الجمع للمطر والثلج والبرد ونحوها

الإسلام > الصلاة > جمع الصلوات > الجمع للمطر والثلج والبرد ونحوها

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 13 دقيقة قراءة

الجمع للمطر والثلج والبرد ونحوها - الأقوال والأدلة

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ الجَمعُ بسَببِ المرَضِ؛ لأنَّ النَّبيَّ مرِضَ أَمراضًا كَثيرةً، ولم يُنقَلْ جَمعُه بالمرَضِ صَريحًا، ولأنَّ أَخبارَ المَواقيتِ ثابِتةٌ فلا تُتركُ أو تُخالَفُ بأمرٍ مُحتمَلٍ وغيرِ صَريحٍ.

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: والسَّببُ في اختِلافِهم هو اختِلافُهم في تَعدِّي عِلةِ الجَمعِ في السَّفرِ، أعني المَشقَّةَ، فمَن طرَدَ العِلةَ رَأى أنَّ هذا مِنْ بابِ الأَولى والأَحرى، وذلك أنَّ المَشقَّةَ على المَريضِ في إِفرادِ الصَّلواتِ أشَدُّ منها على المُسافرِ، ومَن لم يَعدَّ هذه العِلةَ وجعَلَها كما يَقولونَ: قاصِرةً، أي: خاصَّةً بذلك الحُكمِ، دونَ غيرِه، لم يَجزْ ذلك (١).

الجَمعُ للمَطرِ والثَّلجِ والبَردِ ونحوِها:

ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى جَوازِ الجَمعِ بينَ المَغربِ والعِشاءِ بسَببِ المَطرِ المُبلِّلِ للثِّيابِ والثَّلجِ والبَردِ؛ لمَا رَوى أبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ رضي الله عنه قالَ: «مِنْ السُّنةِ إِذَا كانَ يَومٌ مَطِيرٌ أَنْ يُجمعَ بينَ المَغربِ وَالعِشاءِ» (٢). وهذا يَنصرِفُ إلى سُنةِ رَسولِ اللهِ .

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٤٦)، و «جواهر الإكليل» (١/ ٩٢)، و «القوانين الفقهية» ص (٨٧)، و «الشرح الصغير» (١/ ٣٢١، ٣٢٢)، و «المجموع» (٥/ ٥٠١)، و «حلية العلماء» (٢/ ٢٠٧)، و «مُغني المحتاج» (١/ ٢٧٥)، و «المجموع» (٢/ ٥١٣)، و «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٨)، و «الإنصاف» (٢/ ٣٣٥، ٣٣٦)، و «نيل الأوطار» (١/ ٣٤٥).
(٢) ذكرَه ابن عبد البَرِّ في «التَّمهيد» (١٢/ ٢١٢)، وعزاه لأبي عَوَانةَ وسكت عليه، وقال المبارَكفوريُّ في «تُحفة الأحوَذيِّ» (١/ ٤٧٩) سكت عنه ابنُ تَيميَّةَ، والشَّوكانِيُّ، ولم أقِف على سَنَده، فالله أعلَمُ بحالِه كيفَ هو صحيحٌ أو ضعيفٌ.

وقالَ نافِعٌ: «إنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كانَ يَجمَعُ إذَا جمَعَ الأُمراءُ بينَ المَغربِ وَالعِشاءِ» (١).

إلا أنَّهمُ اختَلَفوا في الجَمعِ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ، فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ الجَمعُ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ بسَببِ المَطرِ ونحوِه؛ لِأثَرِ أَبي سَلمةَ بنِ عبد الرَّحمنِ، وأثَرِ ابنِ عمرَ المُتقدِّمينِ، ولأنَّ المَشقَّةَ في المَغربِ والعِشاءِ أشَدُّ؛ لِأجلِ الظُّلمةِ.

أمَّا الشافِعيةُ والحَنابلَةُ في قَولٍ فيرَونَ أنَّه يَجوزُ الجَمعُ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ كذلك؛ بسَببِ المَطرِ ونحوِه؛ لمَا رَوى ابنُ عَباسٍ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ : «صلَّى الظُّهرَ والعَصرَ بالمَدينَةِ جَميعًا، والمَغربَ والعِشاءَ جَميعًا». وفي رِوايةٍ: «مِنْ غيرِ خَوفٍ ولا سَفرٍ». قالَ كلٌّ مِنْ الإمامِ مالِكٍ والشافِعيِّ: أَرى ذلك بعُذرِ المَطرِ؛ ولأنَّ العِلةَ هي وُجودُ المَطرِ سَواءٌ كانَ ذلك في اللَّيلِ والنَّهارِ.

إلا أنَّ الإمامَ مالِكًا لم يَقلْ بالجَمعِ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ كما تَقدَّمَ.

وقد بيَّنَ ابنُ رُشدٍ في «بِداية المُجتَهدِ» سَببَ التَّفريقِ؛ فقالَ رحمة الله عليه: وأمَّا الجَمعُ في الحَضرِ لعُذرِ المَطرِ فأجازَهُ الشافِعيُّ لَيلًا كانَ أو نَهارًا، ومنَعَه مالِكٌ في النَّهارِ، وأجازَه في اللَّيلِ وأجازَهُ أيضًا في الطِّينِ دونَ المَطرِ في اللَّيلِ، وقد عدَلَ الشافِعيُّ مالِكًا في تَفريقِه بينَ صَلاةِ النَّهارِ في ذلك وصَلاةِ اللَّيلِ؛ لأنَّه رَوى الحَديثَ وتأوَّلَه، أعني خصَّصَ عُمومَه مِنْ جِهةِ القِياسِ،

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه مالك في «الموطأ» (١٤٥)، والبَيهَقي في «السنن» (٣/ ١٦٨).

وذلك أنَّه قالَ في قولِ ابنِ عَباسٍ: «جمَعَ رَسولُ اللَّهِ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ، والمَغربِ والعِشاءِ في غيرِ خَوفٍ ولا سَفرٍ» أَرى ذلك كانَ في مَطرٍ، قالَ: فلم يَأخذْ بعُمومِ الحَديثِ ولا بتَأويلِه، أعني تَخصيصَه، بل ردَّ بَعضَه وتَأوَّلَ بَعضَه، وذلك شَيءٌ لا يَجوزُ بإِجماعٍ، وذلك أنَّه لم يَأخذْ بقولِه فيه جمَعَ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ، وأخَذَ بقولِه: والمَغربِ والعِشاءِ، وتأوَّلَه.

وأحسَبُ أنَّ مالِكًا رحمة الله عليه إنَّما ردَّ بعضَ هذا الحَديثِ؛ لأنَّه عارَضَه العملُ، فأخَذَ منه بالبعضِ الذي لم يُعارِضه العملُ، وهو الجَمعُ في الحَضرِ بينَ المَغربِ والعِشاءِ، على ما رُويَ أنَّ ابنَ عمرَ كانَ إذا جمَعَ الأُمراءَ بينَ المَغربِ والعِشاءِ جمَعَ معهم، لكنَّ النَّظرَ في هذا الأصلِ -الَّذي هو العملُ- كيف يَكونُ دَليلًا شَرعيًّا فيه نَظرٌ؟ فإنَّ مُتقدِّمي شُيوخِ المالِكيةِ كانوا يَقولونَ: إنَّه مِنْ بابِ الإِجماعِ، وذلك لا وَجهَ له، فإنَّ إِجماعَ بعضِهم لا يُحتَجُّ به، وكان مُتأخِّرُوهم يَقولونَ: إنَّه مِنْ بابِ نَقلِ التَّواتُرِ، ويَحتَجونَ في ذلك بالصَّاعِ وغيرِه ممَّا نقَلَه أهلُ المَدينةِ خَلفًا عن سَلفٍ، والعملُ إنَّما هو فِعلٌ، والفِعلُ لا يُفيدُ التَّواتُرَ، إلا أن يَقتَرِنَ بالقولِ؛ فإنَّ التَّواتُرَ طَريقُه الخبَرُ، لا العملُ، وبأنَّ جَعلَ الأفعالِ تُفيدُ التَّواتُرَ عَسيرٌ، بل لعلَّه مَمنوعٌ، والأشبَهُ عِنْدِي أن يَكونَ مِنْ بابِ عُمومِ البَلوى الذي يَذهَبُ إليه أبو حَنيفةَ، وذلك أنَّه لا يَجوزُ أن تَكونَ أمثالُ هذه السُّننِ مع تَكرُّرِها وتَكرُّرِ وُقوعِها أَسبابُها غيرُ مَنسوخةٍ، ويَذهبُ العملُ بها على أهلِ المَدينةِ الذينَ تَلقَّوُا العملَ بالسُّننِ خَلفًا عن سَلفٍ، وهو أَقوى مِنْ عُمومِ البَلوى الذي يَذهبُ إليه أبو حَنيفةَ؛ لأنَّ أهلَ المَدينةِ أَحرى ألَّا يَذهبَ عليهم ذلك مِنْ غيرِهم مِنْ النَّاسِ الذينَ يَعدُّهم أبو حَنيفةَ في طَريقِ النَّقلِ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصلاة
الجملة الثالثة من كتاب الصلاة أركان الصلاة

الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ الْحَاضِرِ الْآمِنِ الصَّحِيحِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَقْوَالِ الصَّلَاةِ

الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَهو مَعْرِفَةُ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ، وَهِيَ الْأَرْكَانُ وَالصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَةُ تَخْتَلِفُ فِي هَذَيْنِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، إِمَّا مِنْ قِبَلِ الِانْفِرَادِ وَالْجَمَاعَةِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ الزَّمَانِ (مِثْلَ مُخَالَفَةِ ظُهْرِ الْجُمُعَةِ لِظُهْرِ سَائِرِ الْأَيَّامِ) وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ الْحَضَرِ، وَالسَّفَرِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ الْأَمْنِ، وَالْخَوْفِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، فَإِذَا أُرِيدَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِي هَذِا صِنَاعِيًّا، وَجَارِيًا عَلَى نِظَامٍ فَيَجِبُ أَنَّ يُقَالَ أَوَّلًا فِيمَا تَشْتَرِكُ فِيهِ هَذِهِ كُلُّهَا، ثُمَّ يُقَالَ فِيمَا يَخُصُّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً مِنْهَا، أَوْ يُقَالَ فِي وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَهُوَ الْأَسْهَلُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّعْلِيمِ يَعْرِضُ مِنْهُ تَكْرَارٌ مَا، وَهُوَ الَّذِي سَلَكَهُ الْفُقَهَاءُ، وَنَحْنُ نَتْبَعُهُمْ فِي ذَلِكَ، فَنَجْعَلُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مُنْقَسِمَةً إِلَى سِتَّةِ أَبْوَابٍ.

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ الْحَاضِرِ الْآمِنِ الصَّحِيحِ. الْبَابُ الثَّانِي: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: (أَعْنِي: فِي أَحْكَامِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَاةِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي صَلَاةِ السَّفَرِ. الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ. الْبَابُ السَّادِسُ: فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ. الْبَابُ الْأَوَّلُ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 125 - 127

ارجع إلى جمع الصلوات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله