اختلاف المطالع

الإسلام > الصيام > أنواع الصوم > اختلاف المطالع

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

اختلاف المطالع - الأقوال والأدلة

اختِلافُ المَطالِعِ:

اختِلافُ مَطالِعِ الهِلالِ أمرٌ واقِعٌ بينَ البِلادِ البَعيدةِ، كاختِلافِ مَطالِعِ الشَّمسِ، لكنْ هل يُعتبَرُ ذلك في بَدءِ صيامِ المُسلِمين وتَوقيتِ عيدَيِ الفِطرِ والأضحى وسائِرِ الشُّهورِ فتَختلِفَ بينَهم بَدءًا ونِهايةً أو لا يُعتبَرُ بذلك ويَتوحَّدُ المُسلِمون في صَومِهم وفي عيدِهم؟

وهذه المَسألةُ هي: «إذا رأى الهِلالَ أهلُ بَلدٍ دونَ غَيرِهم»؛ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ فيها على قولَيْن:

فذهَب الحَنفيَّةُ في المَذهبِ والمالِكيَّةُ في المَذهبِ وبَعضُ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا عِبرةَ باختِلافِ المَطالِعِ، فإذا رأى الهلالَ أهلُ بَلدٍ لَزِم جَميعَ البِلادِ الصَّومُ؛ لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقَولِ النَّبيِّ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (١).

فقد أوجَب هذا الحديثُ الصَّومَ بمُطلَقِ الرُّؤيةِ لِجَميعِ المُسلِمين دونَ تَقَيُّدِها بمَكانٍ.

وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إنَّ هذا اليَومَ من شَهرِ رَمضانَ بشَهادةِ الثِّقاتِ فوجَب صَومُه على جَميعِ المُسلِمين؛ ولأنَّ شَهرَ رَمَضانَ ما بينَ الهِلالَيْن، وقد ثبَت أنَّ هذا اليَومَ منه في سائِرِ الأحكامِ من حُلولِ الدَّيْنِ ووُقوعِ الطَّلاقِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.

والعِتاقِ ووُجوبِ النُّذورِ وغَيرِ ذلك من الأحكام؛ فيَجِبُ صيامُه بالنَّصِّ والإجماعِ؛ ولأنَّ البَيِّنةَ العادِلةَ شَهِدت برُؤيةِ الهِلالِ؛ يَجِبُ الصَّومُ كما لو تَقارَبت البُلدانُ (١).

وذهَب الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ عندَهم وبَعضُ الحَنفيَّةِ وبَعضُ المالِكيَّةِ وهو قَولٌ لِلحَنابِلةِ اختارَه شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه إلى أنَّه إذا اختلَفت المَطالِعُ وتباعَدت البُلدانُ لا يَجِبُ الصَّومُ على أهلِ البَلدِ الآخَرِ، وإنْ تَقارَبت البُلدانُ فحُكمُهما بَلدٌ واحِدٌ، ويَلزَمُ أهلَ البَلدِ الآخَرِ الصَّومُ بلا خِلافٍ.

واستدَلُّوا على ذلك بأنَّ ابنَ عَباسٍ رضي الله عنهما لم يَعمَلْ برُؤيةِ أهلِ الشامِ لِحَديثِ كُرَيْبٍ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إلى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قال: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ، وأنا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبدُ اللَّهِ بنُ عَباسٍ رضي الله عنهما ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فقال: «مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ؟» فقُلتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فقال: «أنتَ رَأَيْتَهُ؟»، فقُلتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ الناسُ وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فقال: «لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فلا نَزَالُ نَصُومُ حتى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أو

(١) «المغني» (٤/ ١٢٢)، ويُنظَر: «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣٩٣)، و «البدائع» (٢/ ٥٩٨)، و «الاختيار» (١/ ١٢٩، ١٣٠)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٣١٣)، و «الذخيرة» (٢/ ٢٩٦)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ١٢١)، و «الإنصاف» (٣/ ٢٧٣) (٣/ ٢٧٣)، و «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٤)، و «المجموع» للنووي (٧/ ٤٥٦، ٤٥٨)، و «نيل الأوطار» (٤/ ٢٦٧).

نَرَاهُ»، فقُلتُ: أَوَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فقال: «لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسولُ اللَّهِ » (١).

وقال الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: المَسألةُ الثالِثةُ: إذا رأوُا الهِلالَ في رَمضانَ في بَلدٍ ولم يَرَوْه في غَيرِه، فإنْ تقارَبَ البَلَدانِ فحُكمُهما حُكمُ بَلدٍ واحِدٍ، ويَلزَمُ أهلَ البَلدِ الآخَرِ الصَّومُ بلا خِلافٍ، وإنْ تباعَدا فوَجهان مَشهورانِ في الطَّريقَتَيْن:

أصَحُّهما: لا يَجِبُ الصَّومُ على أهلِ البَلدِ الآخَرِ، وبهذا قطَع المُصنِّفُ والشَّيخُ أبو حامِدٍ والبَندَنيجيُّ وآخَرون، وصَحَّحه العَبدَريُّ والرافِعيُّ والأكثَرون.

والثاني: يَجِبُ، وبه قال الصَّيمَريُّ وصَحَّحه القاضي أبو الطَّيِّبِ والدارِميُّ وأبو علِيٍّ السِّنجيُّ وغَيرُهم، وأجابَ هؤلاء عن حَديثِ كُرَيبٍ عن ابنِ عَباسٍ أنه لم يَثبُتْ عندَه رُؤيةُ الهِلالِ في بَلدٍ آخَرَ بشَهادةِ عَدلَيْن، والصَّحيحُ الأولُ.

وفيما يُعتبَرُ به البُعدُ والقُربُ ثَلاثةُ أوجُهٍ:

أصَحُّها وبه قطَع جُمهورُ العِراقيِّين والصَّيدلانيُّ وغَيرُهم: أنَّ التَّباعُدَ يَختلِفُ باختِلافِ المَطالِعِ، كالحِجازِ والعِراقِ وخُراسانَ، والتَّقارُبُ ألَّا يَختلِفَ، كبَغدادَ والكُوفةِ والرَّيِّ وقَزوينَ؛ لأنَّ مَطلِعَ هؤلاء مَطلِعُ هؤلاء، فإذا رآه هؤلاء فعَدمُ رُؤيتِه لِلآخَرين لِتَقصيرِهم في التأمُّلِ أو لِعارِضٍ، بخِلافِ مُختلِفي المَطلِعِ.

(١) رواه مسلم (١٠٨٧).

والثاني: الاعتبارُ باتِّحادِ الإقليمِ واختِلافِه، فإنِ اتَّحَد فمُتقارِبان وإلا فمُتباعِدان، وبهذا قال الصَّيمَريُّ وآخَرون.

والثالِثُ: أنَّ التَّباعُدَ يَكونُ مَسافةَ القَصرِ، والتَّقارُبَ دُونَها، وبهذا قال الفَورانيُّ وإمامُ الحَرَمَيْن والغَزاليُّ والبَغَويُّ وآخَرون من الخُراسانيِّين، وادَّعى إمامُ الحَرَمَيْن الاتِّفاقَ عليه؛ لأنَّ اعتبارَ المَطالِعِ يُحوِجُ إلى حِسابٍ وتَحكيمِ المُنجِّمين، وقَواعِدُ الشَّرعِ تأبى ذلك، فوجَب اعتبارُ مَسافةِ القَصرِ التي علَّق الشَّرعُ بها كَثيرًا من الأحكامِ، وهذا ضَعيفٌ؛ لأنَّ أمرَ الهِلالِ لا تَعلُّق له بمَسافةِ القَصرِ، فالصَّحيحُ اعتبارُ المَطالِعِ كما سبَق.

فعلى هذا لو شَكَّ في اتِّفاقِ المَطالِعِ لم يَلزَمِ الصَّومُ الذين لم يَرَوُا؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الوُجوبِ، ولأنَّ الصَّومَ إنَّما يَجِبُ بالرُّؤيةِ لِلحَديثِ، ولم تَثبُتِ الرُّؤيةُ في حَقِّ هؤلاء، لِعَدمِ ثُبوتِ قُربِهم من بَلدِ الرُّؤيةِ، هذا الذي ذَكرتُه هو المَشهورُ لِلأصحابِ في الطَّريقَتَيْن.

وانفرَد الماوَرديُّ والسَّرخَسيُّ بطريقَتَيْن أُخرَيَيْن، فقال الماوَرديُّ:

إذا رأوه في بَلدٍ دون بَلدٍ فثَلاثةُ أوجُهٍ: أحَدُها: يَلزَمُ الذين لم يَرَوْا؛ لأنَّ فَرضَ رَمَضانَ لا يَختلِفُ باختِلافِ البِلادِ، وقد ثبَت رَمَضانُ.

والثاني: لا يَلزَمُهم؛ لأنَّ الطَّوالِعَ والغَوارِبَ قد تَختلِفُ لِاختِلافِ البُلدانِ، وإنَّما خُوطِبَ كلُّ قَومٍ بمَطلَعِهم ومَغرِبِهم، ألَا تَرى الفَجرَ قد يَتقدَّمُ طُلوعُه في بَلدٍ ويَتأخَّرُ في بَلدٍ آخَرَ، وكذلك الشَّمسُ قد يَتعجَّلُ غُروبُها في بَلدٍ ويَتأخَّرُ في آخَرَ، ثم كلُّ بَلدٍ يُعتبَرُ طُلوعُ فَجرِه وغُروبُ شَمسِه في حَقِّ أهلِه فكذلك الهِلالُ.

الثالِثُ: إنْ كانا من إقليمٍ لَزِمهم، وإلا فلا، هذا كَلامُ الماوَرديِّ.

وقال السَّرخَسيُّ: إذا رآه أهلُ ناحِيةٍ دونَ ناحِيةٍ، فإنْ قَرُبت المَسافةُ لَزِمهم كلَّهم، وضابِطُ القُربِ أنْ يَكونَ الغالِبُ أنَّه إذا أبصَره هؤلاءِ لا يَخفى عليهم إلا لِعارِضٍ، سَواءٌ في ذلك مَسافةُ القَصرِ أو غَيرُها، قال: فإنْ بَعُدت المَسافةُ فثَلاثةُ أوجُهٍ:

أحَدُها: يَلزَمُ الجَميعَ، واختارَه أبو علِيٍّ السِّنجيُّ.

والثاني: لا يَلزَمُهم.

والثالِثُ: إنْ كانت المَسافةُ بينَهما بحيث لا يُتصوَّرُ أنْ يُرى ولا يَخفى على أولئك بلا عارِضٍ لَزِمهم، وإنْ كانت بحيث يُتصوَّرُ أنْ يَخفى عليهم فلا.

فحصَل في المَسألةِ سِتُّ وُجوهٍ:

أحَدُها: يَلزَمُ كلَّ مَوضِعٍ منها.

والثاني: يَلزَمُ أهلَ إقليمِ بَلدِ الرُّؤيةِ دونَ غَيرِهم.

والثالِثُ: يَلزَمُ كلَّ بَلدٍ يُوافِقُ بَلدَ الرُّؤيةِ في المَطلِعِ دونَ غَيرِه، وهذا أصَحُّها.

والرابِعُ: يَلزَمُ كلَّ بَلدٍ لا يُتصوَّرُ خَفاؤُه عنهم بلا عارِضٍ دونَ غَيرِهم، وهو فيما حَكاه السَّرخَسيُّ.

والخامِسُ: يَلزَمُ مَنْ دونَ مَسافةِ القَصرِ دونَ غَيرِهم.

والسادِسُ: لا يَلزَمُ غَيرَ بَلدِ الرُّؤيةِ، وهو فيما حَكاه الماوَرديُّ، واللهُ أعلَمُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 428 - 432

ارجع إلى أنواع الصوم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 3 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر