِظَ عنه، واشتُهِرَ به، ورَواهُ عنه غيرُ واحدٍ مِنْ أصحابِه.

الوَجهُ الآخَرُ: حَديثُ نُعَيمِ بنِ عَبد اللهِ المُجمِرِ قالَ: «صلَّيتُ وَراءَ أبي هُريرةَ رضي الله عنه فَقرأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأَ بِأُمِّ القُرآنِ، حتى إذا بلغَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٧]، فقالَ: آمِينَ، فقالَ النَّاسُ: آمِينَ. وَيَقولُ كلَّمَا سجدَ: اللهُ أَكبَرُ، وإذا قامَ مِنْ الجُلُوسِ في الِإثنَتَينِ قالَ: اللهُ أَكبَرُ، وإذا سلَّم قالَ: وَالَّذي نَفسِي بيَدِه إنِّي لَأَشبَهكُم صَلاةً بِرَسولِ اللهِ » (١). رَواهُ النَّسائيُّ في سُننَهِ، وابنُ خُزَيمةَ في صَحِيحِه، قالَ ابنُ خُزَيمةَ في مُصَنَّفِه: فأمَّا الجَهرُ ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصَّلاةِ فقد صحَّ وثَبت عن النَّبيِّ بإسنادٍ ثابِتٍ مُتَّصِلٍ لا شَكَّ ولا ارتِيابَ عندَ أهلِ المَعرِفةِ بالأخبارِ في صحَّةِ سَنَدِه واتِّصالِه، فذكرَ هذا الحَديثَ، ثم قالَ: فقد بانَ وثَبت أنَّ النَّبيَّ كانَ يَجهَرُ ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصَّلاةِ. وأخرَجهُ أبو حاتِمِ بنُ حِبَّانَ في صَحِيحِه، والدَّارَقُطنيُّ في سُننِه، وقالَ: هذا حَديثٌ صَحِيحٌ، ورُواتُه كلُّهم ثِقاتٌ، ورَواه الحاكِمُ وقالَ: هذا حَديثٌ صَحِيحٌ على شَرطِ البُخارِيِّ ومُسلِمٍ، واستَدلَّ به الحافِظُ البَيهَقيُّ في كتابِ الخِلافياتِ، ثم قالَ: رُواةُ هذا الحَديثِ كلُّهم ثِقاتٌ مُجمَعٌ على عَدالَتِهم مُحتَجٌّ بهم في الصَّحِيحِ. وقالَ في «السُّننِ الكُبرى»: وهو إسنادٌ صَحِيحٌ، وله شَواهِدُ، واعتَمدَ عليه الحافِظُ أَبو بَكرٍ الخَطيبُ في أوَّلِ كتابِه الذي صَنَّفَه في الجَهرِ بالبَسمَلَةِ في الصَّلاةِ، فرَواه مِنْ وُجوهٍ مُتَعَدِّدةٍ مَرضِيَّةٍ، ثم قالَ: هذا الحَديثُ ثابِتٌ صَحِيحٌ لا يُتَوَجَّهُ إليه تَعليلٌ في اتِّصالِه، وثِقَةِ رِجالِه.

(١) سبق تخريجه.

الوَجهُ الثَّالثُ: ما رَواهُ الدَّارقُطنيُّ في سُننِه عن أبي هُريرةَ عن النَّبيِّ : «كانَ إِذَا قرأَ وَهو يَؤُمُّ النَّاسَ افتَتحَ الصَّلاة بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». قالَ أَبُو هُريرةَ: «هي آيَةٌ مِنْ كتابِ اللَّهِ، اقرَؤُوا إِنْ شِئتُم فَاتِحَةَ الكتابِ؛ فإنَّها الآيَةُ السابعَةُ». وفي رِوايةٍ: «أنَّ النَّبيَّ كانَ إِذَا أَمَّ النَّاسَ قرأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». قالَ الدَّارقُطنيُّ: رِجالُ إسنادِه كلُّهم ثِقاتٌ، وقالَ الخَطيبُ: قد رَوى جَماعةٌ عن أبي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ كانَ يَجهَرُ ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ويَأمُرُ به، فذكرَ هذا الحَديثَ، وقالَ -بَدلَ «قرأَ» -: «وَجهرَ». وعنِ الزُّهرِيِّ عن ابنِ المُسيِّبِ عن أبي هُريرةَ قالَ: «كانَ النَّبيُّ يَفتَتِحُ القِراءَةَ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». وعن أبي حازِمٍ عن أبي هُريرةَ قالَ: «كانَ النَّبيُّ يَجهَرُ بِقِراءَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».

قالَ الشَّيخُ أبو مُحمدٍ المَقدِسِيُّ: فلا عُذرَ لِمَنْ يترُكُ صَريحَ هذه الأحاديثِ عن أبي هُريرةَ ويَعتمِدُ حَديثَ: «قَسَمتُ الصَّلاةَ». ويَحمِلُه على تَركِ التَّسمِيَةِ مُطلَقًا، أو على الإسرارِ؛ وليس في ذلك تَصريحٌ بشَيءٍ منها، والجَميعُ رِوايةُ صَحابيٍّ واحدٍ، فالتَّوفيقُ بينَ رِواياتِهم أَولَى مِنْ اعتِقادِ اختِلافِهم، مع أنَّ هذا الحَديثَ الذي رَواهُ الدَّارقُطنيُّ بإسنادِه حَديثُ: «قَسَمتُ الصَّلاةَ» بعَينِه؛ فوجبَ حَملُ الحَديثَينِ على ما صرَّح به في أحَدِهما.

وأمَّا حَديثُ أُمِّ سَلمةَ فرَواه جَماعةٌ مِنْ الثِّقاتِ عن ابنِ جُرَيجٍ عن عَبد اللهِ بنِ أبي مُلَيكَةَ عنها رضي الله عنها قالَت: «كانَ رَسولُ اللهِ يُقَطِّعُ قِراءَتَه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

(٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [﴿: ١ - ٤]». وفي رِوايةٍ: «كانَ النَّبيُّ يَقرأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يُقَطِّعُهَا حَرفًا حَرفًا». وفي رِوايةٍ: «كانَ النَّبيُّ إذَا قرأَ يُقَطِّعُ قِراءَتَه آيَةً آيَةً». رَواهُ الحاكِمُ وابنُ خُزَيمةَ والدَّارقُطنيُّ، وقالَ: إسنادُهُ كلُّهم ثِقاتٌ، وهو إسنادٌ صَحِيحٌ، وقالَ الحاكِمُ: هو صَحِيحٌ على شَرطِ البُخارِيِّ ومُسلِمٍ، ورَواه عمرُ بنُ هارونَ البَلخِيُّ عن ابنِ جُرَيجٍ عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ عن أُمِّ سَلمةَ: «أنَّ رَسولَ اللهِ قرأَ في الصَّلاة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فعَدَّها آيَةً، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آيَتَينِ … » الحَديثَ.

وأمَّا حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ فرَواه الدَّارقُطنيُّ في سُننَهِ والحاكِمُ بإسنادِه عن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «كانَ النَّبيُّ يَجهَرُ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». قالَ الحاكِمُ: هذا إسنادٌ صَحِيحٌ، وليس له عِلَّةٌ، وأخرَج الدَّارقُطنيُّ حَديثَينِ، كِلاهما عن ابنِ عبَّاسٍ، وقالَ في كلِّ واحدٍ منهما: هذا إسنادٌ صَحِيحٌ، ليس في رُواتِه مَجروحٌ، أحَدُهما أنَّ النَّبيَّ : «جهرَ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». والآخَرُ: «كانَ النَّبيُّ يَفتَتِحُ القِراءَةَ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». وهذا الآخَرُ رَواه التِّرمِذِيُّ: قالَ: ليس إسنادُه بذاك.

قالَ أبو مُحمدٍ المَقدِسِيُّ: فحصَل لنا والحَمدُ للهِ عِدَّةُ أحادِيثَ عن ابنِ عبَّاسٍ صحَّحها الأئمَّةُ.

وأمَّا حَديثُ أَنسٍ وعلِيٍّ وسَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ رضي الله عنهم فمَن أرادَ الاطِّلاعَ عليه فليُراجِعِ المَجموَع لِلنَّوَويِّ، وإنَّما تَرَكتُها لِلإطالةِ، واللهُ المُوَفِّقُ.

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: واعلَم أنَّ مَسألةَ الجَهرِ ليست مَبنيَّةً على مَسألةِ إثباتِ البَسمَلَةِ؛ لأنَّ جَماعةً ممَّن يَرى الإسرارَ بها لا يَعتقدونها قُرآنًا، بل يَرَونَها مِنْ سُننِه، كالتَّعوُّذِ والتَّأمينِ، ولأنَّ جَماعةً ممَّن يَرى الإسرارَ بها يَعتقدونها قُرآنًا، وإنَّما أسَرُّوا بها وجهرَ أولئك لمَا تَرجَّح عندَ كلِّ فَريقٍ مِنْ الأخبارِ والآثارِ (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ رحمة الله عليه: اتَّفق العُلماءُ على أنَّه إذا فعلَ كُلًّا مِنْ الأمرَينِ، كانَت عِبادَتُه صَحِيحةً، ولا إثم عليه: لكِن يُنازِعونَ في الأفضَلِ. ومَسألةُ الجَهرِ بالبَسمَلَةِ مِنْ هذا البابِ؛ فإنَّهم مُتَّفِقونَ على أنَّ مَنْ جهرَ بالبَسمَلَةِ صحَّت صَلاتُه، ومَن خافَتَ صحَّت صَلاتُه (٢).

وقالَ أيضًا: وأمَّا البَسمَلَةُ فلا رَيبَ أنَّه كان في الصَّحابةِ مَنْ يَجهَرُ بها، وفيهم مَنْ كانَ لا يَجهَرُ بها، بل يَقرؤُنَها سِرًّا أو لا يَقرؤُنَها، والَّذينَ كانوا يَجهَرونَ بها أكثرُهم كان يَجهَرُ بها تارَةً ويُخافِتُ بها أُخرى، وهذا لأنَّ الذِّكرَ قد تَكونُ السُّنةُ المُخافَتَةَ به، ويَجهَرُ به لِمَصلحَةٍ راجِحةٍ مثلَ تَعليمِ المَأمومينَ؛ فإنَّه قد ثَبت في الصَّحِيحِ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ قد جهرَ بالفاتِحةِ على الجِنازةِ؛ لِيُعلِّمَهم أنَّها سُنَّةٌ …

وثَبت في الصَّحِيحِ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ كانَ يَقولُ: «اللهُ أكبَرُ سُبحانَكَ اللَّهمَّ وبحَمدِكَ وتَباركَ اسمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلهَ غيرُكَ»، يَجهَرُ بذلك

(١) «المجموع» (٣/ ٢٨٠، ٢٩١)، و «شرح مسلم» (٤/ ٩٨).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٦٧).

مرَاتٍ كَثيرةً. واتَّفق العُلماءُ على أنَّ الجَهرَ بذلك ليس بسُنَّةٍ رَاتِبةٍ، لكِن جهرَ به لِلتَّعليمِ، ولذلك نُقِلَ عن بعضِ الصَّحابةِ أنَّه كانَ يَجهَرُ أحيانًا بالتَّعوُّذِ، فإذا كانَ مِنْ الصَّحابَةِ مَنْ جهرَ بالاستِفتاحِ والاستِعاذةِ مع إقرارِ الصَّحابةِ له على ذلك، فالجَهرُ بالبَسمَلَةِ أَولى أن يَكونَ كذلك، وأن يُشرعَ الجَهرُ بها أحيانًا لِمَصلَحةٍ راجِحةٍ.

لكِن لا نِزاعَ بينَ أهلِ العِلمِ بالحَديثِ أنَّ النَّبيَّ لم يَجهَر بالاستِفتاحِ ولا بالاستِعاذةِ، بل قد ثَبت في الصَّحِيحِ أنَّ أبا هُريرةَ قال له: يا رَسولَ اللهِ، أرأيتَ سُكوتَكَ بينَ التَّكبيرِ والقِراءةِ؟ ماذا تَقُولُ؟ قالَ: «أقُولُ: اللَّهمَّ باعِد بَينِي وبينَ خَطايَايَ كما باعَدتَ بينَ المَشرِقِ والمَغربِ، اللَّهمَّ نَقِّني مِنْ خَطايَايَ كما يُنَقَّى الثَّوبُ الأبيَضُ مِنْ الدَّنسِ، اللَّهمَ اغسِلني مِنْ خَطايَاي بالثَّلجِ والماءِ والبَرَدِ».

وفي «السُّننِ» عنه: أنَّه كانَ يَستَعيذُ في الصَّلاةِ قبلَ القِراءةِ، والجَهرُ بالبَسمَلَةِ أقوَى مِنْ الجَهرِ بالاستِعاذةِ؛ لأنَّها آيَةٌ مِنْ كتابِ اللهِ تَعالى، وقد تَنازَعَ العُلماءُ في وُجوبِها، وإن كانوا قد تَنازَعوا في وُجوبِ الاستِفتاحِ، والاستِعاذةِ، وفي ذلك قَولانِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، لكنَّ النِّزاعَ في ذلك أضعَفُ مِنْ النِّزاعِ في وُجوبِ البَسمَلَةِ.

والقائِلونَ بوُجوبِها مِنْ العُلماءِ أفضَلُ وأكثرُ، لكِن لم يثبُت عن النَّبيِّ أنَّه كانَ يَجهَرُ بها، وليس في الصِّحاحِ ولا السُّننِ حَديثٌ صَحِيحٌ صَريحٌ بالجَهرِ، والأحاديثُ الصَّريحةُ بالجَهرِ كلُّها ضَعيفةٌ، بل مَوضوعةٌ، ولهذا لمَّا صَنَّفَ الدَّارقُطنيُّ مُصَنَّفًا في ذلك قيلَ له: هل في ذلك

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 258 - 266

ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر