قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد

الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 18 دقيقة قراءة

قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد - الأقوال والأدلة

١٣ - قِراءَةُ القُرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ والتشهُّدِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على كَراهةِ قِراءةِ القُرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ والتشهُّدِ؛ لِما رَوى مُسلِمٌ عن علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه قالَ: «نَهَانِي رَسولُ اللهِ أَنْ أَقرَأَ رَاكِعًا أو ساجِدًا» (١).

ولِقولِه : «نُهِيتُ أَنْ أقرأَ القُرآنَ رَاكِعًا أو ساجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ ﷿، وَأَمَّا السُّجودُ فَاجتَهِدُوا في الدُّعاءِ؛ فَقَمِنٌ أَنْ يُستَجَابَ لَكُمْ» (٢)، «قَمِنٌ»، معناه: جَدِيرٌ وحَرِيٌّ.

قالَ ابنُ عَبد البرِّ رحمة الله عليه: «أجمَعوا أنَّ الرُّكوعَ مَوضِعُ تَعظيمٍ للهِ بالتَّسبيحِ والتَّقديسِ ونحوِ ذلك مِنْ الذِّكرِ، وأنَّه ليس بمَوضِعِ قِراءةٍ» (٣).

وقالَ الخطَّابيُّ رحمة الله عليه: «لمَّا كانَ الرُّكوعُ والسُّجودُّ -وهما غايةُ الذُّلِّ والخُضوعِ- مَخصوصَينِ بالذِّكرِ والتَّسبيحِ؛ نُهي عن القِراءةِ فيهِما» (٤).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اتَّفقَ الجُمهورُ على مَنعِ قِراءةِ القُرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ؛ لحَديثِ علِيٍّ في ذلكَ، قالَ رَسولُ اللهِ : «نَهاني جِبريلُ أن أقرأَ القُرآنَ راكِعًا وساجِدًا». قالَ الطَّبريُّ: «وهوَ حَديثٌ صَحيحٌ، وبهِ أخذَ فُقهاءُ الأمصارِ».

(١) رَواهُ مُسلِم (٤٨٠).
(٢) رَوَاهُ مُسلِم (٤٧٩).
(٣) «التَّمهيد» (١٦/ ١١٨)، و «الاستذكار» (١/ ٤٣١).
(٤) «عَونُ المَعبود» (٣/ ٩١).

وصارَ قَومٌ مِنْ التَّابِعينَ إلى جَوازِ ذلكَ، وهوَ مَذهبُ البُخاريِّ؛ لأنَّه لم يَصحَّ الحَديثُ عندَهُ، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمة الله عليه: «وفي نَهيِهِ عن قِراءةِ القِرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ دَليلٌ على أنَّ القُرآنَ أشرَفُ الكَلامِ؛ إذ هو كَلامُ اللهِ، وحالةُ الرُّكوعِ والسُّجودِ ذُلٌّ وانخِفاضٌ مِنْ العَبد، فمِنَ الأدَبِ مَنعُ كلامِ اللهِ أن يُقرأَ في هاتَينِ الحالتَينِ» (٢).

وقالَ الإمامُ القَرَافِيُّ رحمة الله عليه: «قاعِدةٌ»: اللهُ غَنيٌّ عن خَلقِه على الإطلاقِ، لا تَنفَعُهُ الطَّاعةُ ولا تَضُرُّهُ مَعصيةٌ، لكنَّه أمرَنَا أن نُظهِرَ الذُّلَّ والانقيادَ لِجَلالِه في حالاتٍ جَرَتِ العاداتُ بأنَّها مَوضوعةٌ لذلك؛ كالرُّكوعِ والسُّجودِ، والمُبادَرَةِ إلى الأوامرِ، والمُباعدةِ عن النَّواهِي، وأن نَتأدَّبَ معه في الحالاتِ التي تَقتضِي الأدَبَ عادةً؛ ولذلك قالَ عليه السلام: «استَحيِ مِنْ الله كمَا تَستَحيِي مِنْ شَيخٍ مِنْ صَالِحِي قَومِكَ» (٣). ولمَّا كانَتِ العادةُ جاريةً عندَ الأَمَاثِلِ والمُلوكِ بتَقديمِ الثَّناءِ عليهم قبلَ طَلبِ الحَوائِجِ منهم؛ لِتَنبَسِطَ نُفوسُهُم لإنالَتِها، أمرَنا اللهُ بتَقديمِ الثَّناءِ على الدُّعاءِ؛ كقولِ أُميَّةَ بنِ أبي الصَّلتِ:

(١) «بداية المجتهد» (١/ ١٨٢).
(٢) الفتاوى «الكبرى» (٤/ ٤٢٢).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أحمدُ في «الزُّهد» (٤٦)، والبَيهَقيُّ في «الشُّعَبِ» (٢/ ٢٦٢)، والخَرائِطِيُّ في «مَكارِمِ الأخلاق» (٥٠).

أَأَذكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كفَانِي

حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الحَيَاءُ

إِذَا أثنَى عَلَيكَ المَرءُ يَومًا

كفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِكَ الثَّنَاءُ

كَرِيمٌ لَا يُغَيِّرُه صَباحٌ

عَنِ الخلُقِ الجَمِيلِ ولا مسَاءُ

فالدُّعاءُ في السُّجودِ لوجهَينِ، أحدُهُما لِهذا المعنَى.

والآخَرُ: أنَّه غايةُ حالاتِ الذُّلِ والخُضوعِ بوَضعِ أشرَفِ ما في الإنسانِ -الَّذي هو رَأسُه- في التُّرابِ، فيُوشِكُ ألَّا يُردَّ عن مَقصِدِه وأن يَصلَ إلى مَطلَبِه» (١).

وقال ابنُ المَلِكِ: «وكَأنَّ حِكمَتَه أنَّ أفضَلَ أركانِ الصَّلاةِ القيامُ، وأفضَلَ الأذكارِ القُرآنُ، فجُعل الأفضلُ لِلأفضَلِ، ونُهي عن جَعلِه في غيرِه؛ لِئلَّا يُوهِمَ استِواءَه مع بَقيَّةِ الأذكارِ».

وقِيلَ: «خُصَّتِ القِراءةُ بالقِيامِ أو القُعودِ عندَ العَجزِ عنه؛ لأنَّهما من الأفعالِ العادِيَّةِ، ويَتمحَّضانِ لِلعِبادةِ، بخِلافِ الرُّكوعِ والسُّجودِ؛ لأنَّهما بذَواتِهما يُخالِفانِ العادةَ، ويَدُلَّانِ على الخُضوعِ والعِبادةِ، ويُمكِنُ أن يُقالَ: إنَّ الرُّكوعَ والسُّجودَ حالَان دَالَّانِ على الذُّلِّ ويُناسِبُهما الدُّعاءُ والتَّسبيحُ،

(١) «الذَّخِيرة» (٢/ ١٨٩)، ويُنظر: ابنُ عابدِين (١/ ٥٢٣)، والطَّحاوِيُّ (١/ ١٩٠)، و «بداية المجتهد» (١/ ١٨٢)، و «المجموع» (٣/ ٣٧٢)، و «شرح مسلم» (٤/ ١٧٧)، و «المغني» (٢/ ٥٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب صفة الصلاة وما يجزئ منها وما يفسدها وعدد سجود القرآن)

(بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَمَا يُجْزِئُ مِنْهَا وَمَا يفسدها وعدد سجود القرآن)

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَإِذَا أَحْرَمَ إِمَامًا، أَوْ وَحْدَهُ نَوَى صَلَاتَهُ فِي حَالِ التَّكْبِيرِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ "

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ نَوَى صَلَاتَهُ وإن كان مَعْلُومًا أَنَّهُ لَا يَنْوِي صَلَاةَ غَيْرِهِ رَدًّا عَلَى مَالِكٍ، وأبي حنيفة، حِينَ مَنَعَا مِنَ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ

وَأَمَّا النِّيَّةُ: فَمِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ

وَالدِّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِهَا قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} البينة: ٥ وَالْإِخْلَاصُ فِي كَلَامِهِمْ: النِّيَّةُ

وَرَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نوى "

فَإِذَا تَقَرَّرَ وُجُوبُهَا فَالْكَلَامُ فِيهَا يَقَعُ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:

أَحَدُهَا: مَحَلُّ النِّيَّةِ

وَالثَّانِي: كَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ

وَالثَّالِثُ: وَقْتُ النِّيَّةِ

وَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَحَلُّ النِّيَّةِ وَهُوَ الْقَلْبُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِهِ، لِأَنَّهَا تُفْعَلُ بِأَنْأَى عُضْوٍ فِي الْجَسَدِ، وَهُوَ الْقَلْبُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَهُ ثلاثة أحوال:

أحدها: أن ينوي بقلبه، وبلفظ بِلِسَانِهِ فَهَذَا يُجْزِئُهُ، وَهُوَ أَكْمَلُ أَحْوَالِهِ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل بيان سبب وجوب سجود السهو

الْوَاقِعَةِ فِي مَحَلِّهَا، فَأَمَّا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ فَمَحَلُّهَا قَبْلَ الْقَعْدَةِ، فَالْعَوْدُ إلَيْهَا يَرْفَعُ الْقَعْدَةَ كَالْعَوْدِ إلَى السَّجْدَةِ الصُّلْبِيَّةِ فَهُوَ الْفَرْقُ.

(أَمَّا) قَوْلُهُمْ: إنَّ لَهُ مَدْخَلًا فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فَنَقُولُ: أَصْلُ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا لَكِنَّ لَهَا أَرْكَانٌ لَا تَقُومُ بِدُونِهَا، وَوَاجِبَاتٌ تَنْتَقِصُ بِفَوَاتِهَا وَتَغْيِيرِهَا عَنْ مَحَلِّهَا، فَيُحْتَاجُ إلَى الْجَابِرِ، مَعَ أَنَّ النَّفَلَ يَصِيرُ وَاجِبًا عِنْدَنَا بِالشُّرُوعِ وَيَلْتَحِقُ بِالْوَاجِبَاتِ الْأَصْلِيَّةِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا يُبَيَّنُ فِي مَوَاضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَصْلٌ بَيَانُ سَبَبِ وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ سَبَبِ الْوُجُوبِ فَسَبَبُ وُجُوبِهِ تَرْكُ الْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ تَغْيِيرُهُ أَوْ تَغْيِيرُ فَرْضٍ مِنْهَا عَنْ مَحَلِّهِ الْأَصْلِيِّ سَاهِيًا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الصَّلَاةِ فَيَجِبُ جَبْرُهُ بِالسُّجُودِ، وَيَخْرُجُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ السَّهْوُ عَنْهُ لَا يَخْلُو أَمَّا إنْ كَانَ مِنْ الْأَفْعَالِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ الْأَذْكَارِ، إذْ الصَّلَاةُ أَفْعَالٌ وَأَذْكَارٌ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَفْعَالِ بِأَنْ قَعَدَ فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ أَوْ قَامَ فِي مَوْضِعَ الْقُعُودِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ لِوُجُودِ تَغْيِيرِ الْفَرْضِ، وَهُوَ تَأْخِيرُ الْقِيَامِ عَنْ وَقْتِهِ، أَوْ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِهِ مَعَ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ الْقَعْدَةُ الْأُولَى.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصلاة الثاني
الباب التاسع في سجود القرآن

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَقُولُ: (اللَّهُ أَكْبَرُ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ الرَّابِعَةَ: (وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) . وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ.

وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: عَدَمُ التَّحْدِيدِ فِي ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ، مَعَ فَهْمِهِمْ مِنَ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ التَّوْقِيتِ - أَعْنِي: فَهْمَ الْأَكْثَرِ. وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي تَوْقِيتِ زَمَانِ التَّكْبِيرِ - أَعْنِي: فَهْمَ التَّوْقِيتِ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ.

وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إِلَى الْمُصَلَّى، وَأَنْ لَا يُفْطِرَ يَوْمَ الْأَضْحَى إِلَّا بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْجِعَ على غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.

الْبَابُ التَّاسِعُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ

ِ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ فُصُولٍ: فِي حُكْمِ السُّجُودِ، وَفِي عَدَدِ السَّجَدَاتِ الَّتِي هي عَزَائِمُ - أَعْنِي: الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا -، وَفِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا، وَعَلَى مَنْ يَجِبُ السُّجُودُ، وَفِي صِفَةِ السُّجُودِ.

فَأَمَّا حُكْمُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ قَالُوا: هُوَ وَاجِبٌ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: هُوَ مَسْنُونٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 344 - 346

ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده