كيفية الجلوس

الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > كيفية الجلوس

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 14 دقيقة قراءة

كيفية الجلوس - الأقوال والأدلة

ما يدلُّ على ثُبوتِ الأفضَليةِ فيهما مِنْ حيثُ النَّقلُ، وأمَّا مِنْ حيثُ المَعنى، فالأفضَليَّةُ ظاهِرةٌ في الأوَّلِ.

والمَسألةُ مَشهورةٌ في كُتُبِ الفِقهِ، والغَرضُ منها أنَّ كلَّ مَنْ ذكرَ هذه المَسألةَ مِنْ الفُقهاءِ قاطِبَةً، لم يَقع في كَلامِ أحَدٍ منهم: «سيِّدُنا»، ولو كانت هذه الزِّيادةُ مَندوبةً، ما خَفِيَت عليهم كلِّهم حتى أغفَلوها، والخَيرُ كلُّه في الاتِّباعِ، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أكمَلُ الصَّلاةِ على النَّبيِّ وأفضَلُها: «اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ … » (٢).

١٧ - كَيفيَّةُ الجُلوسِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في هَيئةِ الجُلوسِ المَسنونةِ في الصَّلاةِ، هل السُّنةُ الافتِراشُ في جَميعِ جَلساتِ الصَّلاةِ، أو التَورُّكُ مُطلَقًا، أو الافتِراشُ في التشهُّدِ الأوسَطِ، والتَورُّكُ في التشهُّدِ الأخِيرِ؟

فذَهب الحَنفيَّةُ إلى التَّفريقِ بينَ الرَّجلِ وبينَ المَرأةِ؛ فالرَّجلُ يُسنُّ له الافتِراشُ، والمَرأةُ يُسنُّ لها التَورُّكُ، سَواءٌ أكانَ في القَعدةِ الأُولى، أو في الأخيرةِ، أو الجَلسةِ بينَ السَّجدتَينِ.

(١) نَقلًا من صفة صلاة النبي للشيخ الألباني رحمة الله عليه (١٥٠، ١٥٢)، وقد ذكر هذا الكلام أيضًا الطحطاوي في «حاشيته على مراقي الفلاح» عن الحافظ ابن حجر (١/ ١٨١).
(٢) «رَوضة الطالبين» (١/ ٢٦٥)، و «الأذكار» (٧٦)، ويُنظر: «الدُّر المختار» (١/ ٥١٣، ٥١٤).

واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه وائِلُ بنُ حُجرٍ في صِفةِ صَلاةِ النَّبيِّ ، وفيه: «أَنَّه كانَ إِذَا قَعد في الصَّلاةِ نصبَ اليُمنَى وَقَعد على اليُسرَى» (١). وقالوا: وما وردَ مِنْ تَورُّكِه عليه الصلاة والسلام مَحمولٌ على حالِ كِبَرِه وضَعفِه، وكذا يَفتَرِشُ بينَ السَّجدتَينِ (٢).

وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّ هَيئَةَ الجُلوسِ المَسنونةَ في جَميعِ جَلساتِ الصَّلاةِ هي التَورُّكُ، ولا فَرقَ عندَهم بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ؛ لمَا رَواه مالِكٌ في المُوَطَّأِ عن عَبد اللهِ بنِ عمرَ أنَّه قالَ: «إنَّما سُنَّةُ الصَّلاةِ أَنْ تَنصِبَ رِجلَكَ اليُمنَى وَتَثنِي اليُسرَى» (٣). وفي رِوايَتِه عن القاسِمِ بنِ مُحمدٍ أنَّه أَرَاهُمُ الجُلُوسَ في التشهُّدِ، فَنصبَ رِجلَه اليُمنَى وثَنى رِجلَه اليُسرَى، وَجلسَ على وَرِكِه اليُسرَى، ولم يَجلِس على قَدَمِه، ثم قالَ: «أَرَانِي هذا عَبد اللهِ بنُ عَبد اللهِ بنِ عمرَ، وَحَدَّثَنِي أَنَّ أَباهُ كانَ يَفعلُ ذلك» (٤).

وعن عَبد اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ رضي الله عنه قالَ: «كانَ رَسولُ اللَّهِ إذا قَعد في الصَّلاةِ جعلَ قَدَمَه اليُسرَى بينَ فَخِذِهِ وسَاقِهِ، وفرشَ قَدَمَه اليُمنَى ووضعَ يدَهُ اليُسرى على رُكبَتِه اليُسرى، ووضعَ يَدهُ اليُمنى على فَخِذِهِ اليُمنى، وأَشَارَ بِأصبعِه» (٥).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رَواه أبو داود (٩٥٧)، والنسائي (١٢٦٥).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٤٧٧)، و «عُمدة القاري» (٦/ ١٠٢، ١٠٣)، و «تبيين الحقائق» (١/ ١٢٢)، والهندية (١/ ٧٢).
(٣) رَواه البخاري (٧٩٣)، ومالك في «الموطأ» (٢٠١).
(٤) رواه مالك في «الموطأ» (٥٢)، والبَيهَقيُّ (٢/ ١٠٣) بإسناد صَحيح.
(٥) رَواه مُسلِم (٥٧٩).

وفي لَفظٍ: «إذا قَعد في الصَّلاةِ جعلَ قَدَمَه اليُسرى تحتَ فَخِذِهِ اليُمنى وَسَاقِهِ، وفرشَ قَدَمَه اليُمنَى» (١). وهذا لا يَكونُ إلا مع الإفضاءِ بوَرِكِه إلى الأرضِ على ما قُلنا، ولأنَّ ذلك أبلَغُ في التَّمكينِ، وأحسَنُ في وَقارِ الصَّلاةِ.

ولأنَّه فِعلٌ يَتكرَّرُ في الصَّلاةِ يَستَوي فيه الإمامُ والمَأمومُ، كانَ على صِفةٍ واحدةٍ، كالرُّكوعِ، ولأنَّها صِفةٌ مَسنونةٌ حالَ القُعودِ، لم تَختلِف صِفَتُها؛ كوَضعِ اليَدينِ على الفَخِذَينِ (٢).

وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه يُسنُّ التَورُّكُ في التشهُّدِ الأخيرِ، والافتِراشُ في باقي الجَلساتِ؛ لِحَديثِ أبي حُمَيدٍ رضي الله عنه: «أنَّ النَّبيَّ إذا جلسَ في الرَّكعتَينِ جلسَ على رِجلِه اليُسرَى، وَنصبَ اليُمنَى، وإذا جلسَ في الرَّكعَةِ الآخرةِ قدَّم رِجلَه اليُسرَى، وَنصبَ الأُخرَى، وَقَعد على مَقعدتِه». وفي رِوايةٍ: «فإذا كانَ في الرَّابعَةِ أَفضَى بِوَرِكِه اليُسرَى إلى الأرضِ، وَأَخرَج قَدمَيهِ مِنْ نَاحِيَةٍ واحدةٍ» (٣). والحِكمةُ في المُخالَفةِ بينَ الأخيرِ وغيرِه مِنْ بَقيَّةِ الجَلساتِ أنَّ المُصلِّي مُستوفِزٌ فيها لِلحَركةِ، بخِلافِه في الأخيرةِ، والحَركةُ عن الافتِراشِ أهوَنُ.

إلا أنَّ الشافِعيَّةَ قالوا: يُسنُّ التَورُّكُ في كلِّ تَشهُّدٍ يسلِّمُ فيه، وإن لم يَكنُ

(١) رَواه أبو داود (٩٨٨).
(٢) «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٨٣، ٢٨٤) رقم (٢٠٠)، و «الاستذكار» (١/ ٤٧٩)، و «التَّمهيد» (١٩/ ٢٤٨)، و «تفسير القرطبي» (١/ ٣٦٠)، و «بداية المجتهد» (١/ ١٩٢، ١٩٣).
(٣) رَواه البخاري (٧٩٤) بدون الرواية الأخيرة، وهي عند أبي داود (٧٣١).

ثانيًا، كتَشهُّدِ الصُّبحِ والجمُعةِ؛ لأنَّه تَشهُّدٌ يُسنُّ تَطويلُه، فسُنَّ فيه التَورُّكُ كالثاني. وأمَّا المَرأةُ فإنَّها تَجلِسُ بأيسَرِ ما يَكونُ لها (١).

أمَّا الحَنابلَةُ فلا يَتوَرَّكُ الرَّجلُ عندَهم إلا في التشهُّدِ الأخيرِ من صَلاةٍ فيها تَشهُّدانِ؛ لحَديثِ عائِشَةَ رضي الله عنها: «كانَ النَّبيُّ يَقولُ في كلِّ رَكعتَينِ التَّحِيَّةَ، وكانَ يَفرِشُ رِجلَه اليُسرَى، وَيَنصِبُ رِجلَه اليُمنَى» (٢). ولأنَّ التشهُّدَ الثانيَ إنَّما تَورَّك فيه لِلفَرقِ بينَ التشهُّدَينِ، وما ليس فيه إلا تَشهُّدٌ واحدٌ لا اشتِباه فيه، فلا حاجةَ إلى الفَرقِ.

وأمَّا المَرأةُ عندَهم فلها أن تَجلِسَ مُتربِّعةً؛ لأنَّ ابنَ عمرَ كان يَأمُرُ النِّساءَ أن يَتربَّعنَ في الصَّلاةِ، وأن تَسدِلَ رِجلَيهَا فتَجعَلَهما مِنْ جانِبِ يَمينِها، والمَنصوصُ عن أحمدَ أنَّ السَّدلَ أفضَلُ؛ لأنَّه غالِبُ فِعلِ عائِشَةَ رضي الله عنهما، ولأنَّه أشبَه بجِلسَةِ الرَّجلِ (٣).

وصِفةُ الافتِراشِ هي: أن يَنصِبَ قَدَمَه اليُمنَى قائِمةً على أطرافِ الأصابِعِ بحيثُ تَكونُ مُتوجِّهةً نحوَ القِبلةِ، ويَفرِشَ رِجلَه اليُسرى بحيثُ يَلي ظَهرُها الأرضَ جالسًا على بَطنِها.

والتَورُّكُ: كالافتِراشِ، لكِن يُخرِجُ يُسرَاهُ مِنْ جِهةِ يَمينِه ويُلصِقُ وَركَه بالأرضِ (٤).

(١) «الحاوي الكبير» (٢/ ١٣٣)، و «مُغني المحتاج» (١/ ١٧٢)، و «كشاف القناع» (١/ ٣٥٦، ٣٦٣)، و «المغني» (٢/ ٩٢، ٩٣)، و «الكافي» (١/ ١٤١).
(٢) رَواه مُسلِم (٤٩٨).
(٣) «المغني» (٢/ ٩٢، ٩٣)، و «الكافي» (١/ ١٤١)، و «كشاف القناع» (١/ ٣٥٦، ٣٦٣).
(٤) ابن عابدين (١/ ٤٧٧)، و «عمدة القاري» (٦/ ١٠٢، ١٠٣)، و «تبيين الحقائق» (١/ ١٢٢)، والهندية (١/ ٧٢)، و «الاستذكار» (١/ ٤٧٩)، و «التَّمهيد» (١٩/ ٢٤٨)، و «تفسير القرطبي» (١/ ٣٦٠)، و «بداية المجتهد» (١/ ١٩٢، ١٩٣)، و «الحاوي الكبير» (٢/ ١٣٣)، و «مُغني المحتاج» (١/ ١٧٢)، و «كشاف القناع» (١/ ٣٥٦، ٣٦٣)، و «المغني» (٢/ ٩٢، ٩٣)، و «الكافي» (١/ ١٤١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل بيان كيفية الأذان

وَيُحْبَسُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَعَامَّةُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: إنَّهُمَا سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ، لِمَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْمٍ صَلَّوْا الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ فِي الْمِصْرِ بِجَمَاعَةٍ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ: فَقَدْ أَخْطَئُوا السُّنَّةَ وَخَالَفُوا وَأَثِمُوا، وَالْقَوْلَانِ لَا يَتَنَافَيَانِ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ وَالْوَاجِبَ سَوَاءٌ خُصُوصًا السُّنَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَسَعُ تَرْكُهَا، وَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ أَسَاءَ؛ لِأَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ يُوجِبُ الْإِسَاءَةَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فَهَذَا أَوْلَى أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ سَمَّاهُ سُنَّةً، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالْوَاجِبِ حَيْثُ قَالَ: أَخْطَئُوا السُّنَّةَ وَخَالَفُوا وَأَثِمُوا؟ وَالْإِثْمُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 301 - 304

ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 3 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر