الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > من قام للثالثة ولم يجلس للتشهد ثم رجع إليه
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 11 دقيقة قراءةيَحصلُ له رَكعَتانِ، ويَأتِي برَكعتَينِ أُخرَيَينِ بشَرطِه المَذكورِ. وقالَ اللَّيثُ بنُ سَعدٍ وأحمدُ فيما حَكى الشَّيخُ أبو حامِدٍ عنهما: لا يَحصلُ له إلا تَكبيرةُ الإحرامِ، وحَكى ابنُ المُنذرِ عن الحَسنِ والثَّورِيِّ وأبي حَنيفَةَ وأصحابِ الرَّأيِ: أنَّه يَسجُدُ في آخرِ صَلاتِه أربعَ سَجداتٍ، وقد تَمَّت صَلاتُه. وعنِ النَّخَعِيِّ: مَنْ نَسيَ سَجدةً مِنْ الظُّهرِ فذكرَها في صَلاةِ العَصرِ؛ قالَ: يَمضِي في صَلاتِه؛ فإذا فرغَ سجدَها.
وقالَ مالِكٌ وأحمدُ في أصَحِّ الرِّوايَتَينِ عنهما: لا يَحصلُ له إلا ما فعلَه في الرَّكعةِ الرَّابعةِ، وفي رِوايةٍ عنهما: يَستَأنِفُ الصَّلاةَ.
أمَّا إذا تركَ سَجدةً أو سَجدتَينِ مِنْ الرَّكعةِ الأُولى فذكرَ ذلك في الثانيةِ فقد ذكَرنا مَذَهبنا فيه، وأنَّه يَعودُ إلى سُجودِه الأوَّلِ. وقالَ أحمدُ: إن ذكرَ قبلَ أن يَشرَعَ في القِراءةِ عادَ، وإلَّا يَبطُل حكمُ الأُولَى، ويَعتمِد بالثانيةِ، وقالَ مالِكٌ: يَعودُ ما لم يَركَع (١). وسيَأتي بَيانُ ذلك في بابِ سُجودِ السَّهوِ.
١٣ - مَنْ قامَ للثَّالثةِ ولم يَجلِس لِلتشهُّدِ ثم رَجعَ إليهِ:
ذَهب الفُقهاءُ إلى أنَّ مَنْ نَسيَ التشهُّدَ الأوَّلَ لزِمه الرُّجوعُ والإتيانُ بهِ ما لم يَستَتِمَّ قائِمًا، وذلكَ لمَا رَواهُ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا قامَ أحَدُكم مِنْ الرَّكعتَينِ فلم يَستَتِمَّ قائِمًا، فليَجلِس، فإذا استَتَمَّ فلا يَجلِس، ويَسجُدُ سَجدَتَيِ السَّهوِ» (٢).
(١) «المجموع» (٤/ ١٢٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (١٢٠٨)، والدَّارَقُطنِيُّ (١/ ٣٧٨)، والبَيهقيُّ في «الكبرى» (٢/ ٣٤٣)، وأحمدُ في «المسند» (٤/ ٢٥٣).
ولأنَّه أَخَلَّ بهِ، وذَكَرهُ قبلَ الشُّروعِ في رُكنٍ.
أمَّا إذا استَتمَّ قائِمًا عالِمًا ذاكِرًا لِلتشهُّدِ الأوَّلِ، ثم عادَ إليهِ بعدَ الشُّروعِ في القِراءةِ للثالِثةِ؛ فلا يَجوزُ لهُ الرُّجوعُ، وهوَ قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ؛ لِلحَديثِ السابقِ.
فإن رَجعَ فقد ذَهب الحَنفيَّةُ في الصَّحيحِ عندَهم والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ صَلاتَه تبطُلُ بذلكَ؛ لِتَكامُلِ الجِنايةِ برَفضِ الفَرضِ بعدَ الشُّروعِ فيهِ؛ لِأجلِ ما هوَ ليس بفَرضٍ. فأمَّا إن كانَ جاهِلًا بالتَّحريمِ، أو ناسِيًا، لم تبطُل؛ لأنَّه زادَ في الصَّلاةِ سَهوًا، ومتى علِم بتَحريمِ ذلك وهو في التشهُّدِ نَهَضَ ولم يُتمَّ الجُلوسَ، ولو ذكرَ الإمامُ التشهُّدَ قبلَ انتِصابهِ وبعدَ قِيامِ المَأمومِينَ وشُروعِهم في القِراءةِ، فرَجعَ، لزِمهمُ الرُّجوعُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإن ذكرَهُ بعدَ اعتِدالهِ قائِمًا وقبلَ شُروعِه في القِراءةِ، فالأَولى لهُ ألَّا يَجلِسَ، وإن جلسَ جازَ. نصَّ عليهِ .. ويُحتَملُ أنَّه لا يَجوزُ لهُ الرُّجوعُ؛ لِحَديثِ المُغيرةِ السابقِ، ولأنَّه شرعَ في رُكنٍ؛ فلم يَجُز لهُ الرُّجوعُ، كما لو شرعَ في القِراءةِ (١).
وذَهب الإمامُ مالِكٌ وبَعضُ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ مَنْ قامَ مِنْ اثنَتَينِ ثم عادَ إلى الجُلوسِ بعدَ قِيامِه فصَلاتُه تامَّةٌ، وتُجزِئُه سَجدَتَا السَّهوِ (٢).
(١) «المغني» (٢/ ٢١٠).
(٢) «تبيين الحقائق» (١/ ١٩٦)، و «البحر الرائق» (٢/ ١٠٩)، وابن عابدين (٢/ ٨٢، ٨٥)، و «كفاية الأخيار» (١/ ١٧١)، والطحطاوي (١/ ٣٠٢)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٤٦، ٤٧)، و «نيل الأوطار» (٣/ ١٤٨)، و «المجموع» (٤/ ١٢٩)، و «الاستذكار» (١/ ٥٢٢)، و «التَّمهيد» (١٠/ ١٨٥)، و «مطالب أولي النهى» (١/ ٥١٦)، و «كشَّاف القناع» (١/ ٤٠٤)، و «منار السبيل» (١/ ١١٨، ١١٩).
ولا تبطُلُ صَلاتُه بذلكَ، لكنَّه أساءَ.
قال ابنُ عَبد البرِّ رحمة الله عليه في التَّمهيدِ بعدَما ذكرَ حَديثَ عَبد اللهِ بنِ بُحينَةَ: «صلَّى لنا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ، ثم قامَ فلم يَجلِس، فَقامَ الناسُ معه، فلمَّا قَضى صَلَاتَه وَنَظَرنَا تَسلِيمَه كبَّر، ثم سجدَ سَجدتَينِ وهو جَالِسٌ قبلَ التَّسليمِ، ثم سلَّم» (١).
قالَ: وفي هذا الحَديثِ مِنْ الفِقهِ أنَّ المُصلِّي إذَا قامَ مِنْ اثنَتَينِ واعتَدلَ قائِمًا لم يكن لهُ أن يَرجِعَ، وإنَّما قُلنا: واعتَدلَ قائِمًا؛ لأنَّ النَّاهِضَ لا يُسمَّى قائِمًا حتى يَعتدِلَ على الحَقيقةِ، وإنَّما القائمُ المُعتَدِلُ، وفي حَديثِنا هذا: «ثم قامَ»، وإنَّما قُلنا: لا يَنبَغِي لهُ إذَا اعتَدلَ قائِمًا أن يَرجِعَ؛ لأنَّه مَعلومٌ أنَّ مَنِ اعتَدلَ قائِمًا في هذه المَسألةِ لا يَخلُو مِنْ أن يَذكُرَ بنَفسِهِ، أو يُذَكِّرَهُ مَنْ خلفَه بالتَّسبيحِ، ولا سِيَّمَا قَومًا قِيلَ لهم: «مَنْ نابَه شَيءٌ في صَلاتِه فليُسبِّح»، وهُم أهلُ النَّهيِ وأَولَى مَنْ عَمِلَ بما حَفِظَ ووَعَى، وأيُّ الحالَينِ كانَت فلَم يَنصرِف رَسولُ اللهِ ﷺ إلى الجُلُوسِ بعدَ قيامِه؛ فكذلكَ يَنبَغِي لِكلِّ مَنْ قامَ مِنْ اثنَتَينِ ألَّا يَرجِعَ، فإن رَجعَ إلى الجُلوسِ بعدَ قيامِه لم تَفسُد صَلاتُه عندَ جُمهورِ العُلماءِ (٢)، وإنِ اختَلَفوا في سُجودِ سَهوِهِ وحالِ رُجوعِه، وقد قالَ بَعضُ المُتَأخِّرينَ: تفسُدُ صَلاتُه، وهو قَولٌ ضَعيفٌ لا وَجهَ لهُ؛ لأنَّ
(١) رواهُ مُسلِم (٥٧٠)، ومالكُ في «الموطأ» (٢١٨).
(٢) أي: قبلَ أن يَشرَعَ في القراءةِ واللهُ أعلَمُ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب سجدتى السهو
بابُ سَجْدَتَىِ السَّهْو
قال الإِمَامُ أَحْمَدُ: يُحْفَظُ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَمْسَةُ أَشْيَاءٍ؛ سَلَّمَ من اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ، وسَلَّمَ من ثَلَاثٍ فَسَجَدَ، وفى الزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ، وقَامَ من اثْنَتَيْنِ ولم يَتَشَهَّدْ. وقال الخَطَّابِيُّ: المُعْتَمَدُ عند أَهْلِ العِلْمِ هذه الأَحَادِيث الخَمْسَة ، يَعْنِى حَدِيثَىِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِى سَعِيدٍ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وابْنِ بُحَيْنَةَ
٢١٤ - مسألة؛ قال أبو القَاسِم: (ومَنْ سَلَّمَ، وقد بَقِىَ عَلَيْهِ شَىْءٌ مِنْ صَلَاتِه، أَتَى بِمَا بَقِىَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاِتهِ، وسَلَّمَ، ثُمَّ سَجَد سَجْدَتَىِ السَّهْوِ، ثم تَشَهَّدَ وسَلَّمَ. كما رَوَى أبُو هُرَيْرَةَ، وعِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه فَعَلَ ذَلِكَ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَنْ سَلَّمَ قبل إتْمَامِ صلاتهِ سَاهِيًا، ثم عَلِمَ قبل طُولِ الفَصْلِ ونَقْضِ وُضُوئِهِ، فعليه أن يَأْتِىَ بما بَقِىَ، ثم يَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، ثم يَسْجُدُ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ ويَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ. وإن لم يَذْكُرْ حتى قام، فعليه أن يَجْلِسَ لِيَنْهَضَ إلى الإِتْيَانِ بما بَقِىَ عن جُلُوسٍ؛ فإنَّ هذا القِيَامَ واجِبٌ للصَّلاةِ، ولم يَأْتِ به قاصِدًا لها، فكان عليه الإِتْيَانُ به مع النِّيَّةِ . ولا نَعْلَمُ في جَوَازِ إتْمَامِ الصَّلاةِ في حَقِّ من نَسِىَ رَكْعةً فما زَادَ اخْتِلافًا. والأصْلُ في ذلك ما رَوَى ابنُ سِيرِينَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: صَلَّى بنا رَسُولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إحْدَى صَلَاتَىِ العَشِيِّ - قال ابنُ سِيرِينَ:
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.