تكبيرة الإحرام

الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > تكبيرة الإحرام

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 12 دقيقة قراءة

تكبيرة الإحرام - الأقوال والأدلة

الصَّلاةِ لِيَحتَاجَ إلى أن يَنوِيَها، فكانَ شَرطُ النِّيةِ فيها لِتَصيرَ للهِ تَعالى، وإنَّها تَصيرُ للهِ تَعالى بِنيَّةِ مُطلَقِ الصَّلاةِ؛ ولهذا يَتأَدَّى صَومُ النَّفلِ في خارِجِ رَمضانَ بمُطلَقِ النِّيةِ.

وإن كانَ يُصلِّي الفَرضَ لا يَكفيه نيَّةُ مُطلَقِ الصَّلاةِ؛ لأنَّ الفَرضيَّةَ صِفةٌ زائِدةٌ على أصلِ الصَّلاةِ، فلا بدَّ أن يَنوِيَها، فيَنويَ فَرضَ الوقتِ، أو ظُهرَ الوقتِ، أو نحوَ ذلك، ولا تَكفيهِ نيَّةُ مُطلَقِ الفَرضِ؛ لأنَّ غيرَها مِنْ الصَّلواتِ المَفروضةِ مَشروعةٌ في الوقتِ؛ فلا بدَّ مِنْ التَّعيينِ. وكذا يَنبَغي أن يَنويَ صَلاةَ الجمُعةِ، وصَلاتَيِ العِيدَينِ، وصَلاةَ الجِنازةِ، وصَلاةَ الوِترِ؛ لأنَّ التَّعيينَ يَحصلُ بهذا.

وإن كانَ إمامًا فكذلك الجَوابُ (١).

وقالَ الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابلَةُ: لا يُشترَطُ تَعيينُ كَونِ الصَّلاةِ حاضِرةً، أو قَضاءً؛ لأنَّه إذا صلَّى في الغَيمِ، فبانَ بعدَ الوقتِ، فصَلاتُه صَحِيحةٌ، وقد نَواها أداءً (٢).

٢ - تَكبيرةُ الإحرامِ:

تَكبيرةُ الإحرامِ هي: قولُ المُصلِّي لِافتِتاحِ الصَّلاةِ: «اللهُ أكبَرُ»، أو كلِّ ذِكرٍ يَصيرُ به شارِعًا في الصَّلاةِ (٣).

(١) «معاني الآثار» (١/ ٤١٠).
(٢) «روضة الطَّالبين» (١/ ٢٢٦)، و «منار السبيل» (١/ ١٩٠).
(٣) «التَّعريفات الفِقهية» للبركتي المجددي (٢٣٥)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ٢٧٥)، و «البناية» (٢/ ١٢١).

وسُمِّيتِ التَّكبيرةُ التي يَدخلُ بها الصَّلاةَ تَكبيرةَ الإحرامِ؛ لأنَّها تُحرِّمُ الأشياءَ المُباحةَ التي تُنافِي الصَّلاةَ (١).

ويُسمِّيها الحَنفيَّةُ في الأغلَبِ تَكبيرةَ الافتِتاحِ، أو التَّحريميةَ (٢).

والتَّحريمُ: جَعلُ الشَّيءِ مُحَرمًا، والهاءُ لِتَحقِيقِ الاسمِيَّةِ (٣).

والحِكمةُ مِنْ افتِتاحِ الصَّلاةِ بالتَّكبيرةِ هي تنَبُّهُ المُصلِّي إلى عِظَمِ مَقامِ مَنْ قامَ لِأداءِ عِبادَتِه مِنْ وَصفِه بأنواعِ الكَمَالِ، وأنَّ كلَّ ما سِواهُ حَقيرٌ، وأنَّه جلَّ عن أن يَكونَ له شَبيهٌ مِنْ مَخلوقٍ فَانٍ، فيَخضَعُ قَلبُه وتَخشَعُ جَوارِحُه ويَخلو قَلبُه مِنْ الأغيارِ؛ فيَمتَلئُ بالأنوارِ (٤).

وقدِ اتَّفق الأئمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ تَكبيرةَ الإحرامِ فَرضٌ مِنْ فُروضِ الصَّلاةِ، ورُكنٌ مِنْ أركانِها، لا تَصحُّ الصَّلاةُ إلا بها؛ لقولِه : «مِفتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ، وَتَحرِيمُهَا التَّكبيرُ، وَتَحلِيلُهَا التَّسليمُ» (٥).

وفي الصَّحيحَينِ في حَديثِ المُسيءِ صَلاتَه: «إذَا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فَأَسبِغِ الوُضُوءَ، ثم استَقبِلِ القِبلَةَ وَكَبِّر» (٦).

(١) «الطَّحطاوي على الدُّرِّ» (١/ ٢٢)، و «نهاية المحتاج» (١/ ٤٣٩)، و «كشَّاف القناع» (١/ ٣٣٠).
(٢) «تحفة الفقهاء» (١/ ٢١٥)، والزَّيلَعي (١/ ١٠٣)، و «الهداية» (١/ ٢٣٩).
(٣) «العناية بهامش فتح القدير» (١/ ٢٣٩)، و «حاشية الشَّلَبي بهامش الزَّيلَعي» (١/ ١٠٣).
(٤) «الفتوحات الربانية» (٢/ ١٥٧)، و «كشَّاف القناع» (١/ ٣٣٠).
(٥) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٦١، ٦١٨)، والتِّرمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥).
(٦) رواه البخاريُّ (٥٨٩٧)، ومسلم (٣٩٧).

قالَ النَّوويُّ: وهو أحسَنُ الأدلَّةِ؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام لم يَذكُر له في هذا الحَديثِ إلا الفَرضَ (١).

وقدَّمنا أنَّ النِّيةَ فَرضٌ مِنْ فُروضِ الصَّلاةِ، ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أفضليَّةِ اقتِرانِ تَكبيرةِ الإحرامِ بالنِّيةِ.

قالَ القُرطُبيُّ: اتَّفقتِ الأمَّةُ على وُجوبِ النِّيةِ عندَ تَكبيرةِ الإحرامِ، إلا أنَّ الفُقهاءَ قد اختَلَفوا في جَوازِ تَقديمِ النِّيةِ على التَّكبيرِ (٢).

فذَهب الحَنفيَّةُ والحَنابلَةُ والمالِكيَّةُ في أحَدِ القولَينِ إلى جَوازِ تَقديمِ النِّيةِ على التَّكبيرةِ في الجُملةِ، وقالوا: لو نوَى عندَ الوُضوءِ أنَّه يُصلِّي الظُّهرَ مَثَلًا، ولم يَشتَغِل بعدَ النِّيةِ بعمَلٍ يدلُّ على الإعراضِ، كأكلٍ وشُربٍ وكَلامٍ، ونحوِها، ثم انتَهى إلى مَحَلِّ الصَّلاةِ ولم تَحضُره النِّيةُ، جازَت صَلاتُه بالنِّيةِ السابقةِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ عِبادةٌ، فجَازَ تَقديمُ نيَّتِها عليها، كالصَّومِ، وتَقديمُ النِّيةِ على الفِعلِ لا يُخرِجُه عن كَونِه مُستَوِيًا، ولا يَخرُجُ الفاعِلُ عن كَونِه مُخلِصًا، بدَليلِ الصَّومِ والزَّكاةِ إذا دَفَعَها إلى وَكيلِه، كسائرِ الأفعالِ في أثناءِ العِبادةِ.

وهذا ما يُعبِّرُ عنه الحَنفيَّةُ بالمُقارَنةِ الحُكمِيَّةِ.

(١) «البناية» (٢/ ١٠٩، ١١٠)، وابن عابدين (١/ ٤٣٧)، و «التَّمهيد» (٩/ ١٨٥)، و «بداية المجتهد» (١/ ١٧٤)، و «مختصر خليل» (١/ ٢٨)، و «تفسير القرطبي» (١/ ١٧٥)، و «فتح الباري» (٢/ ٢١٧)، و «المجموع» (٣/ ٢٤٠)، و «كفاية الأخيار» (١٤٥)، و «المغني» (٢/ ١٠)، و «كشَّاف القناع» (١/ ٣٣٠)، و «الإفصاح» (١/ ١٥٢، ١٥٣).
(٢) «تفسير القرطبي» (١/ ١٧٦).

وذَهب الشافِعيَّةُ والمالِكيَّةُ في القولِ الآخَرِ إلى وُجوبِ اقتِرانِ النِّيةِ بالتَّكبيرِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، فقولُه تَعالَى: ﴿مُخْلِصِينَ﴾، حال لهم في وقتِ العِبادةِ، فإنَّ الحالَ وَصفُ هَيئةِ الفاعِلِ وقتَ الفِعلِ، والإخلاصُ هو النِّيةُ، وقالَ النَّبيُّ : «إنَّما الأَعمَالُ بِالنِّياتِ». ولأنَّ النِّيةَ شَرطٌ، لم يَجُز أن تَخلُوَ العِبادةُ منها، كسائرِ الشُّروطِ.

قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ رحمة الله عليه: يجبُ في نيَّةِ الصَّلاةِ أن تَكونَ مُقارِنةً لِتَكبِيرةِ الإحرامِ، سَواءٌ ابتَدَأَها مع التَّكبيرِ، أو سبقَ بها واستَصحَبَها ذاكِرًا إلى أن كبَّر، فأمَّا إن نوَى ثم نَسيَ حتى كبَّر، لا يُجزِئُه، خِلافًا لِأبِي حَنيفَةَ في قولِه: إن عَزَبَت نيَّتُه عن قُربٍ مِنْ التَّكبيرِ أجزَأَه؛ لِأَّنها تَكبيرةٌ عَزَبت عن مُقارَنةِ النِّيةِ، كالَّتي تَعزُبُ عن بُعدٍ وتُفارِقُ الوُضوءَ؛ لأنَّها في الصَّلاةِ أضيَقُ (١).

واختارَ النَّوويُّ -تَبَعًا لِإمامِ الحَرمَينِ والغَزاليِّ- الاكتِفاءَ بالمُقارنَةِ العُرفيَّةِ عندَ العَوامِّ؛ بحيثُ يُعَدُّ مُستَحضِرًا لِلصَّلاةِ اقتِداءً بالأوَّلينَ في تَسامُحِهم بذلك.

أمَّا إذا تَأخرَتِ النِّيةُ عن تَكبيرةِ الإحرامِ فلا تُجزِئُ التَّكبيرةُ، وتَكونُ الصَّلاةُ باطِلةً؛ لأنَّ الصَّلاةَ عِبادةٌ، وهي لا تَتجَزَّأُ، ولو جازَ تَأخيرُ النِّيةِ لَوقعَ البَعضُ الذي لا نيَّةَ فيه غيرَ عِبادةٍ، وما فيه نيَّةٌ عِبادةً، فيَلزمُ التَّجزُّؤُ، وبهذا قالَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ (٢).

(١) «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٤٣) رقم (١٦٥).
(٢) «الاختيار» (١/ ٤٧، ٤٨)، و «مراقي الفلاح» (١١٨)، و «البحرالرائق» (١/ ٢٩٢)، و «القوانين» (٤٢)، و «حاشية العدوي» (١/ ٢٧٧)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٥٢)، و «المغني» (٢/ ١٦)، و «الإفصاح» (١/ ١٥٣)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (١/ ٩)، و «إعانة الطالبين» (١/ ١٧٨).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 160 - 163

ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله