الإسلام > الصلاة > جمع الصلوات > الجمع في الحضر بدون سبب
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 10 دقيقة قراءةالجَمعُ في الحَضرِ بدُونِ سَببٍ:
ذهَبَ الأئمَّةُ الأربَعةُ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ وجُمهورُ العُلماءِ إلى عدمِ جَوازِ الجَمعِ لغيرِ الأَعذارِ المَذكورةِ آنِفًا؛ لأنَّ أَخبارَ المَواقيتِ الثَّابتةَ لا تَجوزُ مُخالَفتُها إلا بدَليلٍ خاصٍّ، ولأنَّه تَواتَرَ عن النَّبيِّ ﷺ المُحافَظةُ على أَوقاتِ الصَّلواتِ، حتى قالَ ابنُ مَسعودٍ رضي الله عنه: «مَا رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى صَلاةً لغيرِ مِيقاتِها إلَّا صَلاتينِ، جمَعَ بينَ المَغربِ وَالعِشاءِ بجَمعٍ، يَعني المُزدلِفةَ» (١).
قالوا: وأمَّا حَديثُ ابنِ عَباسٍ: «جمَعَ رَسولَ اللهِ ﷺ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ والمَغربِ والعِشاءِ بالمَدينَةِ في غيرِ خَوفٍ ولا مَطرٍ»، فقيلَ لِابنِ عَباسٍ: لمَ فعَلَ ذلك؟ قالَ: «أَرادَ ألَّا يُحرِجَ أُمتَه» (٢). قالوا: فإنَّه يُحتَملُ أنَّه صلَّى الأُولَى في آخرِ وقتِها والثانيةَ في أوَّلِ وقتِها، فإنَّ عَمرَو بنَ دِينارٍ -رَاويَ هذا الحَديثِ عن جابرِ بنِ زَيدٍ عن ابنِ عَباسٍ- قالَ: قُلتُ لجابرٍ: «يا أَبا الشَّعثاءِ، أَظنُّه أخَّرَ الظُّهرَ وعجَّلَ العَصرَ وأخَّرَ المَغربَ وعجَّلَ العِشاءَ؟ قالَ: وأنا أَظنُّ ذَاكَ» (٣).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه بعدَما ذكَرَ هذا الحَديثَ: ولا حُجةَ في هذا الحَديثِ وما كانَ مِثلَه لمَن جعَلَ الوقتَ في صَلاتَيِ اللَّيلِ وفي صَلاتَيِ النَّهارِ في الحَضرِ كهو في السَّفرِ، وأجازَ الجَمعَ بينَ الصَّلاتَينِ في الحَضرِ في وقتِ
(١) رواه البخاري (١٥٩٨)، وأبو داود (١٩٣٤).
(٢) رواه مسلم (٧٠٥).
(٣) رواه البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٠٥).
إحداهُما؛ لأنَّه مُمكِنٌ أن تَكونَ صَلاتُه بالمَدينةِ في غيرِ خَوفٍ ولا سَفرٍ كانَت بأن أخَّرَ الأُولى مِنْ صَلاتَيِ النَّهارِ، فصلَّاها في آخرِ وقتِها، وصلَّى الثانيةَ في أوَّلِ وقتِها، وصنَعَ مثلَ ذلك بالعِشاءِ على ما ظنَّه أبو الشَّعثاءِ، وتَأوَّلَ الحَديثَ عليه هو وعَمرُو بنُ دِينارٍ، ومَوضعُهما مِنْ الفِقهِ المَوضعُ الذي لا فوقَه مَوضعٌ.
وإذا كانَ ذلك غيرَ مَدفوعٍ إمكانُه، وكانَ ذلك الفِعلُ يُسمَّى جَمعًا في اللُّغةِ العَربيةِ، بطَلَت الشُّبهةُ التي نزَعَ بها مِنْ هذا الحَديثِ مَنْ أرادَ الجَمعَ في الحَضرِ بينَ الصَّلاتَينِ في وقتِ إحداهُما؛ لأنَّ جِبريلَ أقامَ لرَسولِ اللهِ ﷺ أَوقاتَ الصَّلواتِ، ثم سافَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ فجمَعَ بينَ الصَّلاتَينِ على حسَبِ ما تَقدَّمَ في هذا البابِ، وسُنَّ للمُسافرِ ذلك، كما سُنَّ له القَصرُ في السَّفرِ مع الأمنِ؛ تَوسعةً أذِنَ اللهُ له فيها، فسَنَّها ﷺ لأُمتِه، فلا يَتعدَّى بها إلى غيرِ ما وضَعَها عليه ﷺ، وأمَّا قولُ ابنِ عَباسٍ إذ سُئلَ عن معنَى جَمعِ رَسولِ اللهِ ﷺ بينَ الصَّلاتَينِ في الحَضرِ فقالَ: «أَرادَ أَلَّا يُحرِجَ أُمتَه»، فمَعناه مَكشوفٌ على ما وَصَفناه، أي: ألَّا يُضيِّقَ على أُمتِه، فتُصلِّيَ في أوَّلِ الوقتِ أبدًا، وفي وَسَطِه أو آخرِه أبدًا، لا تَتعدَّى ذلك، ولكِن لتُصلِّيَ في الوقتِ كيف شاءَت في أوَّلِه أو في وَسطِه أو آخرِه؛ لأنَّ ما بينَ طرفَيِ الوقتِ وقتٌ كلُّه، وأمَّا أن تُقدَّمَ صَلاةُ الحَضرِ قبلَ دُخولِ وقتِها فلا، واللهُ أعلَمُ (١).
(١) «الاستذكار» (٢/ ٢١٣).
وذهَبَ طائِفةٌ مِنْ الفُقهاءِ إلى جَوازِ الجَمعِ في الحَضرِ لِلحاجةِ، ما لم يَتَّخِذه عادةً، وهو قولُ ابنِ سِيرينَ وأشهَبَ مِنْ المالِكيةِ، وحَكاه الخَطابيُّ عن القفَّالِ والشَّاشيِّ الكَبيرِ عن أَبي إِسحاقَ المَروَزيِّ عن جَماعةٍ من أَصحابِ الحَديثِ، واختارَه ابنُ المنذِرِ، ويُؤيِّدُه ظاهرُ قولِ ابنِ عَباسٍ: «أَرادَ ألَّا يُحرِجَ أُمتَه»، فلم يُعلِّله بمرَضٍ ولا غيرِه (١).
(١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٤٤)، و «الذَّخيرة» (٢/ ٣٧٥)، و «القوانين الفقهية» (٥٧)، و «شرح مسلم» (٥/ ٢١٩)، و «المجموع» (٥/ ٥٠٣)، و «الأوسط» (٢/ ٤٣٤)، و «شَرح صحيح البخاري» لابن بَطَّال (٢/ ١٧٠)، و «المغني» (٢/ ٥١٤)، و «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٧٧)، وما بَعدَها، و «سبل السَّلام» (٢/ ٤٣)، و «نيل الأوطار» (٣/ ٢٦٥، ٢٦٨)، و «تحفة الأحوَذيِّ» (١/ ٤٧٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل صلاة العيدين
وَتَجِبُ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ كَمَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ وَهَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تَجِبُ صَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُصَلَّى التَّطَوُّعُ بِالْجَمَاعَةِ مَا خَلَا قِيَامَ رَمَضَانَ وَكُسُوفَ الشَّمْسِ، وَصَلَاةُ الْعِيدِ تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ فَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً وَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَاسْتَثْنَاهَا كَمَا اسْتَثْنَى التَّرَاوِيحَ وَصَلَاةَ الْكُسُوفِ وَسَمَّاهُ سُنَّةً فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْعِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَالْأَوَّلُ سُنَّةٌ وَهَذَا اخْتِلَافٌ مِنْ حَيْثُ الْعِبَارَةُ فَتَأْوِيلُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ أَمْ هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْوَاجِبِ عَلَى أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ السُّنَّةِ لَا يَنْفِي الْوُجُوبَ بَعْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِهَا، وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الضَّرِيرُ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهَا سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ.
ارجع إلى جمع الصلوات للاطلاع على جميع المسائل.