جلسة الاستراحة

الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > جلسة الاستراحة

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 10 دقيقة قراءة

جلسة الاستراحة - الأقوال والأدلة

١٨ - جَلسةُ الاستِراحةِ:

جَلسةُ الاستِراحةِ هي الجَلسةُ التي يَقعُدُها المُصلِّي عندما يَنتَهي مِنْ الرَّكعةِ الأُولى أو الثَّالثةِ، ويَنهَضُ لِلثانيةِ أو الرابِعةِ فيَقعُدُ قَعدةً خَفيفةً بعدَ السَّجدةِ الثانيةِ وقبلَ القيامِ لِلرَّكعةِ الثانيةِ أو الرابِعةِ.

وقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ: هل هذه القَعدةُ مَشروعةٌ وسُنَّةٌ عن النَّبيِّ أو لا؟

فذَهب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ، والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُصلِّي إذا قامَ مِنْ السَّجدةِ الثانيةِ لا يَجلِسُ جَلسةَ الاستِراحةِ، ويَنهَضُ على صُدورِ قَدمَيه؛ وذلك لِحَديثِ أبي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ، وفيه: «أنَّ النَّبيَّ لمَّا رفعَ رَأسَه مِنْ السَّجدَةِ قامَ»، وَلَم يَذكُر قُعُودًا (١).

وفي حَديثِ رِفاعةَ بنِ رَافِعٍ عن النَّبيِّ في تَعليمِ الأعرابيِّ: «ثم اسجُد حتى تَطمَئن ساجِدًا، ثم قُم»، ولم يَأمُره بالقَعدةِ (٢).

واحتَجَّ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ لِهذا المَذهبِ أيضًا بأن قالَ: قدِ اتَّفَقُوا أنَّه

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: كما تَقَدَّم. (إلا أنه قد ثبت قعوده في حديثه كما سيأتي بعد).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: كما تَقَدَّم.

يَرجِعُ مِنْ السُّجودِ بتَكبيرٍ، ثم لا يُكبِّرُ تَكبيرةً أُخرى لِلقيامِ، قالوا: فلو كانَتِ القَعدةُ مَسنونةً لَكانَ الانتِقالُ منها إلى القِيامِ بالذِّكرِ كسائرِ أحوالِ الانتِقالِ.

ولأنَّه نُهوضٌ إلى القيامِ، لم يكن مِنْ سُنَّتِه أن يَفصِلَ بينَهما بفِعلٍ غيرِه، أصلُه النُّهوضُ مِنْ الجُلوسِ إلى الرَّكعةِ الثالِثةِ، ولأنَّه انتِقالٌ من رُكنٍ إلى رُكنٍ يُخالِفُه، فلم يُسنُّ فيه جَلسةٌ تَفصِلُ بينَهما، كالانتِقالِ مِنْ القِيامِ إلى السُّجودِ (١).

وذَهب الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ عندَهم والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها الخلَّالُ إلى أنَّه يُسنُّ بعدَ السَّجدةِ الثانيةِ جَلسةُ الاستِراحةِ مِنْ كلِّ رَكعةٍ تَقومُ عنها؛ لمَا رَواه مالِكُ بنُ الحُوَيرِثِ، وفيه: «أنَّه إذا رفعَ رَأسَه عن السَّجدَةِ الثَّانيَةِ جلسَ وَاعتَمدَ على الأرضِ، ثم قامَ» (٢).

وفي رِوايةٍ عن مالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ رضي الله عنه «أنَّه رَأى النَّبيَّ يُصلِّي، فإذا كانَ في وِترٍ مِنْ صَلاتِه لم يَنهَض حتى يَستَويَ قاعِدًا» (٣).

وعن أبي حُمَيدٍ في صِفةِ صَلاةِ النَّبيِّ وفيه: « … وَيَرفَعُ يَديهِ حتى يُحاذِيَ بِهمَا مَنكِبَيهِ، ثم يَركَعُ وَيَضَعُ رَاحَتَيهِ على رُكبتَيهِ، مُعتَمِدًا لَا

(١) «شَرح معاني الآثار» (٢/ ٦٥)، و «تبيين الحقائق» (١/ ١١٩)، وابن عابدين (١/ ٣٤٠)، و «التَّمهيد» (١٩/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٨١، ٢٨٢) (١٩٨)، و «القوانين الفقهية» (٦٨)، و «نهاية المحتاج» (١/ ٥١٨)، و «مُغني المحتاج» (١٧٧١)، و «المجموع» (٣/ ٤٠٣)، و «المغني» (٢/ ٨١، ٨٣).
(٢) رَواه البخاري (٧٩٠).
(٣) رَواه البخاري (٧٨٩).

يَصُبُّ رَأسَه ولا يُقنِعُ مُعتَدِلًا، ثم يَقولُ: سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَرفَعُ يَديهِ حتى يُحَاذِيَ بِهمَا مَنكِبَيهِ حتى يَقِرَّ كلُّ عَظمٍ إلى مَوضِعِه، ثم يَهوِي إلى الأرضِ، وَيُجَافِي بينَ يَديهِ عن جَنبَيهِ، ثم يَرفَعُ رَأسَه وَيَثنِي رِجلَه اليُسرَى فَيَقعُدُ عليها وَيَفتَخُ أَصَابِعَ رِجلَيهِ إذا سجدَ، ثم يَسجُدُ، ثم يُكبِّرُ وَيَجلِسُ على رِجلِه اليُسرَى حتى يَرجِعَ كلُّ عَظمٍ منه إلى مَوضِعِه، ثم يَقومُ فَيَصنَعُ في الرَّكعَةِ الأُخرَى مثلَ ذلك» (١). وقيلَ: إنَّ الإمامَ أحمدَ رَجعَ إلى هذا القولِ وتركَ القولَ الأوَّلَ.

قالَ الخلَّالُ: رَجعَ أبو عَبد اللهِ إلى هذا. يَعني تركَ قولَه بتَركِ الجُلوسِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وقيلَ: إن كانَ المُصلِّي ضَعيفًا جلسَ لِلِاستِراحةِ؛ لِحاجَتِه إلى الجُلوسِ، وإن كانَ قَويًّا لم يَجلِس؛ لِغِناه عنه، وحُمِلَ جُلوسُ النَّبيِّ على أنَّه كانَ في آخرِ عُمُرِه عندَ كِبَرِه وضَعفِه، وهذا فيه جَمعٌ بينَ الأخبارِ، وتَوسُّطٌ بينَ القولَينِ.

والسُّنةُ عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ أن يَنهَضَ مُعتَمِدًا على يَديهِ من على الأرضِ؛ لِحَديثِ أبي قِلابةَ قالَ: جاءَنَا مَالِكُ بنُ الحُوَيرِثِ فصلَّى بنَا في مَسجدِنَا هذا، فقالَ: إنِّي لَأُصَلِّي بِكم وما أُرِيدُ الصَّلاةَ، وَلَكِن أُرِيدُ أن أُرِيكم كَيفَ رَأيتُ النَّبيَّ يُصلِّي. قالَ أَيُّوبُ: فقُلتُ لأَبي قِلابةَ: وَكَيفَ كانَت صَلاتُه؟ قالَ: مثلَ صَلاةِ شَيخِنَا هذا. يَعني عَمرَو بنَ سَلمةَ، قالَ أَيُّوبُ: وكانَ ذلك الشَّيخُ يُتمُّ التَّكبيرَ «وإذا رفعَ رَأسَه عن

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقَدَّمَ.

السَّجدَةِ الثَّانيَةِ جلسَ وَاعتَمدَ على الأرضِ ثم قامَ» (١).

ولأنَّ ذلك أبلَغُ في الخُشوعِ والتَّواضُعِ، وأعوَنُ لِلمُصلِّي وأحرى ألَّا يَنْقَلِبَ.

وعندَ الحَنفيَّةِ والحَنابلَةِ أنَّه لا يَعتمِدُ على الأرضِ؛ لمَا رَواه ابنُ عمرَ رضي الله عنه «أنَّ النَّبيَّ نَهى أن يَعتمِدَ الرَّجلُ على يَديهِ إذا نَهَضَ في الصَّلاةِ» (٢).

وإنَّما يَقومُ على صُدورِ قَدمَيه، لمَا رَواه أبو هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ يَنهَضُ في الصَّلاةِ على صُدورِ قَدمَيهِ» (٣).

إلا أن يَشُقَّ عليه ذلك فيَعتمِد على الأرضِ؛ لقولِ علِيٍّ رضي الله عنه: «إنَّ مِنْ السُّنةِ في الصَّلاةِ المَكتُوبَةِ إذا نهَضَ الرَّجلُ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ ألَّا يَعتمِدَ بيَديهِ على الأرضِ، إلَّا أن يكونَ شَيخًا كَبيرًا لَا يَستَطيعُ» (٤) (٥).

(١) رَواه البخاري (٧٩٠).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رَواه أبو داود (٩٩٢).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رَواه التِّرمذي (٢٨٨).
(٤) رَواه ابن أبي شيبة في «مُصَنَّفه» (٣٩٩٨).
(٥) «شَرح معاني الآثار» (٢/ ٦٥)، و «تبيين الحقائق» (١/ ١١٩)، وابن عابدين (١/ ٣٤٠)، و «شرح صَحيح البخاري» لابن بطال (٢/ ٤٤٠)، و «التَّمهيد» (١٩/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و «القوانين الفقهية» (٦٨)، و «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٨١، ٢٨٢) (١٩٨)، و «المجموع» (٣/ ٤٠٦، ٤٠٨)، و «نهاية المحتاج» (١/ ٥١٨)، و «مُغني المحتاج» (١٧٧١)، و «المجموع» (٣/ ٤٠٣)، و «المغني» (٢/ ٨١، ٨٣)، و «مطالب أولي النُّهى» (١/ ٤٥٤)، و «منار السبيل» (١/ ١١٣).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 305 - 308

ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله