الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > القنوت في الفجر
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 36 دقيقة قراءةالقُنوتُ في الفَجرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ القُنوتِ في صَلاةِ الفَجرِ على ثَلاثةِ أقوالٍ:
القولُ الأوَّلُ: أنَّه غيرُ مَشروعٍ ولا يُسنُّ فيها، وهو لِلحَنفيَّةِ والحَنابلَةِ.
قالَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ رحمة الله عليه: هو بِدعةٌ. وقالَ الحَنابلَةُ في الصَّحِيحِ: يُكرَهُ.
استدَلُّوا على ذلك بما رَواه أنَسُ بنُ مالِكٍ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ: «قنَت في صَلاةِ الصُّبحِ شَهرًا يَدعُو على أَحيَاءٍ مِنْ أَحيَاءِ العَرَبِ، ثم تركَه» (١).
قالوا: فكانَ مَنسوخًا؛ إذِ التَركُ دَليلُ النَّسخِ، وممَّا يدلُّ على ذلك أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ: «كانَ يَقنُتُ في الصُّبحِ وَالمَغربِ» (٢)، وقد نُسِخَ في المَغربِ بالإجماعِ، فيَكونُ الصُّبحُ كذلك.
وبما رَواه أبو مالِكٍ الأشجَعيُّ قالَ: قُلتُ لأَبي: يا أَبَتِ، إنَّكَ قد صلَّيتَ خلفَ رَسولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكرٍ وَعمرَ وَعُثمانَ وَعَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ هَهُنَا بِالكُوفَةِ نَحوًا مِنْ خَمسِ سِنِينَ، أَكانُوا يَقنُتُونَ في الفَجرِ؟ قالَ: «أَي بُنَيَّ، مُحدَثٌ»، وفي لَفظٍ: «يا بُنَيَّ، بِدعَةٌ» (٣)، ولأنَّه لو كانَ في الصُّبحِ مَسنونًا لَكانَ نَقلُه مُتَواتِرًا.
(١) رَواه البخاري (٢/ ٣٨٦)، ومُسلِم (٦٧٧)، واللفظ المذكور مركب من عدة روايات لهما.
(٢) رَواه مُسلِم (٦٧٨).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رَواه التِّرمذي (٤٠٢)، والنسائي (١٠٨٠)، وابن ماجه (١٢٤١).
قالَ الجَصَّاصُ: رُويَ في أخبارٍ مُستَفيضةٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قنَت في صَلاةِ الفَجرِ والمَغربِ والعِشاءِ، ثم رَوى عَبد اللهِ بنُ مَسعودٍ، وأبو هُريرةَ، وعَبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي بَكرٍ رضي الله عنهم أنَّه تركَه بعدَ فِعلِه.
واختلَفتِ الرِّوايةُ عن أنَسٍ، فرَوى عَمرُو بنُ عُبيدٍ عن الحَسنِ عن أنَسٍ رضي الله عنه «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ما زالَ يَقنُتُ في صَلاةِ الغَداةِ إلى أن فارقَ الدُّنيا».
وكذلك رَوى أبو جَعفَرٍ الرَّازِيُّ عن الرَّبيعِ بنِ أنَسٍ عن أنَسٍ رضي الله عنهما.
ورَوى حُمَيدٌ عن أنَسٍ رضي الله عنه قالَ: «قنَت رَسولُ اللهِ ﷺ عِشرينَ يَومًا».
ورَوى أيُّوبُ عن ابنِ سِيرينَ عن أنَسٍ رضي الله عنه قالَ: «قنَت رَسولُ اللهِ ﷺ في صَلاةِ الفَجرِ يَسيرًا».
ورَوى أبو نُعَيمٍ عن هِشامٍ الدَّستُوَائِيِ عن قَتادةَ عن أنَسٍ رضي الله عنه قالَ: «قنَت رَسولُ اللهِ ﷺ بعدَ الرُّكوعِ يَدعُو على حَيٍّ من أحياءِ العَرَبِ، ثم تركَه، وكانَ يَدعُو على رِعلٍ، وذَكوانَ».
فتَضادَّت أخبارُ أنَسٍ رضي الله عنه في تَركِ القُنوتِ أو فِعلِه إلى أن فارقَ الدُّنيا، فسقطَت كأنَّها لم تَرِد، وبَقيَت لنا أخبارُ الآخَرينَ في تَركِه القُنوتَ بعدَ فِعلِه؛ فوجبَ أن تَكونَ أَولى؛ إذ كانَ آخر فِعلِه ﷺ.
ولمَّا اتَّفق الفُقهاءُ جَميعًا على تَركِ ما رُويَ في القُنوتِ في المَغربِ والعِشاءِ، كان كذلك القُنوتُ في الفَجرِ؛ لأنَّ القُنوتَ فيها كلِّها كانَ في وَقتٍ
واحدٍ، ثم كانَ ما عَدا صَلاةَ الفَجرِ مَنسوخًا بالتَّركِ، وجبَ أن يَكونَ كذلك حكمُه في الفَجرِ.
فإن قيلَ: هَلَّا كانَ التَّركُ على وَجهِ التَّخييرِ دونَ النَّسخِ، قيلَ له: لأنَّه لمَّا كانَ القُنوتُ مِنْ سُنَّةِ الصَّلاةِ في حالِ ما كانَ يُفعَلُ، دلَّ تَركُه إيَّاه على أنَّه قد خرَج مِنْ أن يَكونَ مِنْ سُننِها؛ لأنَّا وَجَدنا سائِرَ سُننِ الصَّلاةِ لا يَكونُ المُصلِّي مُخيَّرًا فيها بينَ فِعلِها وتَركِها، كسَجدَتَيِ السَّهوِ، والتشهُّدِ، وتَسبيحِ الرُّكوعِ والسُّجودِ، وثَناءِ الافتِتاحِ، فلو كانَت سُنَّةُ القُنوتِ باقيَةً، لَمَا كانَ تَركُه مُباحًا، ألَا تَرَى أنَّ تَركَ القُنوتِ في المَغربِ والعِشاءِ ليس عندَ الجَميعِ على جِهةِ التَّخييرِ، بل على وَجهِ النَّسخِ، فكذلك القُنوتُ في الفَجرِ.
وأيضًا: لو كانَ فِعلُ القُنوتِ مَسنونًا في صَلاةِ الفَجرِ، لَوجبَ أن يَردَ النَّقلُ به مُتَواتِرًا، وأن يَعرِفَه جُلُّ الصَّحابةِ؛ لعُمومِ الحاجةِ إليه، كفِعلِ التشهُّدِ، وتَكبيرِ الرُّكوعِ، والسُّجودِ، فلمَّا وَجَدنا عَبد اللهِ بنَ مَسعودٍ، وعَبد اللهِ بنَ عبَّاسِ، وعمرَ في رِوايةٍ، وابنَ عمرَ رضي الله عنهم كانوا لا يَرَونَ القُنوتَ فيها، عَلِمنا أنَّه مَنسوخٌ بتَركِ النَّبيِّ ﷺ إيَّاه.
ولأنَّ ابنَ مَسعودٍ وابنَ عمرَ رضي الله عنهما قد رَوَيَا خَبرَ القُنوتِ، ثم رَوى قَتادةُ عن أبي مِجلَزٍ قالَ: «صلَّيتُ خلفَ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، فلم يَقنُت، فقُلتُ: الكِبَرُ يَمنَعُكَ؟ قالَ: ما أحفَظُه عن أحَدٍ مِنْ أصحابي».
وذكرَ أبو الشَّعثاءِ عنه نحوَ ذلك في صَلاةِ الفَجرِ.
وحدَّثنا عَبدُ الباقي بنُ قانِعٍ قالَ: حدَّثنا علِيُّ بنُ مُحمدٍ قالَ: حدَّثنا أبو الوَليدِ قالَ: حدَّثنا زائِدةُ عن أشعَثَ عن أبي الشَّعثاءِ عن أبيه قالَ: «سُئلَ
ابنُ عمرَ رضي الله عنهما عن القُنوتِ في الغَداةِ، فقالَ: ما كُنْتُ أرى أنَّ أحَدًا يَقنُتُ في الغَداةِ».
وحدَّثنا عَبدُ الباقي قالَ: حدَّثنا الحَسنُ بنُ المُثَنى قالَ: حدَّثنا عَفَّانُ قالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيدٍ قالَ: حدَّثنا بِشرُ بنُ حَربٍ قالَ: سَمِعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما يَقولُ: «أرأيتُم قيامَكم بعدَ فَراغِ الإمامِ مِنْ القِراءةِ -هذه البِدعَةَ-؟ واللهِ إنَّه لَبِدعَةٌ، ما فعلَه رَسولُ اللهِ ﷺ إلا شَهرًا، ثم تركَه».
وقالَ الأسوَدُ وعَمرُو بنُ مَيمونَ: «صلَّينا خلفَ عمرَ رضي الله عنه الفَجرَ، فلم يَقنُت».
وقالَ الأسوَدُ: «وكانَ عمرُ رضي الله عنه إذا حارَبَ قنَت، وإذا لم يُحارِب لم يَقنُت».
وقالَ عَلقَمةُ: «لَقيتُ أبا الدَّرداءِ رضي الله عنه بالشَّامِ، فسألتُه عن القُنوتِ، لم يَعرِفه».
وقالَ إبراهيمُ النَّخَعيُّ: «أوَّلُ مَنْ قنَت ههنا في الفَجرِ علِيٌّ رضي الله عنه، وكانوا يَرَونَ أنَّه إنَّما فعلَ ذلك لأنَّه كانَ مُحارِبًا، فكانَ يَدعو على أعدائِه في القُنوتِ في الفَجرِ والمَغربِ».
وحدَّثنا عَبدُ الباقي بنُ قانِعٍ قالَ: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عَبد اللهِ قالَ: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ قالَ: حدَّثنا مُحمدُ بنُ يَعلَى عن عَنبَسَةَ بنِ عَبد الرَّحمنِ عن عَبد اللهِ بنِ نافِعٍ عن أبيه عن أُمِّ سَلمةَ رضي الله عنها «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن القُنوتِ في صَلاةِ الصُّبحِ».
وهذا الحَديثُ يَقضِي على ما رُويَ في القُنوتِ؛ لأنَّ فيه نَهيًا يَمنَعُ تَأويلَ التَّخييرِ في تَركِ القُنوتِ وفِعلِه (١).
فإن قنَت الإمامُ في صَلاةِ الفَجرِ سكتَ مَنْ خلفَه عندَ أبي حَنيفَةَ ومُحمدٍ، -رحمهما الله-.
وقالَ أبُو يُوسفَ رحمة الله عليه: يُتابِعُه؛ لأنَّه تَبَعٌ لِإمامِه، والقُنوتُ مُجتَهَدٌ فيه.
ولهما أنَّه مَنسوخٌ، ولا مُتابعَةَ فيه، ثم قيلَ: يَقِفُ قائِمًا؛ لِيُتابِعَه فيما تَجِبُ مُتابعَتُه، وقيلَ: يَقعُدُ؛ تَحقيقًا لِلمُخالَفَةِ؛ لأنَّ السَّاكِتَ شَريكُ الدَّاعي، والأوَّلُ أظهَرُ.
ويَتبَعُ المُؤتَمُّ الحَنفِيُّ في القُنوتِ إمامًا شافِعيًّا قانتًا الوِترَ، ولو بعدَ الرُّكوعِ (٢).
القولُ الثاني: أنَّ القُنوتَ في الفَجرِ سُنَّةٌ ومُستحَبٌّ، وهو قولُ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ.
قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ رحمة الله عليه: يَقنُتُ في صَلاةِ الصُّبحِ؛ خِلافًا لِأبي حَنيفَةَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَقنُتُ فيما رَواهُ أبوهُريرةَ وخُفافُ بنُ
(١) «مختصر الطَّحاوي» للجصاص (١/ ٦٦٩، ٦٧٤).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (١/ ٢١٥)، و «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٤٤، ٢٥٣)، و «شرح فتح القدير» (١/ ٤٣١)، و «الهداية» (١/ ٦٦)، و «العناية» (٢/ ١٨٨)، و «البَدائِع» (١/ ٢٧٣)، و «البناية شرح الهداية» (٢/ ٤٩٤، ٤٩٥)، و «مجمع الأنهر» (١/ ١٩٣)، و «فتح باب العناية بشرح النقاية» (١/ ٣٨٥)، و «الإفصاح» (١/ ١٨٦)، و «المغني» (٢/ ٣٥٠)، و «كشاف القناع» (١/ ٤٢١)، و «الإنصاف» (٢/ ١٧٤)، و «نيل الأوطار» (٢/ ٣٩٤، ٣٩٨).
إيماءٍ والبَراءُ وأنَسُ بنُ مالِكٍ، وقالَ أنَسٌ: «ما زالَ يَقنُتُ في الفَجرِ حتى فارقَ الدُّنيا» (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: اعلَم أنَّ القُنوتَ مَشروعٌ عندَنا في الصُّبحِ، وهو سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ (٢).
واستدَلُّوا على ذلك بمَا رَواهُ أنَسُ بنُ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: «ما زَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَقنُتُ في الفَجرِ حتى فَارَقَ الدُّنيا» (٣).
ولأنَّه دُعاءٌ مَسنونٌ في صَلاةٍ غيرِ مَفروضةٍ -وهي الوِترُ- وجبَ أن يَكونَ مَسنونًا في صَلاةٍ مَفروضةٍ، كقولِه: «اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ»، ولأنَّها صَلاةُ نَهارٍ يُجهَرُ فيها بالقِراءةِ، وجبَ أن تَختَصَّ بِذِكرٍ لا يُشارِكُها فيه غيرُها، كالجمُعةِ في اختِصاصِها بالخُطبةِ.
قالَ الماوَردِيُّ رحمة الله عليه: وقولُهم: لو كانَ القُنوتُ في الصُّبحِ سُنَّةً لَكانَ نَقلُه تَواتُرًا؛ لعُمومِ البَلوى به، فيُرجَعُ عليهم في الوِترِ، ثم يُقالُ: إنَّما يجبُ أن يَكونَ بَيانُه مُستَفيضًا، ولا يَلزمُ أن يَكونَ نَقلُه مُتواتِرًا، أَلَا تَرَى أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَجَّ في خَلقٍ كَثيرٍ فَبيَّن لهمُ الحَجَّ بَيانًا مُستَفيضًا، ولم يَنقُله مِنْ الصَّحابةِ إلا اثنا عَشَرَ نَفسًا، اختَلفَ فيه خَمسةٌ منهم أنَّه ﷺ أفرَدَ،
(١) «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٩٤) (٢١١).
(٢) «الأذكار» (١/ ٤٩).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام أحمد في «المسند» (١٢٦٧٩)، والطَّحاوي في «شَرح المَعاني» (١/ ٢٢٤)، والدَّارقطنيُّ (٢/ ٣٩)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (٢/ ٢٠١).
وأربَعةٌ أنَّه تَمَتَّعَ ﷺ، وثَلاثَةٌ أنَّه ﷺ قَرَنَ (١).
وقالوا: قولُهم: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ تركَه في المَغربِ بالإجماعِ، فيَكونُ في الصُّبحِ كذلك، فنَقولُ: إنَّنا أجمَعنا على أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قنَت في الفَجرِ ثم اختَلَفنا: هل تركَ فنَتمسَّكَ بما أجمَعنا عليه حتى يثبُتَ ما اختَلَفنا فيه (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اختَلَفوا في القُنوتِ، فَذَهب مالِكٌ إلى أنَّ القُنوتَ في صَلاةِ الصُّبحِ مُستحَبٌّ، وذَهب الشافِعيُّ إلى أنَّه سُنَّةٌ، وذَهب أبو حَنيفَةَ إلى أنَّه لا يَجوزُ القُنوتُ في صَلاةِ الصُّبحِ، وأنَّ القُنوتَ إنَّما مَوضِعُه الوِترُ.
وقالَ قَومٌ: بل يَقنُتُ في كلِّ صَلاةٍ، وقالَ قَومٌ: لا قُنوتَ إلا في رَمضانَ، وقالَ قَومٌ: بل في النِّصفِ الأخيرِ منه، وقالَ قَومٌ: بل في النِّصفِ الأوَّلِ منه.
والسَّببُ في ذلك اختِلافُ الآثارِ المَنقُولةِ في ذلك عن النَّبيِّ
(١) «الحاوي الكبير» (٢/ ١٥٢).
(٢) يُنظر: «المُدوَّنة الكبرى» (١/ ١٠٢)، و «الموطأ» (١/ ١٥٩)، و «الاستذكار» (٢/ ٢٩٢)، وما بعدها، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٩٤) (٢١١). و «التاج والإكليل» (١/ ٥٣٩)، و «شرح الزرقاني» (١/ ٤٥٦)، و «الفواكه الدواني» (١/ ١٨٥)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٤٥)، و «الحاوي الكبير» (٢/ ١٥٠)، و «فتح الباري» (٢/ ٤٩١)، و «الأمُّ» (١/ ١٤٢، ١٤٠)، و «شرح مسلم» (٥/ ١٧٦٥/ ١٧٨)، و «المجموع» (٣/ ٤٥٨)، و «الإفصاح» (١/ ١٨٦)، و «طرح التثريب» (٢/ ٢٥٥)، و «نيل الأوطار» (٢/ ٣٩٤، ٣٩٨).
ﷺ، وقياسُ بعضِ الصَّلواتِ في ذلك على بَعضٍ، أعني التي قنَت فيها على التي لم يَقنُت فيها.
قال أبو عمرَ بنُ عَبد البرِّ: والقُنوتُ بلَعنِ الكفَرةِ في رَمضانَ مُستَفيضٌ في الصَّدرِ الأوَّلِ؛ اقتِداءً برَسولِ اللهِ ﷺ في دُعائِه على رِعلٍ وذَكوانَ والنَّفَرِ الَّذينَ قَتَلوا أصحابَ بِئرِ مَعُونةَ.
وقالَ اللَّيثُ بنُ سَعدٍ: ما قنَت مُنذُ أربَعينَ عامًا، أو خَمسَةٍ وأربَعينَ عامًا إلا وَراءَ إمامٍ يَقنُتُ.
قالَ اللَّيثُ: وأخَذتُ في ذلك بالحَديثِ الذي جاءَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قنَت شَهرًا أو أربَعينَ يَدعُو لِقَومٍ ويَدعُو على آخَرينَ، حتى أنزَلَ اللهُ تبارك وتعالى عليه مُعاتِبًا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، فتركَ رَسولُ اللهِ ﷺ القُنوتَ، فما قنَت بعدَها حتى لَقيَ اللهَ، قالَ: فمُنذُ حَمَلتُ هذا الحَديثَ لم أقنُت، وهو مَذهبُ يَحيَى بنِ يَحيَى.
قال القاضي: ولقد حَدَّثَني الأشياخُ أنَّه كانَ العملُ عليه بمَسجدِه عندَنا بقُرطُبَةَ، وأنَّه استَمرَّ إلى زَمانِنا أو قَريبٍ مِنْ زَمانِنا.
وخرَّج مُسلِمٌ عن أبي هُريرةَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قنَت في صَلاةِ الصُّبحِ، ثم بلغَنا أنَّه تركَ ذلك لمَّا نَزَلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]»، وخرَّج عن أبي هُريرةَ أنَّه قنَت في الظُّهرِ والعِشاءِ الأخيرةِ وصَلاةِ الصُّبحِ، وخرَّج عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه قنَت شَهرًا في صَلاةِ الصُّبحِ يَدعُو على بَني عُصَيَّةَ.
واختَلَفوا فيما يَقنُتُ به، فاستَحَبَّ مالِكٌ القُنوتَ ب «اللَّهمَّ إنَّا نَستَعينُكَ ونَستَغفِرُكَ ونَستَهديكَ، ونُؤمِنُ بكَ، ونَخنَعُ لكَ، ونَخلَعُ ونَترُكُ مَنْ يكفرُكَ، اللَّهمَّ إياكَ نَعبُدُ، ولكَ نُصَلِّي ونَسجُدُ، وإليكَ نَسعى ونَحفِدُ، نَرجو رَحمَتَكَ ونَخافُ عَذَابَكَ، إنَّ عَذابَكَ بالكُفَّارِ مُلحَقٌ»، ويُسمِّيها أهلُ العِراقِ السُّورَتَينِ، ويُروَى أنَّها في مُصحَفِ أُبَيِّ بنِ كَعبٍ.
وقالَ الشافِعيُّ وإسحاقُ: بل يَقنُتُ ب «اللَّهمَّ اهدِنا فيمَن هَدَيتَ، وعافِنا فيمَن عافَيتَ، وقِنا شَرَّ ما قَضيتَ؛ إنَّكَ تَقضي ولا يُقضَى عليكَ، تَبارَكتَ رَبَّنَا وتَعالَيتَ»، وهذا يَرويهِ الحَسنُ بنُ علِيٍّ مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ أنَّ النَّبيَّ عليه الصلاة والسلام علَّمه هذا الدُّعاءَ يَقنُتُ به في الصَّلاةِ.
وقالَ عَبد اللهِ بنُ داودَ: مَنْ لم يَقنُت بالسُّورَتَينِ فلا يُصلَّى خلفَه، وقالَ قَومٌ: ليس في القُنوتِ شَيءٌ مَوقوتٌ (١).
القولُ الثَّالثُ: لِشَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّة وابنِ القَيِّمِ أنَّه يُسنُّ عندَ الحاجةِ إليه.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمة الله عليه: أمَّا القُنوتُ في الصُّبحِ فقد ثَبت في الصَّحِيحِ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كانَ يَقنُتُ في النَّوازِلِ: «قنَت مرَّةً شَهرًا يَدعُو على قَومٍ مِنْ الكُفَّارِ قتلُوا طَائِفَةً مِنْ أصحَابِه، ثم تركَه»، وقنَت مرَّةً أُخرى يَدعُو لِأقوامٍ مِنْ أصحابِه كانوا مَأسُورِينَ عندَ أقوامٍ يَمنَعُونَهم مِنْ الهِجرةِ إليه، وكذلك خُلفاؤُه الرَّاشِدونَ بعدَه كانوا يَقنُتونَ نحوَ هذا القُنوتِ،
(١) «بداية المجتهد» (١/ ١٨٦، ١٨٨).
فما كانَ يُداوِمُ عليه، وما كانَ يَدعُه بالكلِّيَّةِ». ولِلعُلماءِ فيه ثَلاثُةُ أقوالٍ:
قيلَ: إنَّ المُداوَمةَ عليه سُنَّةٌ.
وقيلَ: إنَّ القُنوتَ مَنسوخٌ، وإنَّه كلَّه بِدعَةٌ.
والقولُ الثَّالثُ -وهو الصَّحِيحُ-: أنَّه يُسنُّ عندَ الحاجةِ إليه، كما قنَت رَسولُ اللهِ وخُلَفاؤُه الرَّاشِدونَ (١).
وقالَ في مَوضِعٍ آخرَ: وطائِفةٌ مِنْ أهلِ العِراقِ اعتَقَدَت أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَقنُت إلا شَهرًا، ثم تركَه على وَجهِ النَّسخِ له، فاعتَقَدوا أنَّ القُنوتَ في المَكتوباتِ مَنسوخٌ.
وهناك طائِفةٌ مِنْ أهلِ الحِجازِ اعتَمَدوا أنَّ النَّبيَّ ﷺ ما زالَ يَقنُتُ حتى فارقَ الدُّنيا، ثم منهم مَنِ اعتَقَدَ أنَّه كان يَقنُتُ قبلَ الرُّكوعِ، ومنهم مَنْ كانَ يَعتقدُ أنَّه كانَ يَقنُتُ بعدَ الرُّكوعِ.
والصَّوابُ هو القولُ الثَّالثُ الذي عليه جُمهورُ أهلِ الحَديثِ، وعليه كَثيرٌ مِنْ أئِمَّةِ أهلِ الحِجازِ، وهو الذي ثَبت في الصَّحِيحَينِ وغيرِهما: «أنَّه ﷺ قنَت شَهرًا يَدعُو على رِعلٍ وَذَكوَانَ وَعُصَيَّةَ» (٢)، ثم تركَ هذا القُنوتَ، ثم إنَّه بعدَ ذلك بمدَّةٍ بعدَ خَيبَرَ، وبعدَ إسلامِ أبي هُريرةَ قنَت، وكانَ يَقولُ في قُنوتِه: «اللَّهُمَّ، أَنجِ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدِ، وَسَلمةَ بنَ هِشَامٍ، وَالمُستَضعَفِينَ مِنْ المُؤمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشدُد وَطأَتَكَ على مُضَرَ، وَاجعَلهَا
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٩٨، ٩٩).
(٢) رَواه البخاري (٢٨٩٩)، ومُسلِم (٦٧٧).
عليهم سِنِينَ كَسِنِي يُوسفَ» (١)، فلو كانَ قد نُسِخَ القُنوتُ لم يَقنُت هذه المرَّةَ الثانيةَ.
وقد ثَبت عنه في الصَّحِيحِ: «أَنَّه قنَت في المَغربِ، وَفِي العِشاءِ الآخرةِ» (٢) وفي السُّننِ: «كانَ يَقنُتُ في الصَّلواتِ الخَمسِ، وَأَكثَرُ قُنوتِه كانَ في الفَجرِ»، ولم يكن يُداوِمُ على القُنوتِ، لا في الفَجرِ ولا في غيرِها، بل قد ثَبت في الصَّحِيحَينِ عن أنَسٍ أنَّه قالَ: «لَم يَقنُت بعدَ الرُّكُوعِ إلَّا شَهرًا» (٣)، فالحَديثُ الذي رَواهُ الحاكِمُ وغيرُه مِنْ حَديثِ الرَّبيعِ بنِ أنَسٍ أنَّه قالَ: «مَا زَالَ يَقنُتُ حتى فَارَقَ الدُّنيا» (٤)، إنَّما قالَه في سِياقِ القُنوتِ قبلَ الرُّكوعِ، وهذا الحَديثُ لو عارَضَ الحَديثَ الصَّحِيحَ لم يُلتَفَت إليه؛ فإنَّ الرَّبيعَ بنَ أنَسٍ ليس مِنْ رِجالِ الصَّحِيحٍ؛ فكيفَ وهو لم يُعارِضه، وإنَّما مَعناه أنَّه كانَ يُطيلُ القيامَ في الفَجرِ دائِمًا، وأمَّا أنَّه كانَ يَدعو في الفَجرِ دائِمًا قبلَ الرُّكوعِ أو بعدَه بدُعاءٍ يُسمعَ منه، أو لا يُسمَعُ، فهذا باطِلٌ قَطعًا، وكلُّ مَنْ تأَمَّلَ الأحادِيثَ الصَّحِيحةَ علِم هذا بالضَّرورةِ، وعلِم أنَّ هذا القولَ لو كانَ واقِعًا لَنقلَه الصَّحابَةُ والتَّابِعونَ، ولَمَا أهمَلوا قُنوتَه الرَّاتبَ المَشروعَ لنا، مع أنَّهم نَقَلوا قُنوتَه الذي لا يُشرعُ بعَينِه، وإنَّما يُشرعُ نَظيرُه.
فيُشرعُ أن يَقنُتَ عندَ النَّوازِلِ، يَدعو لِلمُؤمِنينَ، ويَدعو على الكُفَّارِ في
(١) رَواه البخاري (٧٧١، ٩٦١)، ومُسلِم (٦٧٥).
(٢) رَواه مُسلِم (٦٧٦، ٦٧٨).
(٣) رَواه البخاري (٢٩٩٩)، ومُسلِم (٦٧٧).
(٤) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: تَقَدَّم.
الفَجرِ، وفي غيرِها مِنْ الصَّلواتِ، وهكذا كانَ عمرُ يَقنُتُ لمَّا حارَبَ النَّصارَى بدُعائِه الذي فيه: «اللَّهُمَّ العَن كفرَةَ أَهلِ الكتابِ» إلى آخرِه، وكذلك علِيٌّ رضي الله عنه لمَّا حارَبَ قَومًا قنَت يَدعُو عليهم. ويَنبَغي لِلقانِتِ أن يَدعُوَ عندَ كلِّ نازِلةٍ بالدُّعاءِ المُناسِبِ لتلك النَّازِلةِ، وإذا سَمَّى مَنْ يَدعُو لهم مِنْ المُؤمِنينَ، ومَن يَدعُو عليهم مِنْ الكافِرينَ المُحارِبينَ كانَ ذلك حَسَنًا (١).
وقالَ ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه: والإفصاحُ الذي يَرتَضِيهِ العالِمُ المُنصِفُ أنَّه ﷺ جهرَ وأَسرَّ، وقنَت وتركَ، وكانَ إسرارُه أكثرَ مِنْ جَهرِه، وتَركُه القُنوتَ أكثرَ مِنْ فِعلِه، فإنَّه إنَّما قنَت عندَ النَّوازِلِ لِلدُّعاءِ لِقَومٍ، ولِلدُّعاءِ على آخَرينَ، ثم تركَه لمَّا قَدِمَ مَنْ دَعا لهم، وتَخَلَّصوا مِنْ الأسرِ وأسلَمَ مَنْ دَعا عليهم، وجاؤُوا تائِبينَ، فكانَ قُنوتُه لِعارِضٍ، فلمَّا زالَ تركَ القُنوتَ، ولم يَختَصَّ الفَجرَ، بل كانَ يَقنُتُ في صَلاةِ الفَجرِ وصَلاةِ المَغربِ، ذكرَه البُخاريُّ في صَحِيحِه عن أنَسٍ، وقد ذكرَه مُسلِمٌ عن البَراءِ، وذكرَ الإمامُ أحمدُ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «قنَت رَسولُ اللَّهِ ﷺ شَهرًا مُتَتَابِعًا في الظُّهرِ وَالعَصرِ وَالمَغربِ وَالعِشاءِ وَالصُّبحِ في دُبُرِ كلِّ صَلاةٍ، إِذَا قالَ: سمِع اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، مِنْ الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ، يَدعُو على حَيٍّ مِنْ بَنِي سُلَيمٍ، على رِعلٍ وَذَكوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خلفَه» ورَواه أبو داودَ (٢).
وكانَ هَديُه ﷺ القُنوتَ في النَّوازِلِ خاصَّةً، وتَركَه عندَ عدمِها، ولم يكن يَخُصُّه بالفَجرِ، بل كانَ أكثرُ قُنوتِه فيها لِأجلِ ما شُرِعَ فيها مِنْ
(١) «الفتاوى الكبرى» (٢/ ٤٧٧، ٤٧٨).
(٢) رَواه الإمام أحمد (١/ ٣٠١)، وأبو داود (١٤٤٣).
التَّطويلِ، ولِاتِّصالِها بصَلاةِ اللَّيلِ، وقُربِها مِنْ السَّحَرِ وساعةِ الإجابةِ، ولِلتَّنزِيلِ الإلهِيِّ، ولأنَّها الصَّلاةُ المَشهودَةُ التي يَشهَدُها اللهُ ومَلائِكَتُه، أو مَلائِكةُ اللَّيلِ والنَّهارِ، كما رُويَ هذا، وهذا في تَفسيرِ قولِه تَعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
وصحَّ عن أبي هُريرةَ أنَّه قالَ: «وَاللَّهِ لَأَنَا أَقرَبُكُم صَلاةً بِرَسولِ اللهِ ﷺ»، فَكانَ أَبُو هُريرةَ يَقنُتُ في الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ صَلاةِ الصُّبحِ بعدَمَا يَقولُ: «سمِع اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، فَيَدعُو لِلمُؤمِنِينَ، وَيَلعَنُ الكُفَّارَ (١).
ولا رَيبَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فعلَ ذلك، ثم تركَه، فَأَحبَّ أبو هُريرةَ أن يُعلِّمَهم أنَّ مثلَ هذا القُنوتِ سُنَّةٌ، وأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فعلَه، وهذا رَدٌّ على أهلِ الكُوفةِ -أي: الحَنفيَّةِ- الَّذينَ يَكرَهونَ القُنوتَ في الفَجرِ مُطلَقًا عندَ النَّوازِلِ وعندَ غيرِها، ويَقولُونَ: هو مَنسوخٌ، وفِعلُه بِدعةٌ.
فأهلُ الحَديثِ مُتوسِّطونَ بينَ هَؤلاءِ وبينَ مَنِ استَحَبَّه عندَ النَّوازِلِ وغيرِها؛ وهُم أسعَدُ بالحَديثِ مِنْ الطَّائِفَتَينِ؛ فإنَّهم يَقنُتونَ حيثُ قنَت رَسولُ اللهِ ﷺ، ويترُكونَه حيثُ تركَه، فيَقتَدونَ به في فِعلِه وتَركِه، ويَقولُونَ: فِعلُه سُنَّةٌ، وتَركُه سُنَّةٌ، ومع هذا لا يُنكِرُونَ على مَنْ دَاوَمَ عليه، ولا يَكرَهُونَ فِعلَه، ولا يَرَونَه بِدعةً، ولا فاعِلَه مُخالِفًا لِلسُّنَّةِ، كما لا يُنكِرونَ على مَنْ أنكَرَه عندَ النَّوازِلِ، ولا يَرَونَ تَركَه بِدعةً ولا تاركَه مُخالِفًا لِلسُّنَّةِ، بل مَنْ قنَت فقد أحسَنَ، ومَن تركَه فقد أحسَنَ (٢).
(١) رَواه البخاري (٧٦٤).
(٢) «زاد المعاد» (١/ ٢٧٢، ٢٧٥).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصلاة الثاني
الباب الثاني في ركعتي الفجر
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أَوْتَرَ ثُمَّ نَامَ فَقَامَ يَتَنَفَّلُ أَنَّهُ لَا يُوتِرُ ثَانِيَةً، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا وَتَرَانِ فِي لَيْلَةٍ» . خَرَّجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَشْفَعُ الْوِتْرَ الْأَوَّلَ بِأَنْ يُضِيفَ إِلَيْهِ رَكْعَةً ثَانِيَةً، وَيُوتِرَ أُخْرَى بَعْدَ التَّنَفُّلِ شَفْعًا، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ التِي يَعْرِفُونَهَا بِنَقْضِ الْوَتْرِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ يَنْقَلِبُ إِلَى النَّفْلِ بِتَشْفِيعِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّنَفُّلَ بِوَاحِدَةٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنَ الشَّرْعِ.
وَتَجْوِيزُ هَذَا وَلَا تَجْوِيزُهُ هُوَ سَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ: فَمَنْ رَاعَى مِنَ الْوِتْرِ الْمَعْنَى الْمَعْقُولَ وَهُوَ ضِدُّ الشَّفْعِ قَالَ: يَنْقَلِبُ شَفْعًا إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ رَكْعَةٌ ثَانِيَةٌ. وَمَنْ رَاعَى مِنْهُ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ قَالَ: لَيْسَ يَنْقَلِبُ شَفْعًا لِأَنَّ الشَّفْعَ نَفْلٌ وَالْوِتْرَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ
الْبَابُ الثَّانِي
فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ سُنَّةٌ لِمُعَاهَدَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى فِعْلِهَا أَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى سَائِرِ النَّوَافِلِ، وَلِتَرْغِيبِهِ فِيهَا، وَلِأَنَّهُ قَضَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حِينَ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ. وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ:
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.