الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > الصلاة على الحصير والخمرة والبسط من الصوف والشعر وغيرها
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 16 دقيقة قراءةمُجَسَّدَةٍ، فهي شِعارُ الكُفرِ، ومَأوَى الشَّيطانِ، وقد كَرِهَ الفُقهاءُ الصَّلاةَ على البُسُطِ والحُصرِ المُصوَّرةِ، كما صرَّح بهِ أصحابُ أبي حَنيفَةَ وأصحابُ أحمدَ، وهي تُمتَهَنُ وتُداسُ بالأرجُلِ؛ فكيف إذَا كانَت في الحِيطانِ والسُّقوفِ (١).
الصَّلاةُ على الحَصيرِ والخُمرةِ والبُسُطِ مِنْ الصُّوفِ والشَّعرِ وغيرِها:
قال ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: كلُّ ما يُصلَّى عليه كَبيرًا طُولَ الرَّجلِ فأكثرَ، فإنَّه يُقالُ لهُ: حَصيرٌ، ولا يُقالُ لهُ: خُمرةٌ، وكلُّ ذلك يُصنَعُ مِنْ سَعَفِ النَّخلِ وما أشبَهَهُ (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: جَوازُ الصَّلاةِ على الحَصيرِ وسائرِ ما تُنبِتُه الأرضُ مُجمَعٌ عليهِ (٣).
وقالَ الشَّوكانيُّ رحمة الله عليه وقد ذَهب إلى استِحبابِ الصَّلاةِ على الحَصيرِ أكثرُ أهلِ العِلمِ، كمَا قالَ التِّرمذِيُّ، قالَ: إلَّا أنَّ قَومًا مِنْ أهلِ العِلمِ اختَاروا الصَّلاةَ على الأرضِ استِحبابًا. اه (٤).
(١) «حاشية الطحطاوي» (١/ ٢٤٢)، و «عُمدَة القارِي» (٤/ ١٩٢)، و «المدوَّنة» (١/ ٩٠١)، و «كفاية الطالب» (١/ ٢١١)، و «الكافي» لابنِ عبد البَرِّ (١/ ٦٥)، و «الأوسط» (٢/ ١٩٣، ١٩٤)، و «أسنى المطالب» (١/ ١٧٤)، و «المغني» (٢/ ٢٧٠)، و «بداية المجتهد» (١/ ١٦٩)، و «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٦٢)، و «أحكامُ أهلِ الذِّمَّةِ» لابن القيم (٣/ ١٢٣٠، ١٢٣٣).
(٢) «فتح الباري» (١/ ٥٨٣).
(٣) «شرح مُسلِم» (٥/ ١٦٣).
(٤) «نَيلُ الأَوطارِ» (٢/ ١٢٩)، و «سنن التِّرمذي» (٢/ ١٥٣).
قال النَّوويُّ رحمة الله عليه: وهذا مَحمولٌ على استِحبابِ التَّواضُعِ بمُباشَرةِ نَفسِ الأرضِ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمة الله عليه: ولا نِزاعَ بينَ أهلِ العِلمِ في جَوازِ الصَّلاةِ والسُّجودِ على المَفارِشِ إذَا كانَت مِنْ جِنسِ الأرضِ، كالخُمرَةِ والحَصيرةِ ونحوِهِما، وإنَّما تَنازَعوا في كَراهَةِ ذلك على ما ليس مِنْ جِنسِ الأرضِ، كالأَنطَاعِ المَبسوطَةِ مِنْ جُلودِ الأنعامِ، وكالبُسُطِ والزَّرَابِيِّ المَصبُوغةِ مِنْ الصُّوفِ، وأكثرُ أهلِ العِلمِ يُرخِّصُونَ في ذلك أيضًا، وهو مَذهبُ أهلِ الحَديثِ، كالشافِعيِّ وأحمدَ، ومَذهبُ أهلِ الكُوفةِ، كأبي حَنيفَةَ وغيرِهم، وقدِ استَدلُّوا على جَوازِ ذلك أيضًا بحَديثِ عائِشةَ -وسَيأتي إن شاءَ اللهُ- فإنَّ الفِراشَ لم يكن مِنْ جِنسِ الأرضِ، وإنَّما كانَ مِنْ أَدَمٍ أو صُوفٍ (٢).
وأمَّا المالِكِيَّةُ فإنَّه يُكرَهُ عندَهمُ السُّجودُ على ثَوبِ الكتانِ والصُّوفِ والقُطنِ، وكذلكَ بُسُطُ الشَّعرِ والأَدَمِ وأَحلاسِ الدَّوابِّ، ولا يُكرَهُ القِيامُ عليهِ.
قالَ ابنُ بَشيرٍ رحمة الله عليه: قالَ المُحقِّقونَ: إذَا كان الأصلُ الرَّفاهيةَ فكلُّ ما فيهِ رَفاهيَةٌ، ولَو كانَ ممَّا تُنبِتُه الأرضُ، كحُصُرِ السَّامانِ؛ فإنَّه مَكروهٌ، وكلُّ ما لَا تَرَفُّهَ فيهِ فلا يُكرَهُ، ولو كانَ ممَّا لا تُنبِتُه الأرضُ كالصُّوفِ الذي لا يُقصَدُ بهِ التَّرفُّهُ (٣).
(١) «شرح مُسلِم» (٥/ ١٦٣).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٧٤، ١٧٥).
(٣) «مواهب الجليل» (١/ ٥٤٥، ٥٤٧)، و «المدوَّنة» (١/ ١٢٨)، و «الشرح الصغير» (١/ ٢٢٥)، و «المبسوط» (١/ ٢٠٦)، و «عُمدَة القارِي» (٤/ ١٠٨)، و «عون المعبود» (٢/ ٢٥٣)، و «تُحفَة الأَحوَذِي» (٢/ ٢٤٩)، و «المغني» (٢/ ٢٧١).
والأدلَّةُ على جَوازِ الصَّلاةِ على الحُصُرِ وغيرِها كَثيرةٌ، مِنهَا:
١ - حَديثُ أنَس بنِ مالِكٍ رحمة الله عليه أنَّ جَدَّتَه مُلَيكَةَ دَعَت رَسولَ اللهِ ﷺ لِطَعامٍ صَنَعَتهُ لهُ، فأكلَ منهُ ثم قال: قُومُوا فلأُصَلِّ لكُم. قالَ أنَسُ: فقُمتُ إلى حَصيرٍ لنَا قدِ اسوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فنَضَحتُه بماءٍ، فقامَ رَسولُ اللهِ ﷺ وصَفَفتُ وَراءَهُ والعَجوزُ مِنْ وَرائِنَا، فصلَّى لنا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ، ثم انصَرفَ (١).
وقالَ البُخاريُّ في بابِ الصَّلاةِ على الحَصيرِ: وصلَّى جابِرٌ وأبو سَعيدٍ في السَّفينةِ قائمًا.
قالَ ابنُ المُنيرِ: وَجهُ إدخالِه الصَّلاةَ في السَّفينةِ في بابِ الصَّلاةِ على الحَصيرِ أنَّهما اشتركا في أنَّ الصَّلاةَ عليهِما صَلاةٌ على غيرِ الأرضِ؛ لئلَّا يَتخيَّلَ مُتَخيِّلٌ أنَّ مُباشَرةَ الأرضِ شَرطٌ؛ لِقَولهِ في الحَديثِ المَشهورِ: «تَرِّب وَجهَكَ» (٢).
٢ - عن مَيمونةَ رضي الله عنها قالَت: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يُصلِّي على الخُمرَةِ» (٣).
(١) رواه البُخاري (٣٨٠)، ومُسلِم (٦٥٨).
(٢) «فتح الباري» (١/ ٥٨٣).
(٣) رواه البُخاري (٣٨١).
٣ - عن أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ رضي الله عنه أنَّه دخلَ على النَّبيِّ ﷺ قالَ: «فَرَأَيتُه يُصلِّي على حَصِيرٍ يَسجُدُ عليه» (١).
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فيهِ دَليلٌ على جَوازِ الصَّلاةِ على شَيءٍ يَحولُ بينَهُ وبينَ الأرضِ مِنْ ثَوبٍ وحَصيرٍ وصُوفٍ وشَعرٍ وغيرِ ذلك، وسَواءٌ نَبَتَ مِنْ الأرضِ أو لا، وهذا مَذهبُنَا ومَذهبُ الجُمهورِ، وقالَ القاضِي رحمة الله عليه: أمَّا ما نَبَتَ مِنْ الأرضِ فلا كَراهةَ فيهِ، وأمَّا البُسُطُ واللُّبودُ وغيرِها ممَّا ليس مِنْ نَباتِ الأرضِ فتَصحُّ الصَّلاةُ فيهِ بالإجمَاعِ، لكنَّ الأرضَ أفضَلُ منهُ إلَّا لِحاجةِ حَرٍّ أو بَردٍ أو نحوِهِما؛ لأنَّ الصَّلاةَ سِرُّهَا التَّواضُعُ والخُضُوعُ، واللهُ تَعالَى أعلَمُ (٢).
٤ - عن عائِشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «كانَ لهُ حَصِيرٌ يَبسُطُهُ بِالنَّهَارِ وَيَحتَجِرُه بِاللَّيلِ» (٣).
وذَكرَهُ الحافِظُ في الفَتحِ بلَفظِ: «كانَ له حَصِيرٌ يَبسُطُهُ وَيُصلِّي عليه»، ولَعلَّهُ ذكرَهُ بالمعنَى، أو أنَّه رِوايةٌ لِلبُخاريِّ.
٥ - وعنهَا رضي الله عنها قالَت: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي وأنا مُعتَرِضَةٌ بينَهُ وَبينَ القِبلَةِ على الفِرَاشِ الذي يَرقُد عليه هو وَأَهلُه، فإذا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيقَظَنِي فَأَوتَرتُ» (٤).
وكانَ هذا الفِراشُ مِنْ أَدَمٍ حَشوُهُ لِيفٌ.
(١) رواه مُسلِم (٥١٩، ٦٦١).
(٢) «شرح مُسلِم» (٤/ ٢١١).
(٣) رواه البُخاري (٦٩٧).
(٤) رواه البُخاري (٣٨٤)، ومُسلِم (٥١٢)، وأحمد (٦/ ٢٣١)، واللفظ له.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب الصلاة بالنجاسة، وغير ذلك
بابُ الصَّلاةِ بالنَّجاسةِ، وغيرِ ذلك
٢٢٢ - مسألة؛ قال: (وإذا لم تَكُنْ ثِيَابُه طاهِرَةً، ومَوْضِعُ صَلَاتهِ طَاهِرًا، أَعَادَ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الطَّهارةَ من النَّجَاسَةِ في بَدَنِ المُصَلِّى وثَوْبِهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاةِ في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم: ابنُ عَبَّاسٍ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وقَتَادَةُ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ويُرْوَى عن ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّه قال: ليْسَ على ثَوْبٍ جنابةٌ. ونحوُه عن أبي مِجْلَزٍ ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيِّ. وقال الحارِثُ العُكْلِيُّ وابنُ أبِى لَيْلَى: ليْسَ في ثَوْبٍ إعَادَةٌ. ورَأى طَاوُسٌ دَمًا كَثِيرًا في ثَوْبِه، وهو في الصَّلاةِ، فلم يُبَالِه. وسُئِلَ سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، عن الرَّجُلِ يَرَى في ثَوْبِه الأذَى وقد صَلَّى؟ فقال: اقْرَأْ عَلَىَّ الآيةَ التي فيها غَسْلُ الثِّيَابِ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال ابنُ سِيرِينَ: هو الغَسْلُ بالماءِ. وعن أسْمَاءَ ابْنَةِ أبى بكرٍ الصِّدِّيق، رَضِىَ اللهُ عنه، قالت: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن دَمِ الحَيْضِ يَكُونُ في الثَّوْبِ؟ قال: "اقْرُصِيهِ، وصَلِّى فيهِ " . وفى لَفْظٍ قالَتْ: سَمِعْتُ امْرَأةً تَسْألُ رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: كيف تَصْنَعُ إحدانا بِثَوْبِها إذا رَأتِ الطُّهْرَ، أتُصَلِّي فيه؟ قال: "تَنْظُرُ فيهِ، فَإنْ رَأتْ دَمًا فَلْتَقْرُصْهُ بِشَىْءٍ من ماءٍ، ولْتَنْضَحْ مَا لَمْ تَرَ، ولْتُصَلِّ فِيهِ" . رواهُ أبو داوُدَ . ورُوِىَ عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: "إنَّهُما يُعَذَّبَانِ وما يُعَذَّبَانِ فِي
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل شرائط أركان الصلاة
بِدُونِهَا، وَيُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِسَائِرِ الْأَرْكَانِ فَأَمَّا التَّحْرِيمَةُ فَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا بَلْ هِيَ شَرْطٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رُكْنٌ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَإِلَيْهِ مَالَ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِحْرَامُ فِي بَابِ الْحَجِّ أَنَّهُ شَرْطٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ رُكْنٌ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَنَّ عِنْدَنَا يَجُوزُ بِنَاءُ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ بِأَنْ يُحْرِمَ لِلْفَرْضِ وَيَفْرُغَ مِنْهُ وَيَشْرَعَ فِي النَّفْلِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمَةٍ جَدِيدَةٍ، وَعِنْدَهُ لَا يَجُوزُ وَوَجْهُ الْبِنَاءِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ التَّحْرِيمَةَ لَمَّا كَانَتْ شَرْطًا جَازَ أَنْ يَتَأَدَّى النَّفَلُ بِتَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ كَمَا يَتَأَدَّى بِطَهَارَةٍ وَقَعَتْ لِلْفَرْضِ وَعِنْدَهُ لَمَّا كَانَتْ رُكْنًا وَقَدْ انْقَضَى الْفَرْضُ بِأَرْكَانِهِ فَتَنْقَضِي التَّحْرِيمَةُ أَيْضًا.
(وَجْهُ) قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَدَّ الرُّكْنِ مَوْجُودٌ فِيهَا وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَكَذَا وُجِدَتْ عَلَامَةُ الْأَرْكَانِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَدُومُ بَلْ تَنْقَضِي، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا مَا يُشْتَرَطُ لِسَائِرِ الْأَرْكَانِ بِخِلَافِ الشُّرُوطِ.
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.