القيام للقادر في الفرض

الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > القيام للقادر في الفرض

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 23 دقيقة قراءة

القيام للقادر في الفرض - الأقوال والأدلة

٣ - القيامُ لِلقادِرِ في الفَرضِ:

اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ القيامَ في الصَّلاةِ المَفروضةِ فَرضٌ على المُطيقِ له، وأنَّه متى أخَلَّ به مع القُدرةِ عليه لم تَصحَّ صَلاتُه؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولقولِ النَّبيِّ لِعِمرانَ بنِ حُصَينٍ: «صَلِّ قائِمًا، فَإِنْ لم تَستَطِع فَقاعِدًا، فَإِنْ لم تَستَطِع فعلَى جَنبٍ» (١). وقد نقلَ النَّوويُّ وغيرُه الإجماعَ على ذلك.

وقالَ ابنُ عَبد البرِّ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ مَنْ صلَّى جالسًا فَريضةً وهو قادِرٌ على القِيامِ، أنَّ ذلك لا يُجزِئُه، وأنَّ القِيامَ فَرضٌ على كلِّ مَنْ قدَر عليه، وكذلك الرُّكوعُ والسُّجودُ (٢).

كما أجمَعوا على أنَّ مَنْ لا يُطيقُ القيامَ له أن يُصلِّيَ جالسًا؛ لحَديثِ عِمرانَ السابقِ (٣)، ولقولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولمَا رَوى أنَسٌ رضي الله عنه قالَ: «سقطَ النَّبيُّ عن

(١) رواه البخاريُّ (١٠٦٦).
(٢) «التَّمهيد» (١٠/ ١٩٠).
(٣) «المجموع» (٣/ ٢٢٨، ٢٢٩)، (٤/ ٢٦٦)، و «كفاية الأخيار» (١٤٤)، و «معاني الآثار» (١/ ٣٤٢)، و «الشرح الصغير» (١/ ٢٠٤)، و «الشَّرح الكبير» مع «المغني» (١/ ٤٧٤)، و «كشَّاف القناع» (١/ ٣٨٥)، و «الإفصاح» (١/ ١٥٢).

فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيمَنُ، فَدَخَلنَا عليه نَعُودُهُ، فَحَضرَتِ الصَّلاةُ، فَصلَّى بِنَا قاعِدًا، فَصلَّينَا وَراءَهُ قُعُودًا» (١).

وقالَ الشافِعيَّةُ: يُشترَطُ في القِيامِ: الانتِصابُ، فلو انحَنَى مُتخشِّعًا وكانَ قَريبًا إلى حَدِّ الرُّكوعِ، لم تَصحَّ صَلاتُه، ولو لم يقدِر على القيامِ إلا بمُعِينٍ، ثم لا يَتأَذَّى بالقيامِ، لزِمه أن يَستَعينَ بمَن يُقيمُه، فإن لم يَجِد مُتبرِّعًا لزِمه أن يَستَأجِرَه بأُجرةِ المِثلِ، إن وجدَها، ولو قدَر على القِيامِ دونَ الرُّكوعِ والسُّجودِ لِعِلَّةٍ بظَهرِه، لزِمه ذلك؛ لِقُدرَتِه على القِيامِ، و لوِ احتَاجَ في القِيامِ إلى شَيءٍ بحيثُ لو نُحِّيَ سقطَ، صحَّت صَلاتُه مع الكَراهةِ، ومَن عجَز عن الانتِصابِ، وصارَ في حَدَّ الرَّاكعينَ، كمَن تَقَوَّسَ ظَهرُه لِكِبَرٍ أو زَمانةٍ، لزِمه القِيامُ على تلك الحالِ، فإذا أرادَ الرُّكوعَ زادَ في الانحِناءِ إن قدَر عليه (٢).

وقالَ الحَنابلَةُ: إن أمكَنَه القيامُ إلا أنَّه يَخشَى تَباطُؤَ بُرئِه أو زِيادةَ مرَضِه، أو يَشُقُّ عليه مَشقَّةً شَديدةً فله أن يُصلِّيَ قاعِدًا، وبهذا قالَ مالِكٌ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ولأنَّ النَّبيَّ صلَّى جالسًا لمَّا جُحشَ شِقُّه الأيمَنُ، والظَّاهرُ أنَّ مَنْ جُحشَ شِقُّه لا يَعجِزُ عن القِيامِ بالكلِّيَّةِ.

فإن قدَر على القيامِ بأن يتَّكئَ على عَصًا، أو يَستنِدَ على حائِطٍ، أو يَعتمِدَ على أحَدِ جانِبَيه، لزِمه ذلك؛ لأنَّه قادِرٌ على القِيامِ مِنْ غيرِ ضَرَرٍ؛ فلزِمه، كما لو قدَر بغيرِ هذه الأشياءِ، وإن قدَر على القِيامِ إلا أنَّه يَكونُ على

(١) رواه البخاريُّ (١٠٦٣).
(٢) «مُغنى المحتاج» (١/ ١٥٣)، و «كفاية الأخيار» (١٤٤).

هَيئةِ الرَّاكعِ، كالأحدَبِ، لزِمه ذلك؛ لأنَّه قِيامٌ مِثلُه، وإن قدَر على القِيامِ أوِ القُعودِ في أثنائِها انتقلَ إليها وأتَمَّهَا.

وأمَّا إن قدَر على القِيامِ وعجَز عن الرُّكوعِ والسُّجودِ أَومَأَ بالرُّكوعِ أو السُّجودِ، أَومَأَ بالرُّكوعِ قائِمًا، وبالسُّجودِ قاعِدًا، وهذا قولُ الشافِعيِّ أيضًا، وقالَ أبو حَنيفَةَ: يَسقطُ القيامُ عنه (١).

ويُقسِّمُ المالِكيَّةُ رُكنَ القِيامِ إلى رُكنَينِ: القِيامِ بتَكبيرةِ الإحرامِ، والقِيامِ لِقِراءةِ الفاتِحةِ، قالوا: المُرادُ بالقِيامِ القِيامُ استِقلالًا، فلا يُجزِئُ إيقاعُ تَكبيرةِ الإحرامِ في الفَرضِ لِلقادِرِ على القِيامِ جالسًا أو مُنحَنِيًا، ولا قائِمًا مُستَنِدًا لِعُمُدٍ، وحيثُ لو أُزِيلَ لَسقطَ (٢).

وقالَ الحَنفيَّةُ: إنَّ القيامَ رُكنٌ ويسقطُ عن العاجِزِ عنه حَقيقةً أو حُكمًا، والعَجزُ الحُكميُّ هو: كما لو حصَل له به ألَمٌ شَديدٌ، أو خافَ زِيادةَ المرَضِ بجُرحِهِ إذا قامَ، أو يَسلُسُ بَولُه، أو يَبدُو رُبُعُ عَورتِه، أو يَضعُفُ عن القِراءةِ أصلًا، أمَّا لو قدَر على بعضِ القِراءةِ إذا قامَ فإنَّه يَلزمُه أن يَقرأَ مِقدارَ قُدرَتِه، والبقيةَ قاعِدًا، أو عن صَومِ رَمضانَ، أي أنَّه لو صامَ رَمضانَ صلَّى قاعِدًا، وإن أفطَرَ صلَّى قائِمًا، يَصومُ ويُصلِّي قاعِدًا، فَيَتحَتَّمُ عليه القُعودُ في هذه المَسائِلِ؛ لِعَجزِه عن القِيامِ حُكمًا؛ إذ لو قامَ لزِمَ فَوتُ الطَّهارةِ أو السَّتْرِ أو القِراءةِ أو الصَّومِ بلا خِلافِ (٣).

(١) «الشَّرح الكبير مع المغني» (٢/ ٤٧٤، ٤٧٧).
(٢) «حاشية الدُّسوقيِّ» (١/ ٢٣١)، و «الشرح الصغير» (١/ ٢٠٤).
(٣) «البحر الرائق» (٢/ ١٢١)، وابن عابدين (٢/ ٩٦).

إلا أنَّ الحَنفيَّةَ قالوا أيضًا: مَنْ كانَ قادِرًا على القِيامِ إلا أنَّه لا يقدِرُ على الرُّكوعِ والسُّجودِ سقطَ عنه القِيامُ.

قالَ الإمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وإن كانَ قادِرًا على القِيامِ دونَ الرُّكوعِ والسُّجودِ يُصلِّي قاعِدًا بالإيماءِ، وإن صلَّى قائِمًا بالإيماءِ أجزَأَه ولا يُستحبُّ له ذلك.

وقالَ زُفَرُ والشافِعيُّ: لا يُجزِئُه، إلا أن يُصلِّيَ قائِمًا، واحتَجَّا بما رَوَينا عن النَّبيِّ أنَّه قالَ لِعِمرانَ بنِ حُصَينٍ رضي الله عنه: «فإن لم تَستَطِع فقاعِدًا»، علَّق الجَوازَ قاعِدًا بشَرطِ العَجزِ عن القِيامِ، ولا عَجزَ، ولأنَّ القِيامَ رُكنٌ، لا يَجوزُ تَركُه مع القُدرةِ عليه، كما لو كانَ قادِرًا على القِيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ.

والإيماءُ حالةَ القِيامِ مَشروعٌ في الجُملةِ، بأن كانَ الرَّجلُ في طِينٍ ورَدغَةٍ، راجِلًا، أو في حالةِ الخَوفِ مِنْ العَدُوِّ، وهو راجِلٌ، فإنَّه يُصلِّي قائِمًا بالإيماءِ، كذا ههنا.

ولنا: أنَّ الأغلَبَ أنَّ مَنْ عجَز عن الرُّكوعِ والسُّجودِ كانَ عن القِيامِ أعجَزَ؛ لأنَّ الانتِقالَ مِنْ القُعودِ إلى القِيامِ أشَقُّ مِنْ الانتِقالِ مِنْ القيامِ إلى الرُّكوعِ، والأغلَبُ مُلحَقٌ بالمُتَيَقَّنِ في الأحكامِ، فصارَ كأنَّه عجَز عن الأمرَينِ، إلا أنَّه متى صلَّى قائِمًا جازَ؛ لأنَّه تكلَّف فِعلًا ليس عليه، فصارَ كما لو تكلَّف الرُّكوعَ جازَ، وإن لم يكن عليه، كَذَا ههنا.

ولأنَّ السُّجودَ أصلٌ، وسائِرَ الأركانِ كالتَّابِعِ له؛ لِهذا كانَ السُّجودُ

مُعتبَرًا بدُونِ القِيامِ، كما في سَجدَةِ التِّلاوةِ، وليس القيامُ مُعتبَرًا بدُونِ السُّجودِ، بل لم يُشرع بدُونِه، فإذا سقطَ الأصلُ سقطَ التَّابِعُ ضَرورةً، ولهذا سقطَ الرُّكوعُ عَمَّن سقطَ عنه السُّجودُ، وإن كانَ قادِرًا على الرُّكوعِ وكانَ الرُّكوعُ بمَنزِلةِ التَّابِعِ له، فكذا القيامُ، بل أولَى؛ لأنَّ الرُّكوعَ أشَدُّ تَعظيمًا وإظهارًا لِذُلِّ العُبوديَّةِ مِنْ القِيامِ، ثم لمَّا جُعل تابِعًا له وسقطَ بسُقوطِه، فالقيامُ أَولَى، إلا أنه لو تكلَّف وصلَّى قائِمًا، يَجوزُ؛ لمَا ذكَرنا، ولكن لا يُستحبُّ؛ لأنَّ القيامَ بدُونِ السُّجودِ غيرُ مَشروعٍ، بخِلافِ ما إذا كان قادِرًا على القيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ؛ لأنَّه لم يسقُط عنه الأصلُ، فكَذا التَّابِعُ.

وأمَّا الحَديثُ فنَحنُ نَقُولُ بمُوجِبِه: إنَّ العَجزَ شَرطٌ لكنَّه مَوجودٌ ههنا؛ نَظَرًا إلى الغالِبِ؛ لِما ذكَرنا أنَّ الغالِبَ هو العَجزُ في هذه الحالةِ، والقُدرةُ في غايةِ النُّدرةِ، والنَّادِرُ مُلحَقٌ بالعدمِ، ثم المَريضُ إنما يفارِقُ الصَّحِيحَ فيما يَعجِزُ عنه، فأمَّا فيما يقدِرُ عليه فهو كالصَّحِيحِ؛ لأنَّ المُفارَقةَ لِلعُذرِ؛ فتُقدَّرُ بقَدرِ العُذرِ، حتى لو صلَّى قبلَ وقتِها، أو بغيرِ وُضوءٍ، أو بغيرِ قِراءةٍ عَمدًا أو خَطَأً، وهو يقدِرُ عليها لم يُجزِئهُ، وإن عجَز عنها أومَأَ بغيرِ قِراءةٍ؛ لأنَّ القِراءَةَ رُكنٌ، فتَسقُطُ بالعَجزِ، كالقِيامِ.

ألَا تَرَى أنَّها سَقَطت في حقِّ الأُمِّيِّ، وكذا إذا صلَّى لغيرِ القِبلةِ مُتَعَمِّدًا لذلك، لم يُجزِئه، وإن كانَ ذلك خَطَأً منه أجزَأَه، بأنِ اشتَبهَت عليه القِبلةُ وليس بحَضرَتِه مَنْ يَسأَلُه عنها، فتَحَرى وصلَّى ثم تبيَّن أنَّه أخطَأَ، كما في حقِّ الصَّحِيحِ، وإن كانَ وَجهُ المَريضِ إلى غيرِ القِبلةِ وهو لا يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُ وَجهَهُ إلى القِبلةِ ولا يقدِرُ على ذلك بنَفسِه يُصلِّي كذلك؛ لأنَّه ليس في

وُسعِه إلا ذلك، وهل يُعيدُها إذا بَرئَ، رُويَ عن مُحمدِ بنِ مُقاتِلٍ الرَّازِيِّ أنَّه يُعيدُها.

وأمَّا في ظاهِرِ الجَوابِ فلا إعادةَ عليه؛ لأنَّ العَجزَ عن تَحصيلِ الشَّرائِطِ لا يَكونُ فوقَ العَجزِ عن تَحصيلِ الأركانِ، وهناك لا تَجِبُ الإعادةُ، فههنا أَولَى، ولو كان بجَبهتِه جُرحٌ لا يَستَطيعُ السُّجودَ على الجَبهةِ لم يُجزِئه الإيماءُ، وعليه السُّجودُ على الأنفِ؛ لأنَّ الأنفَ مسجدٌ كالجَبهةِ، خُصوصًا عندَ الضَّرورةِ، على ما مرَ، وهو قادِرٌ على السُّجودِ عليه، فلا يُجزِئُه الإيماءُ.

ولو عجَز عن الإيماءِ وهو تَحريكُ الرَّأسِ فلا شَيءَ عليه عندَنا.

وقالَ زُفَرُ: يُومِئُ بالحاجِبَينِ أوَّلًا، فإن عجَز فبالعَينَينِ، فإن عجَز فبقَلبِه.

وقالَ الحَسنُ بنُ زِيادٍ: يُومِئُ بعَينَيِه وبحاجِبَيه، ولا يُومِئُ بقَلبِه.

وَجهُ قولِ زُفَرَ أنَّ الصَّلاةَ فَرضٌ دائِمٌ لا يسقطُ إلا بالعَجزِ، فما عجَز عنه يسقطُ، وما قدَر عليه يَلزمُه بقَدرِه، فإذا قدَر بالحاجِبَينِ كان الإيماءُ بهما أَولَى؛ لأنَّهما أقرَبُ إلى الرَّأسِ، فإن عجَز الآنَ يُومِئُ بعَينَيهِ؛ لأنَّهما مِنْ الأعضاءِ الظَّاهرةِ، وجَميعُ البَدنِ ذو حَظٍّ من هذه العِبادةِ، فكذا العَينانِ، فإن عجَز فبالقَلبِ؛ لأنَّه في الجُملةِ ذو حَظٍّ من هذه العِبادةِ، وهو النِّيةُ، ألَا تَرى أنَّ النِّيةَ شَرطُ صحَّتِها؟ فعندَ العَجزِ تَنتَقلُ إليه.

وَجهُ قولِ الحَسنِ أنَّ أركانَ الصَّلاةِ تُؤدَّى بالأعضاءِ الظَّاهرةِ، فأمَّا الباطِنةُ فليس بذي حَظٍّ مِنْ أركانِها، بل هو ذو حَظٍّ مِنْ الشَّرطِ، وهو النِّيةُ، وهي قائِمةٌ أيضًا عندَ الإيماءِ، فلا يُؤدَّى به الأركانُ والشَّرطُ جَميعًا.

ولنا: ما رُويَ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ قالَ في المَريضِ: «إن لم يَستَطِع قاعِدًا فعلى القَفَا يُومِئُ إيماءً، فإن لم يَستَطِع فاللهُ أَولَى بقَبولِ العُذرِ»، أخبَرَ النَّبيُّ أنَّه مَعذورٌ عندَ اللهِ تَعالى في هذه الحالةِ، فلو كانَ عليه الإيماءُ بما ذَكَرتُم لَمَا كانَ مَعذورًا، ولأنَّ الإيماءَ ليس بصَلاةٍ حَقيقَةً، ولهذا لا يَجوزُ التَّنفُّلُ به في حالةِ الاختِيارِ، ولو كانَ صَلاةً لَجَازَ، كما لو تنَفَّلَ قاعِدًا، إلا أنَّه أُقيمَ مَقامَ الصَّلاةِ بالشَّرعِ، والشَّرعُ وردَ بالإيماءِ بالرَّأسِ، فلا يُقامُ غيرُه مَقامَه، ثم إذا سقطَت عنه الصَّلاةُ بحُكمِ العَجزِ فإن ماتَ مِنْ ذلك المرَضِ لَقيَ اللهَ تَعالى ولا شَيءَ عليه؛ لأنَّه لم يُدرِك وقتَ القَضاءِ (١).

وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ رحمة الله عليه: المَريضُ إذا قدَر على القيامِ وعجَز عن الرُّكوعِ، قامَ فأومَأَ إلى الرُّكوعِ، ولم يَجُز له تَركُ القيامِ بعدَ الرُّكوعِ، خِلافًا لِأبي حَنيفَةَ في تَخييرِه أن يُصلِّيَ قائِمًا أو جالسًا.

فدَليلُنا قولُه لِمَريضٍ عادَه: «صَلِّ قائِمًا، فإن لم تَستَطِع فقاعِدًا»، فعلَّق جَوازَ القُعودِ بالعَجزِ عن القِيامِ، فدلَّ على أنَّه لا يَجوزُ مع القُدرةِ عليه، ولأنَّه رُكنٌ مِنْ أركانِ الصَّلاةِ، لم يَجُز تَركُه لِلعَجزِ عنه، كالقِراءةِ، ولأنَّه مُتمَكِّنٌ مِنْ القِيامِ في الفَرضِ، كالقادِرِ على الرُّكوعِ، ولأنَّ البَدلَ إنَّما يَكونُ لِلعَجزِ عن المُبدَلِ، لا مع العَجزِ عن غيرِه.

مَسألةٌ: العاجِزُ عن القِيامِ إذا ابتَدَأَ الصَّلاةَ جالسًا، ثم قدَر على القِيامِ،

(١) «بدائع الصنائع» (١/ ١٠٦، ١٠٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصلاة الثاني
الباب الخامس في قيام رمضان

الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ عَامٌّ فِي الزَّمَانِ، خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَي الصُّبْحِ خَاصٌّ فِي الزَّمَانِ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ، فَمَنِ اسْتَثْنَى خَاصَّ الصَّلَاةِ مِنْ عَامِّهَا رَأَى الرُّكُوعَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَمَنِ اسْتَثْنَى خَاصَّ الزَّمَانِ مِنْ عَامِّهِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ.

وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ مِثْلَ هَذَا التَّعَارُضِ إِذَا وَقَعَ فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَى أَحَدِ التَّخْصِيصَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ لَا يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثُ الْأَمْرِ الثَّابِتُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -، فَإِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ وَجَبَ طَلَبُ الدَّلِيلِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ.

الْبَابُ الْخَامِسُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ

َ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ مُرَغَّبٌ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأَشْهُرِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . وَأَنَّ التَّرَاوِيحَ الَّتِي جَمَعَ عَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا أَيٌّ أَفْضَلُ: أَهِيَ أَوِ الصَّلَاةُ آخِرَ اللَّيْلِ؟ - أَعْنِي: الَّتِي كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» . وَلِقَوْلِ عُمَرَ فِيهَا: (وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ) .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 164 - 170

ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله