الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > قراءة البسملة في الصلاة
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 62 دقيقة قراءةبالاستِعاذةِ في أوَّلِها كفَى ذلك، كالاستِفتاحِ (١).
٥ - قِراءَةُ البَسمَلَةِ في الصَّلاةِ:
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: اعلَم أنَّ مَسألةَ البَسمَلَةِ عَظيمةٌ مُهِمَّةٌ يَنبَني عليها صحَّةُ الصَّلاةِ، التي هي أعظَمُ الأركانِ بعدَ التَّوحيدِ، ولهذا المَحَلِّ الأعلى الذي ذَكَرتُه مِنْ وَصفِها اعتنَى العُلماءُ مِنْ المُتقدِّمينَ والمُتأخِّرينَ بشَأنِها، وأكثَروا التَّصانِيفَ فيها مُفرَدةً (٢).
وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الفاتِحةَ سَبعُ آياتٍ، إلا أنَّ مَنْ جعلَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [﴿: ١] منها، عَدَّها آيَةً، ومَن لم يَجعلها منها عَدَّ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [﴿: ٧] آيَةً (٣).
وأجمَعوا أيضًا على أنَّها آيَةٌ مِنْ سُورةِ النَّملِ إلا أنَّهمُ اختَلَفوا: هل هي آيَةٌ مِنْ الفاتِحةِ أو لا؟
فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّها ليست بآيَةٍ مِنْ الفاتِحةِ على تَفصيلٍ عندَهم يَأتي مُفَصَّلًا.
وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في رِوايةٍ إلى أنَّها آيَةٌ مِنْ الفاتِحةِ.
(١) «الفتاوى الهندية» (١/ ٧٤)، و «العناية على الهداية» (١/ ٢١٧)، و «البحر الرائق» (١/ ٣٢٨)، وابن عابدين (١/ ٣٥٦)، و «المجموع» (٣/ ٢٧٠)، و «كفاية الأخيار» (١٥٩)، والرُّهوني (١/ ٤٢٤)، و «حاشية الجمل» (١/ ٣٥٤)، و «المغني» (٢/ ٨٥)، و «الإنصاف» (٢/ ١١٩).
(٢) «المجموع» (٣/ ٢٨٠).
(٣) «شَرح معاني الآثار» (١/ ٢٠١).
قالَ الحَنفيَّةُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةٌ مِنْ القُرآنِ؛ لأنَّ الأُمةَ أجمعَت على أنَّ ما كانَ مَكتوبًا بينَ الدَّفَتَينِ بقَلَمِ الوَحيِ هو مِنْ القُرآنِ، والتَّسمِيَةُ كذلك، لكنَّها ليست بآيَةٍ مِنْ الفاتِحةِ، ولا مِنْ رَأسِ كلِّ سُورةٍ، وإنَّما هي افتِتاحٌ لها؛ تَبَرُّكًا، ويَقرؤُها المُصلِّي، إمامًا أو مُنفرِدًا، سِرًّا مع الفاتِحةِ في كلِّ رَكعةٍ مِنْ رَكعاتِ الصَّلاةِ، وإن قَرَأها مع كلِّ سُورةٍ فحَسَنٌ، وهو مَذهبُ الحَنفيَّةِ.
واستدَلُّوا على ذلك بحَديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «قالَ اللهُ ﷿: قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، قالَ اللهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [﴿: ٣]، قالَ اللهُ تَعالَى: أثنَى عَلَيَّ عَبدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [﴿: ٤]، قالَ: مَجَّدَنِي عَبدي، وقالَ مرَّةً: فَوَّضَ إلَيَّ عَبدي، فإذا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [﴿: ٥]، قالَ: هذا بَينِي وَبينَ عَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٦، ٧]، قالَ: هذا لِعَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ» (١).
وَجهُ الاستِدلالِ به مِنْ وجهَينِ:
أحَدُهما: أنَّه بَدأَ بقولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا بقولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولو كانَت مِنْ الفاتِحةِ لكانَتِ البُداءةُ بها، لا بالحَمدِ.
والآخَرُ: أنَّه نصَّ على المُناصَفةِ ولو كانَتِ التَّسمِيَةُ مِنْ الفاتِحةِ لم
(١) رواه مسلم (٣٩٥).
تَتحَقَّقِ المُناصَفةُ، بل يَكونُ ما للهِ أكثرَ؛ لأنَّه يَكونُ في النِّصفِ الأوَّلِ أربَعُ آياتٍ ونِصفُ آيةٍ، ولأنَّ كَونَ الآيةِ مِنْ سُورةِ كذا، ومِن مَوضِعِ كذا لا يثبُتُ إلا بالدَّليلِ المُتَواتِرِ مِنْ النَّبيِّ ﷺ، وقد ثَبت بالتَّواتُرِ أنَّها مَكتوبةٌ في المَصاحِفِ، ولا تَواتُرَ على كَونِها مِنْ السُّورةِ؛ ولهذا اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيها، فعَدَّها قُرَّاءُ أهلِ الكُوفةِ مِنْ الفاتِحةِ، ولم يَعُدَّها قُراءُ أهلِ البَصرةِ منها، وهذا دَليلُ عدمِ التَّواتُرِ، ووقُوعِ الشَّكِّ والشُّبهةِ في ذلك؛ فلا يثبُتُ كَونُها مِنْ السُّورةِ مع الشَّكِّ. قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ولأنَّ كَونَ التَّسمِيَةِ مِنْ كلِّ سُورةٍ ممَّا اختَصَّ به الشافِعيُّ، لا يُوافِقُه في ذلك أحَدٌ مِنْ سَلفِ الأمَّةِ، وكَفى به دَليلًا على بُطلانِ المَذهبِ.
والدَّليلُ عليه ما رُويَ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «سُورةٌ في القُرآنِ ثَلاثونَ آيَةً، شَفَعت لِصاحِبِها حتى غُفِرَ له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وقدِ اتَّفق القُرَّاءُ وغيرُهم على أنَّها ثَلاثونَ آيَةً سِوى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولو كانَت هي منها لَكانَت إحدى وثَلاثينَ آيَةً، وهو خِلافُ قولِ النَّبيِّ ﷺ، وكذا انعَقَدَ الإجماعُ مِنْ الفُقهاءِ والقُرَّاءِ على أنَّ سُورةَ الكَوثَرِ ثَلاثُ آياتٍ، وسُورةَ الإخلاصِ أربَعُ آياتٍ، ولو كانَتِ التَّسمِيَةُ منها لَكانَت سُورةُ الكَوثَرِ أربعَ آياتٍ، وسُورةُ الإخلاصِ خَمسَ آياتٍ، وهو خِلافُ الإجماعِ.
وكَونُ التَّسمِيَةِ مِنْ الفاتِحةِ لا يثبُتُ إلا بالنَّقلِ المُوجِبِ لِلعِلمِ، مع أنَّه عارَضَه ما هو أقوَى منه وإثبَتُ وأشهَرُ، وهو حَديثُ القِسمةِ، فلا يُقبلُ في مُعارَضَتِه.
أمَّا قولُه: إنَّها كُتِبت في المَصاحِفِ بقَلَمِ الوَحيِ على رُؤُوسِ السُّوَرِ، فنَعم، لكنَّ هذا يدلُّ على كَونِها مِنْ القُرآنِ، لا على كَونِها مِنْ السُّوَرِ؛ لِجَوازِ أنَّها كُتِبت لِلفَصلِ بينَ السُّوَرِ، لا لأنَّها منها، فلا يثبُتُ كَونُها مِنْ السُّوَرِ بالاحتِمالِ، ويَنبَني على هذا أنَّه لا يُجهَرُ بالتَّسمِيَةِ في الصَّلاةِ عندَنا؛ لأنَّه لا نصَّ في الجَهرِ بها، وليست مِنْ الفاتِحةِ حتى يُجهَرَ بها ضَرورةَ الجَهرِ بالفاتِحةِ، وعندَه يُجهَرُ بها في الصَّلواتِ التي يُجهَرُ فيها بالقِراءةِ، كما يُجهَرُ بالفاتِحةِ؛ لكَونِها مِنْ الفاتِحةِ، ولأنَّ التَّسمِيَةَ متى تردَّدت بينَ أن تَكونَ مِنْ الفاتِحةِ وبينَ ألَّا تَكونَ تَرَدُّدَ الجَهرُ بينَ السُّنةِ والبِدعةِ؛ لأنَّها إذا لم تكُن منها التَحَقَت بالأذكارِ، والجَهرُ بالأذكارِ بِدعةٌ، والفِعلُ إذا تردَّدَ بينَ السُّنةِ والبِدعةِ تُغَلَّبُ جِهةُ البِدعةِ؛ لأنَّ الامتِناعَ عن البِدعةِ فَرضٌ، ولا فَرضيةَ في تَحصيلِ السُّنةِ أو الواجِبِ؛ فكانَ الإخفاءُ بها أولَى.
والدَّليلُ عليه ما رُويَ عن أبي بَكرٍ وعمرَ وعُثمانَ وعلِيٍّ وعَبد الله بنِ مَسعودٍ وعَبد اللهِ بنِ الفَضلِ وعَبد اللهِ بنِ عبَّاسٍ وأنَسٍ وغيرِهم، رضي الله عنهم، أنَّهم كانوا يُخفُونَ التَّسمِيَةَ، وكَثيرٌ منهم قالَ: الجَهرُ بالتَّسمِيَةِ أعرابيَّةٌ، والمَنسوبُ إليهم باطِلٌ؛ لِغَلَبةِ الجَهلِ عليهم بالشَّرائِعِ.
ورُويَ عن أنَسٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: صلَّيتُ خلفَ رَسولِ اللهِ، وخلفَ أبي بَكرٍ وعمرَ، رضي الله عنهما، وكانوا لا يَجهَرونَ بالتَّسمِيَةِ، ثم عندَنا أنَّه لا يَجهَرُ بالتَّسمِيَةِ، لكِن يأتي بها الإمامُ لافتِتاحِ القِراءةِ بها؛ تَبَرُّكًا، كما يَأتي بالتَّعوُّذِ في الرَّكعةِ الأُولى، باتِّفاقِ الرِّواياتِ، وهل يَأتي بها في أوَّلِ الفاتِحةِ في الرَّكعاتِ الأُخَرِ؟ عن أبي حَنيفَةَ رِوايتانِ، رَوى الحَسنُ عنه أنَّه لا يَأتي بها إلا في الرَّكعةِ
الأُولى؛ لأنَّها ليست مِنْ الفاتِحةِ عندَنا، وإنَّما يَفتَتِحُ القِراءةَ بها تَبَرُّكًا، وذلك مُختَصٌّ بالرَّكعةِ الأُولى، كالتَّعوُّذِ.
ورَوى المُعلى عن أبي يُوسفَ عن أبي حَنيفَةَ أنَّه يأتي بها في كلِّ رَكعةٍ، وهو قولُ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ التَّسمِيَةَ إن لم تُجعَل مِنْ الفاتِحةِ قَطعًا بخَبرِ الواحدِ -وخَبرُ الواحدِ يُوجِبُ العملَ- صارَت مِنْ الفاتِحةِ عمَلًا، فمتى لزِمه قِراءةُ الفاتِحةِ يَلزمُه قِراءةُ التَّسمِيَةِ احتِياطًا.
وأمَّا عندَ رَأسِ كلِّ سُورةٍ في الصَّلاةِ فلا يَأتي بالتَّسمِيَةِ، عندَ أبي حَنيفَةَ وأبي يُوسفَ، وقالَ مُحمدٌ: يَأتي بها احتِياطًا، كما في أوَّلِ الفاتِحةِ، والصَّحِيحُ قولُهما؛ لأنَّ احتِمالَ كَونِها مِنْ السُّورةِ مُنقَطِعٌ بإجماعِ السَّلفِ على ما مرَ، وفي أنَّها ليست مِنْ الفاتِحةِ لا إجماعَ عليه، فبَقيَ الاحتِمالُ، فوجبَ العملُ به في حقِّ القِراءةِ احتِياطًا، ولكِن لا يُعَدُّ هذا الاحتِمالُ في حقِّ الجَهرِ؛ لأنَّ المُخافَتَةَ أصلٌ في الأذكارِ، ولأنَّ الجَهرَ بها بِدعةٌ في الأصلِ، فإذا احتَمَلَ أنَّها ذِكرٌ في هذه الحالةِ، واحتَمَلَ أنَّها مِنْ الفاتِحةِ، كانَتِ المُخافَتَةُ أبعد عن البِدعةِ، فكانَت أحَقَّ.
ورُويَ عن مُحمدٍ أنَّه إذا كانَ يُخفي بالقِراءةِ يَأتِي بالتَّسمِيَةِ بينَ الفاتِحةِ والسُّورةِ؛ لأنَّه أقرَبُ إلى مُتابَعةِ المُصحَفِ، وإذا كان يَجهَرُ بها لا يَأتي؛ لأنَّه لو فعلَ لَأخفَى، فيَكونَ سَكتةً له في وَسَطِ القِراءةِ، وذلك غيرُ مَشروعٍ، ثم يَقرأُ بفاتِحةِ الكتابِ والسُّورةِ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٠٣، ٢٠٥).
وقالَ الإمامُ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: فلمَّا ثَبت عن رَسولِ اللهِ ﷺ، وعَمَّن ذكَرنا بعدَه تَركُ الجَهرِ ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثَبت أنَّها ليست مِنْ القُرآنِ، ولو كانَت مِنْ القُرآنِ لَوجبَ أن يَجهَرَ بها كما يَجهَرُ بالقُرآنِ سِواها، ألَا تَرَى أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ التي في النَّملِ يُجهَرُ بها كما يُجهَرُ بغيرِها مِنْ القُرآنِ؛ لأنَّها مِنْ القُرآنِ؟ فلمَّا ثَبت أنَّ التي قبلَ فاتِحةِ الكتابِ يُخافَتُ بها ويُجهَرُ بالقُرآنِ، ثَبت أنَّها ليست مِنْ القُرآنِ، وثَبت أن يُخافِتَ بها ويُسِرَّ كما يُسِرُّ التَّعوُّذَ والافتِتاحَ، وما أشبَهَهُما، وقد رأيناها أيضًا مَكتوبةً في فَواتِحِ السُّوَرِ في المُصحَفِ في فاتِحةِ الكتابِ، وفي غيرِها، وكانَت في غيرِ فاتِحةِ الكتابِ ليست بآيَةٍ، ثَبت أيضًا أنَّها في فاتِحةِ الكتابِ ليست بآيَةٍ، وهذا الذي ثَبت مِنْ نَفيِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أن تَكونَ مِنْ فاتِحةِ الكتابِ، ومَن نَفَى الجَهرَ بها في الصَّلاة أبو حَنيفَةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ، رحمهم الله (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: يُمنَعُ قِراءةُ البَسمَلَةِ في الصَّلاةِ المَكتوبةِ، جَهرًا كانَت أو سِرًّا، لا في استِفتاحِ أُمِّ القُرآنِ، ولا في غيرِها مِنْ السُّوَرِ، وأجازَ قِراءَتَها في النَّافِلةِ.
واحتَجوا على ذلك بحَديثِ أنَس بنِ مالِكٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ وَأَبا بَكرٍ وَعمرَ رضي الله عنهم كانُوا يَفتَتِحُونَ الصَّلاةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ
(١) «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٠٤)، و «التجريد» للقدوري (٢/ ٤٩٩، ٥٠٢)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ١٢٨)، و «عُمدة القاري» (٥/ ٢٩١)، و «الدُّر المختار» (١/ ٤٩١)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ١٧٤).
رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]» (١). وفي رِوايةٍ لِمُسلِمٍ: «لَا يَذكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، في أَوَّلِ قِراءَةٍ، ولا في آخرِهَا» (٢).
وبِحَديثِ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَت: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَستَفتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكبيرِ وَالقِراءَةِ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]» (٣).
وعن عَبد اللهِ بنِ عَبد اللهِ بنِ المُغَفَّلِ رضي الله عنه قالَ: «سمِعنِي أبي وأنا في الصَّلاةِ أَقُولُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فقالَ لي: أَي بُنَيَّ، مُحدَثٌ، إِيَّاكَ وَالحَدثَ، قالَ: ولم أَرَ أَحدًا مِنْ أصحَابِ رَسولِ اللهِ ﷺ كانَ أَبغَضَ إليه الحَدثُ في الإِسلَامِ -يَعني: منه-، قالَ: وقد صلَّيتُ مع النَّبيِّ ﷺ وَمعَ أبي بَكرٍ وَمعَ عمرَ وَمعَ عُثمانَ، فلم أَسمَع أَحدًا منهم يَقولُهَا، فلا تَقُلهَا، إذا أنتَ صلَّيتَ فَقُلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]» (٤).
ولحَديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «قالَ اللهُ ﷿: قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، قالَ اللهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [﴿: ٣]، قالَ اللهُ تَعالَى: أثنَى عَلَيَّ عَبدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [﴿: ٤]، قالَ: مَجَّدَنِي عَبدي، وقالَ مرَّةً: فَوَّضَ إلَيَّ عَبدي، فإذا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
(١) رواه البخاري (٧١).
(٢) مسلم (٣٩٩).
(٣) رواه مسلم (٤٩٨).
(٤) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه التِّرمذي (٢٤٤).
[﴿: ٥]، قالَ: هذا بَينِي وَبينَ عَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٦، ٧]، قالَ: هذا لِعَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ» (١).
فقولُه تَعالى: «قَسَمتُ الصَّلاةَ»، يُريدُ الفاتِحةَ، وسَمَّاها صَلاًة؛ لأنَّ الصَّلاةَ لا تَصحُّ إلا بها، فلو كانَتِ البَسمَلَةُ آيَةً لَذُكِرت في الحَديثِ القُدسِيِّ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: يَكفيكَ أنَّها ليست -أي: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ - بقُرآنٍ؛ لِلِاختِلافِ فيها، والقُرآنُ لا يُختَلَفُ فيه، فإنَّ إنكارَ القُرآنِ كُفرٌ.
فإن قيلَ: ولو لم تكُن قُرآنًا لكانَ مُدخِلُها في القُرآنِ كافِرًا؛ قُلنا: الاختِلافُ فيها يَمنَعُ مِنْ أن تَكونَ آيَةً، ويَمنَعُ مِنْ تَكفيرِ مَنْ يَعُدُّها مِنْ القُرآنِ؛ فإنَّ الكُفرَ لا يَكونُ إلا بمُخالَفةِ النَّصِّ والإجماعِ في أبوابِ العَقائِدِ.
فإن قيلَ: فهل تَجِبُ قِراءَتُها في الصَّلاةِ؟ قُلنا: لا تَجِبُ، فإنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ رضي الله عنه رَوى «أنَّه صلَّى خلفَ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ وعمرَ، فلم يكن أحَدٌ منهم يَقرأُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾»، ونحوه عن عَبد اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ.
فإن قيلَ: الصَّحِيحُ مِنْ حَديثِ أنَسٍ: فكانوا يَفتَتِحونَ الصَّلاةَ ب ﴿الْحَمْدُ
(١) رواه مسلم (٣٩٥).
(٢) «تفسير القرطبي» (١/ ٩٣).
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، وقد قالَ الشافِعيُّ: مَعناه أنَّهم كانوا لا يَقرؤُونَ شَيئًا قبلَ الفاتِحةِ.
قُلنا: وهذا يَكونُ تَأوِيلًا لا يَليقُ بالشافِعيِّ؛ لِعَظيمِ فِقهِه، وأنَسٌ وابنُ مُغَفَّلٍ إنَّما قالا هذا رَدًّا على مَنْ يَرى قِراءةَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
فإن قيلَ: فقد رَوى جَماعةٌ قِراءَتَها، وقد تَوَلَّى الدَّارقُطنيُّ جَميعَ ذلك في جُزءٍ صحَّحه، قُلنا: لَسنَا نُنكِرُ الرِّوايةَ، لكنَّ مَذَهبنا يَترَجَّحُ بأنَّ أحاديثَنا -وإن كانَت أقَلَّ- أصحُّ، وبوَجهٍ عَظيمٍ وهو المَعقُولُ في مَسائِلَ كَثيرةٍ مِنْ الشَّريعةِ، وذلك أنَّ مَسجدَ رَسولِ اللهِ ﷺ بالمَدينةِ انقَضت عليه العُصورُ، ومرَت عليه الأزمِنَةُ مِنْ لَدُن زَمانِ رَسولِ اللهِ ﷺ إلى زَمانِ مالِكٍ، ولم يَقرأ أحَدٌ قَطُّ فيه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ اتِّباعًا لِلسُّنَّةِ.
بَيدَ أنَّ أصحابَنا استَحَبُّوا قِراءَتَها في النَّفلِ، وعليه تُحمَلُ الآثارُ الوارِدةُ في قِراءَتِها (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ رحمة الله عليه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليست مِنْ الفاتِحةِ، ولا مِنْ أوَّلِ كلِّ سُورةٍ، خِلافًا لِلشافِعيِّ؛ لأنَّه لا طَريقَ إلى إثباتِ القُرآنِ إلا بنَقلٍ مُتواتِرٍ يُوجِبُ العِلمَ، ويَقطعُ العُذرَ، أو بإجماعِ الأمَّةِ، ولا يثبُتُ بنَقلِ آحادٍ ولا بقياسٍ ولا ما يؤدِّي إلى غَلَبةِ الظَّنِّ، وليس ههنا إجماعٌ ولا نَقلٌ تَقومُ الحُجَّةُ به؛ فلم يَجُز إثباتُها مِنْ الفاتِحةِ. وإن تَعَلَّقوا بإجماعِ ناقِلِي مُصحَفِ عُثمانَ على أنَّها ثابِتةٌ في أوَّلِ كلِّ سُورةٍ، وأنَّهم قد وافَقونا
(١) «أحكام القرآن» (١/ ٥، ٦).
على أنَّ جَميعَ ما في المُصحَفِ بخَطِّه قُرآنٌ في مَوضِعِه، قُلنا: النَّاقِلونَ لِلمُصحَفِ لم يُجمِعوا على أنَّها مِنْ كلِّ سُورةٍ، بل أكثرُهم يَقولُ: إنَّها ليست منها، وإنَّما جُعِلت فَصلًا بينَ السُّورَتَينِ.
فإن قيلَ: حُدوثُ الاختِلافِ لا يَنفِي الإجماعَ، قُلنا: ووجودُ الاختِلافِ يَمنَعُ ادِّعاءَ الإجماعِ، ولأنَّ الاتِّفاقَ حاصِلٌ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ بينَ القُرآنَ بَيانًا واحدًا مُتساوِيًا على وَجهٍ تَقومُ به الحُجةُ، ويَنقَطِعُ به العُذرُ، وإنَّ عادَتَه في البَيانِ لم تكُن مُختَلِفةً بأن يُبَيِّنَ بَعضَه على هذا الوَجهِ، وبَعضَه بَيانًا خَفيفًا يُلقيه إلى الواحدِ والاثنَينِ، وبهذا قَطَعنا بمَنعِ تَجويزِ أن يَكونَ قد بَقيَ شَيءٌ مِنْ القُرآنِ لم يُنقَل إلينا، أو يَكونَ بَعضُ آحادِ الصَّحابةِ أثبَتَ ما لم يثبُت في المُصحَفِ، وقَطَعنا ببُطلانِ ادِّعاءِ الرَّافِضِيَّةِ الطَّاعِنينَ على المُصحَفِ المُجمَعِ عليه بأنَّ القُرآنَ حِملُ جَمَلٍ، وأنَّه عندَ الإمامِ الذي هو عندَهم إمامُ الزَّمانِ. وإذا ثَبت ذلك فلو كانت مِنْ الحَمدِ لَكانَ بيَّنها بَيانًا شائِعًا مُتَواتِرًا، ولو كانَ فعلَ ذلك لم يَقع خِلافٌ، كما لم يَقعِ الخِلافُ في أنَّ ما في السُّورةِ منها، هذا هو العُمدةُ مع الذي قبلَه مِنْ الاستِدلالِ.
فأمَّا مِنْ طَريقِ أخبارِ الآحادِ فيما يتعلَّقُ بأجزاءِ الصَّلاةِ، مع عدمِ قِراءَتِها فيما رُويَ عنه ﷺ أنَّه قالَ: «إنَّ اللهَ ﷿ يَقولُ: قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وبينَ عَبدي نِصفَينِ، فنِصفُها لي، ونِصفُها لِعَبدي، ولِعَبدي ما سألَ، فإذا قالَ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، يَقولُ اللهُ: حَمِدَني عَبدي … إلى أن قالَ: فإذا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [﴿: ٥]، يَقولُ اللهُ ﷿: هذه الآيةُ نِصفُها لي، ونِصفُها لِعَبدي، ولِعَبدي ما سألَ»، ففي هذا دَليلانِ:
أحَدُهما: أنَّه قالَ: يَقولُ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، ولو كانَت منها لَكانَ يَقولُ: فإذا قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
والآخَرُ: إخبارُه بأنَّها نِصفانِ، وهذا لا يُمكِنُ إلا أن يَكونَ أوَّلُها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، وإلا كانَ أكثرَ مِنْ نِصفِها، وقالَ عليه السلام: «لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورةً ما أُنْزِلَ في التَّوراةِ ولا في الإنجِيلِ مِثلُها»، فذكرَ إلى أن قالَ: «كَيفَ تَقُولُ إذا افتَتحتَ الصَّلاةَ؟ فقَرَأتُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، حتى أتَيتُ على آخرِها»، مَوضِعُ الدَّليلِ أنَّه لم يَذكُرِ التَّسمِيَةَ، ولم يُنكِر ذلك عليه، فدلَّ على أنَّها لَيسَت منها (١).
وقالَ الحَنابلَةُ في الصَّحِيحِ مِنْ المَذهبِ: إنَّ البَسمَلَةَ ليست بآيَةٍ مِنْ الفاتِحةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إنَّ قِراءةَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مَشروعةٌ في الصَّلاةِ في أوَّلِ الفاتِحةِ، وأوَّلِ كلِّ سُورةٍ، في قولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ … ؛ لمَا رَوى نُعَيمٌ المُجمِرُ أنَّه قالَ: «صلَّيتُ وَراءَ أبي هُريرةَ فَقرأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأَ بِأُمِّ القُرآنِ، وقالَ: وَالَّذي نَفسِي بيَدِه إنِّي لَأَشبَهكُم صَلاةً بِرَسولِ اللهِ ﷺ» (٢).
(١) «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٥٥، ٢٥٦) رقم (١٧٦)، ويُنظر: «الذخيرة» (٢/ ١٧٦، ١٧٨)، و «القوانين الفقهية» (٤٤).
(٢) رواه النسائي (٩٠٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١/ ٢٥١)، وابن حبَّان في «صحيحه» (٥/ ١٠٠)، والدَّارقطنيُّ (١/ ٣٠٠)، وقال: صَحيح، رُواته كلهم ثِقات، والبَيهَقي (٢/ ١٤٦، ١٥٨)، وقال: إسناده صَحيح، وقال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٢٦٧): «وهو أصح حديث ورد في ذلك، لكن ضَعَّف الألباني إسناده».
ثم قالَ: واختلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ هل هي آيَةٌ مِنْ الفاتِحةِ تَجِبُ قِراءَتُها في الصَّلاةِ أو لا، فعَنه أنَّها مِنْ الفاتِحةِ، وذَهب إليه أبو عَبد اللهِ بنُ بَطَّةَ وأبو حَفصٍ، وهو قولُ ابنِ المُبارَكِ والشافِعيِّ وإسحاقَ وأبي عُبَيدٍ، قالَ ابنُ المُبارَكِ: مَنْ تركَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقد تركَ مِئةً وثَلاثَ عَشرَةَ آيَةً، وكذلك قالَ الشافِعيُّ: هي آيَةٌ مِنْ كلِّ سُورةٍ؛ لِحَديثِ أُمِّ سَلمةَ، ورَوى أبو هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا قَرَأتُمُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فاقرَؤُوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ فإنَّها أُمُّ الكتابِ، وإنَّها السَّبعُ المَثاني، وَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةٌ مِنها»، ولأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم أثبَتوها في المَصاحِفِ بخَطِّهم، ولم يُثبِتوا بينَ الدَّفتَينِ سِوى القُرآنِ.
ورُويَ عن أحمدَ أنَّها ليست مِنْ الفاتِحةِ، وليست آيَةً مِنْ غيرِها، ولا يجبُ قِراءَتُها في الصَّلاةِ، وهي المَنصورةُ عندَ أصحابِه، وقولُ أبي حَنيفَةَ ومالِكٍ والأوزاعِيِّ وعَبد اللهِ بنِ مَعبَدٍ الرُّمَّانِيِّ.
واختُلِفَ عن أحمدَ فيها، فقيلَ عنه: هي آيَةٌ مُفرَدَةٌ، كانَت تَنزِلُ بينَ سُورَتَينِ؛ فَصلًا بينَ السُّوَرِ.
وعنه: إنَّما هي بَعضُ آيَةٍ مِنْ سُورةِ النَّملِ. كذلك قالَ عَبد اللهِ بنُ مَعبَدٍ والأوزاعِيُّ: ما أُنزِلَت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلَّا في سُورةِ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠].
والدَّليلُ على أنَّها ليست مِنْ الفاتِحةِ ما رَوى أبو هُريرةَ قالَ سَمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «قالَ اللهُ تَعالى قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ،
وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، قالَ اللهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [﴿: ٣]، قالَ اللهُ تَعالَى: أثنَى عَلَيَّ عَبدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [﴿: ٤]، قالَ: مَجَّدَنِي عَبدي، وقالَ مرَّةً: فَوَّضَ إلَيَّ عَبدي، فإذا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [﴿: ٥]، قالَ: هذا بَينِي وَبينَ عَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٦، ٧]، قالَ: هذا لِعَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ» أخرَجهُ مُسلِمٌ.
فلو كانَت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةً، لَعَدَّها وبَدأَ بها، ولم يَتحَقَّقِ التَّنصيفُ؛ لأنَّ آياتِ الثَّناءِ تَكونُ أربَعًا ونِصفَ آيَةٍ، ولأنَّ آياتِ الدُّعاءِ تَكُونُ اثنَتَينِ ونِصفَ آيَةٍ، وعلى ما ذكَرنا يَتحَقَّقُ التَّنصيفُ.
فإن قيلَ: فقد رَوى عبدُ اللهِ بنُ زِيادِ بنِ سَمعانَ: يَقولُ عَبدي إذا افتَتحَ الصَّلاةَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فيَذكُرُني عَبدي.
قُلنا: ابنُ سَمعانَ مَتروكُ الحَديثِ، لا يُحتَجُّ به، قالَه الدَّارقُطنيُّ، واتِّفاقُ الرُّواةِ على خِلافِ رِوايَتِه أولَى بالصَّوابِ.
ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «سُورةٌ هي ثَلاثونَ آيَةً، شَفَعَت لِقارِئِها، ألا وهي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وهي ثَلاثونَ آيَةً سِوَى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
وأجمعَ النَّاسُ على أنَّ سُورةَ الكَوثَرِ ثَلاثُ آياتٍ بدُونِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولو كانَت منها لَكانَت أربَعًا، ولأنَّ مَواضِعَ الآيِ تَجري مَجرى
الآيِ أنفُسِها في أنَّها لا تَثبُتُ إلا بالتَّواتُرِ، ولم يُنقَل في ذلك تَواتُرٌ.
فأمَّا قولُ أُمِّ سَلمةَ فهو مِنْ رَأيِها، ولا يُنكَرُ الاختِلافُ في ذلك على أنَّنا نَقُولُ: هي آيَةٌ مُفرَدةٌ؛ لِلفَصلِ بينَ السُّوَرِ.
وحَديثُ أبي هُريرةَ مَوقوفٌ عليه؛ فإنَّه مِنْ رِوايةِ أبي بَكرٍ الحَنَفيِّ عن عَبد الحَميدِ بنِ جَعفَرٍ عن نُوحِ بنِ أبي بِلالٍ قالَ: قالَ أَبو بَكرٍ: راجَعتُ فيه نُوحًا، فوقفَه، وهذا يدلُّ على أنَّ رَفعَه كانَ وَهمًا من عَبد الحَميدِ، وأمَّا إثباتُها بينَ السُّوَرِ في المُصحَفِ فلِلفَصلِ بينَها؛ ولذلك أُفرِدَت سَطرًا على حِدَتِها (١).
وذَهب الشافِعيَّةُ إلى أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةٌ مِنْ الفاتِحةِ؛ لِحَديثِ أُمِّ سَلمةَ رضي الله عنها: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قرأَ في الصَّلاةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وَعَدَّهَا آيَةً، وَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آيَتَينِ» (٢).
وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذَا قَرَأتُم فَاتِحَةَ الكتابِ فَاقرَؤُوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ فَأنَّها أُمُّ القُرآنِ وَالسَّبعُ المَثَانِي، وَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحدَى آيَاتِهَا» (٣). ولأنَّ الصَّحابَةَ رضي الله عنهم أثبَتُوها فيما جَمَعوا مِنْ القُرآنِ؛ فدلَّ على أنَّها آيَةٌ منها.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: مَذهبُنا أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةٌ كامِلةٌ
(١) «المغني» (٢/ ٢٥، ٣٠)، و «الكافي» (١/ ١٣٠)، و «المبدع» (١/ ٤٣٤)، و «الإنصاف» (٢/ ٤٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: سيأتي تخريجه.
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الحاكم في «المستدرك» (٢٠٥١).
مِنْ أوَّلِ الفاتِحةِ بلا خِلافٍ، وليست في أوَّلِ ﴿بَرَاءَةٌ﴾، بإجماعِ المُسلِمِينَ، وأمَّا باقي السُّوَرِ غيرِ الفاتِحةِ وَ ﴿بَرَاءَةٌ﴾، ففي البَسمَلَةِ في أوَّلِ كلِّ سُورةٍ منها ثَلاثَةُ أقوالٍ، حَكاها الخُراسَانِيُّونَ، أصحُّها وأشهَرُها -وهو الصَّوابُ، أوِ الأصوَبُ- أنَّها آيَةٌ كامِلةٌ، والثاني: أنَّها بَعضُ آيَةٍ، والثَّالثُ: أنَّها ليست بقُرآنٍ في أوائِلِ السُّوَرِ غيرِ الفاتِحةِ، والمَذهبُ أنَّها قُرآنٌ في أوائِلِ السُّوَرِ، غيرَ ﴿بَرَاءَةٌ﴾، ثم هل هي في الفاتِحةِ وغيرِها قُرآنٌ على سَبيلِ القَطعِ، كسائرِ القُرآنِ، أو على سَبيلِ الحُكمِ؛ لاختِلافِ العُلماءِ فيها وَجهانِ مَشهورانِ لِأصحابِنا، حَكاهُما المَحامِليُّ وصاحِبُ الحاوي والبَندَنيجِيُّ، أحَدُهما: على سَبيلِ الحُكمِ بمَعنى أنَّه لا تَصحُّ الصَّلاةُ إلا بقِراءَتِها في أوَّلِ الفاتِحةِ، ولا يَكونُ قارِئًا لِسُورةٍ غيرِها بكَمالِها إلا إذا ابتَدَأَها بالبَسمَلَةِ (والصَّحِيحُ) أنَّها ليست على سَبيلِ القَطعِ؛ إذ لا خِلافَ بينَ المُسلِمِينَ أنَّ نافيَها لا يَكفرُ، ولو كانَت قُرآنًا قَطعًا لَكفرَ، كمَن نَفَى غيرَها، فعَلى هذا يُقبلُ في إثباتِها خَبرُ الواحدِ، كسائرِ الأحكامِ، وإذا قالَ: هي قُرآنٌ على سَبيلِ القَطعِ، لم يُقبل في إثباتِها خَبرُ الواحدِ، كسائرِ القُرآنِ، وإنَّما ثَبت بالنَّقلِ المُتواتِرِ عن الصَّحابةِ في إثباتِها في المُصحَفِ، كما سَيَأتي تَحريرُه في فَرعِ مَذاهبِ العُلماءِ إن شاءَ اللهُ تَعالى. وضَعَّفَ إمامُ الحَرمَينِ وغيرُه قولَ مَنْ قالَ: إنَّها قُرآنٌ على سَبيلِ القَطعِ، قالَ الإمامُ: هذه غَباوَةٌ عَظيمةٌ مِنْ قائِلِ هذا؛ لأنَّ ادِّعاءَ العِلمِ حيث لا قاطِعَ مُحالٌ. وقالَ صاحِبُ الحاوي: قال جُمهورُ أصحابِنا: هي آيَةٌ، حُكمًا لا قَطعًا. وقالَ أبو علِيِّ بنُ هُبيرةَ: هي آيَةٌ مِنْ أوَّلِ كلِّ سُورةٍ غيرِ ﴿بَرَاءَةٌ﴾ قَطعًا، ولا خِلافَ عندَنا أنَّها تَجِبُ قِراءَتُها في أوَّلِ الفاتِحةِ، ولا
تَصحُّ الصَّلاةُ إلَّا بها؛ لأنَّها كبَقيَّةِ الفاتِحةِ، قالَ الشافِعيُّ والأصحابُ: ويُسنُّ الجَهرُ بالبَسمَلَةِ في الصَّلاةِ الجَهريَّةِ في الفاتِحةِ، وفي السُّورةِ، وهذا لا خِلافَ فيه عندَنا.
فَرعٌ في مَذاهبِ العُلماءِ في إثباتِ البَسمَلَةِ وعدمِه: اعلَم أنَّ مَسألةَ البَسمَلَةِ عَظيمةٌ مُهِمَّةٌ، يَنبَني عليها صحَّةُ الصَّلاةِ التي هي أعظَمُ الأركانِ بعدَ التَّوحيدِ، ولهذا المَحَلِّ الأعلى الذي ذَكَرتُه مِنْ وَصفِها اعتنَى العُلماءُ مِنْ المُتقدِّمينَ والمُتأَخِّرينَ بشَأنِها، وأكثرُوا التَّصانيفَ فيها مُفرَدةً، وقد جَمعَ الشَّيخُ أبو مُحمدٍ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ المَقدِسِيُّ الدِّمَشقِيُّ ذلك في كتابِه المَشهورِ، وحَوَى فيه مُعظَمَ المُصَنَّفاتِ في ذلك في مُجلَّدٍ كَبيرٍ، وأنا -إن شاءَ اللهُ تَعالى- أذكُرُ هنا جَميعَ مَقاصِدِه مُختَصَرةً، وأضُمُّ إليها تَتِمَّاتٍ لا بدَّ منها، فأقُولُ: قد ذكَرنا أنَّ مَذَهبنا أنَّ البَسمَلَةَ آيَةٌ مِنْ أوَّلِ الفاتِحةِ بلا خِلافٍ، فكذلك هي آيَةٌ كامِلةٌ مِنْ أوَّلِ كلِّ سُورةٍ غيرِ ﴿بَرَاءَةٌ﴾، على الصَّحِيحِ مِنْ مَذهبِنا، كما سبقَ، وبهذا قالَ خَلائِقُ لا يُحصَونَ مِنْ السَّلفِ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمة الله عليه: وقد تَنازَعَ العُلماءُ هل هي آيَةٌ أو بَعضُ آيَةٍ مِنْ كلِّ سُورةٍ، أو ليست مِنْ القُرآنِ إلا في سُورةِ النَّملِ أو هي آيَةٌ مِنْ كتابِ اللهِ، حيثُ كُتِبت في المَصاحِفِ، وليست مِنْ السُّوَرِ، على ثَلاثةِ أقوالٍ، والقولُ الثَّالثُ هو أوسَطُ الأقوالِ، وبه تَجتَمِعُ الأدلَّةُ؛ فإنَّ كتابَةَ
(١) «المجموع» (٣/ ٢٧٩، ٢٨٠)، ويُنظر: «شَرح صَحيح مُسلِم» (٤/ ١١١)، و «الحاوي الكبير» (٢/ ١٠٥، ١٠٩)، و «المهذب» (١/ ٧٣).
الصَّحابةِ لها في المَصاحِفِ دَليلٌ على أنَّها مِنْ كتابِ اللهِ، وفي كَونِهم فَصَلوها عن السُّورةِ التى بعدَها دَليلٌ على أنَّها ليست منها، وقد ثَبت في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «نزلَت علَيَّ آنِفًا سُورةٌ»، فقرأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، إلى آخرِها.
وثَبت في الصَّحِيحِ «أنَّه أوَّلَ ما جاءَ المَلَكُ بالوَحيِ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]»، فهَذا أوَّلُ ما نزلَ، ولم يَنزِل قبلَ ذلك ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وثَبت عنه في السُّننِ أنَّه ﷺ قالَ: «سُورةٌ مِنْ القُرآنِ ثَلاثونَ آيَةً شَفَعَت لِرَجلٍ حتى غُفِرَ له، وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾»، وهي ثَلاثونَ آيَةً بدُونِ البَسمَلَة.
وثَبت عنه في الصَّحِيحِ أنَّه قالَ: «يَقولُ اللهُ تَعالى: قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [﴿: ٢]، قالَ اللهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [﴿: ٣]، قالَ اللهُ تَعالَى: أثنَى عَلَيَّ عَبدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [﴿: ٤]، قالَ: مَجَّدَنِي عَبدي، وقالَ مرَّةً: فَوَّضَ إلَيَّ عَبدي، فإذا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [﴿: ٥]، قالَ: هذا بَينِي وَبينَ عَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [﴿: ٦، ٧]، قالَ: هذا لِعَبدي، وَلِعَبدي ما سَأَلَ».
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب طول القراءة وقصرها)
(باب طول القراءة وقصرها)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَأُحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصُّبْحِ مَعَ أُمِّ القرآن بطوال الْمُفَصَّلِ وَفِي الظُّهْرِ شَبِيهًا بِقِرَاءَةِ الصُّبْحِ وَفِي العصر نحواً مما يقرؤه فِي الْعِشَاءِ وَأُحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْعِشَاءِ بسورة الجمعة و {إذا جاءك المنافقون} وَمَا أَشْبَهَهَا فِي الطُّولِ وَفِي الْمَغْرِبِ بالعاديات وما أشبهها "
قال الماوردي: قد ذكرنا أَنَّ قِرَاءَةَ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُنَّةٌ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصبح بطوال المفصل
" الطُّورِ " وَ " الذَّارِيَاتِ " ، وَ " قَافْ " وَ " الْمُرْسَلَاتِ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَرَأَ فِيهَا بِالْوَاقِعَةِ
وَرُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَرَأَ بِسُورَةِ قافٍ
وَرُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَرَأَ بِالْمُرْسَلَاتِ
وَرَوَى قُطْبَةُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَرَأَ فِي الصُّبْحِ بِسُورَةِ {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قِصَّةِ مُوسَى وَعِيسَى أَخَذَ بِرُسْغَيْهِ فَرَكَعَ، لِأَنَّ وَقْتَ الصُّبْحِ مُتَّسِعٌ فَاحْتِيجَ فِيهِ إِلَى سُوَرٍ طِوَالٍ لِيُدْرِكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ، فَأَمَّا الظُّهْرُ فَيَقْرَأُ فِيهَا قَرِيبًا مِمَّا هُوَ فِي الصُّبْحِ لَكِنْ دُونَهُ فِي الطُّولِ قَلِيلًا
فَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صلى الظهر فسجد فيها، فقدرنا، ترك السجدة
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل أركان الصلاة
الْمُقِيمِينَ، فَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمِصْرَ أَنَّ الْمَاءَ أَمَامَهُ فَمَشَى إلَيْهِ فَتَوَضَّأَ - صَلَّى أَرْبَعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ بِالنِّيَّةِ صَارَ مُقِيمًا، فَبِالْمَشْيِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَمَامَهُ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا فِي حَقِّ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَإِنْ حَصَلَتْ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِفِعْلِ السَّفَرِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ مُسَافِرًا لَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ عَمَلٌ، فَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ مَنَعَتْهُ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْعَمَلِ شَرْعًا، بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا تَرْكُ السَّفَرِ، وَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ لَا تَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَوْ تَكَلَّمَ حِينَ عَلِمَ بِالْمَاءِ أَمَامَهُ، أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا حَتَّى فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي مَكَانِهِ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا، وَلَوْ مَشَى أَمَامَهُ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَافِرًا ثَانِيًا بِالْمَشْيِ إلَى الْمَاءِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَيُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ، بِخِلَافِ الْمَشْيِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ أَخْرَجَتْهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَفَرًا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ
(فَصْلٌ) :
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب الأذان
باب الأذان
الأذانُ إعْلَامٌ بوقتِ الصلاةِ. والأصْلُ في الأذانِ الإِعْلَامُ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} أىْ: إعْلَامٌ، و: {آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} . أي أَعْلَمْتُكُمْ، فَاسْتَوَيْنَا في العِلْمِ. وقالَ الحارثُ بنُ حِلِّزَةَ:
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أسْمَاءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُملُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
أي: أعْلَمَتْنا.
والأذانُ الشَّرْعِىُّ هو اللَّفْظُ المعلُومُ المَشْرُوعُ في أوقاتِ الصلواتِ للإِعْلَامِ بوقْتِها. وفيه فَضْلٌ كثِيرٌ وأجْرٌ عظيمٌ، بدليلِ ما رَوَى أبو هريرة، أن رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" . وقال أبو سعيدٍ الخُدْرِىِّ: "إذا كنتَ في غَنمِكَ، أو بادِيَتِكَ، فأذَّنْتَ بالصلَاةِ، فارْفَعْ صوتَكَ بالنِّدَاءِ؛ فإنَّه لا يَسْمَعُ صَوْتَ المؤذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شيءٌ إلَّا شَهِدَ له يومَ القيامَةِ" . قال أبو سعيد: سَمِعْتُهُ من رسولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. أخرجهما البخاريُّ . وعن مُعَاوِيَة قال:
سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامَةِ" . أخرجهُ مُسْلِمٌ . وعن ابن عمر قال: قال رسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ المِسْكِ" أُرَاهُ قال: "يَوْمَ القِيَامَةِ، يَغْبِطُهُم الأَوَّلُونَ والآخِرُونَ، رَجُلٌ نَادَى بالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ؛ وَرَجُلٌ يَؤُمُّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ راضُونَ، وعَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّه وحَقَّ مَوَالِيهِ" . أخرجهُ التِّرْمِذِىُّ ، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.