الإسلام > الصيام > عوارض الإفطار > خامسا: إرهاق الجوع والعطش
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةخامِسًا: إرهاقُ الجُوعِ والعَطشِ:
ذهَب الفُقهاءُ إلى أنَّ مَنْ غلَبه الجُوعُ والعَطشُ، فخاف الهَلاكَ؛ فإنَّه يُفطِرُ ويَقضي.
قال النَّوَويُّ رحمة الله عليه: مَنْ غلَبه الجُوعُ والعَطشُ، فخافَ الهَلاكَ، لَزِمه الفِطرُ، وإنْ كان صَحيحًا مُقيمًا؛ لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
وقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
ويَلزمُه القَضاءُ كالمَريضِ واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقال المالِكيَّةُ: فإنْ خافَ على نَفسِه حَرُمَ عليه الصِّيامُ، وذلك لأنَّ حِفظَ النَّفسِ والمَنافِعِ واجِبٌ (٢).
وقال الكاسانيُّ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا الجُوعُ والعَطشُ الشَّديدُ الذي يُخافُ منه الهَلاكُ: فمُبِيحٌ مُطلَقٌ بمَنزِلةِ المَرضِ الذى يُخافُ منه الهَلاكُ بسَببِ الصَّومِ (٣).
(١) «المجموع» (٧/ ٤٢٣).
(٢) «جواهر الإكليل» (١/ ١٥٣)، و «القوانين الفقهية» (٨٢).
(٣) «البدائع» (٢/ ٦٣٨).
لكنْ قيَّده الحَنفيَّةُ بأمرَيْن:
الأولُ: أنْ يَخافَ على نَفسِه الهَلاكَ، بغَلبةِ الظَّنِّ، لا بمُجرَّدِ الوَهمِ، أو يَخافُ نُقصانَ العَقلِ، أو ذَهابَ بَعضِ الحَواسِّ، كالحامِلِ والمُرضِعِ إذا خافَتا على نَفْسَيْهما الهَلاكَ أو على وَلَدَيْهما.
الثاني: ألَّا يَكونَ ذلك بإتعابِ نَفسِه؛ إذْ لو كان به تَلزمُه الكَفَّارةُ، وقيلَ: لا (١).
وألحَقه بَعضُ الفُقهاءِ بالمَرضِ فقال الحِصنيُّ: واعلَمْ أنَّ غَلبةَ الجُوعِ والعَطشِ كالمَرضِ (٢).
وقال القَليوبيُّ: ومِثلُ المَرضِ غَلبةُ جُوعٍ وعَطَشٍ، لا نَحوَ صُداعٍ، ووَجعِ أُذُنٍ وسِنٍّ خَفيفٍ.
ومَثَّلوا له بأربابِ المِهنِ الشاقَّةِ، كالحَصَّادِ والبَنَّاءِ والحارِسِ، لكنْ قالوا: يَجِبُ عليه أنْ يَنويَ الصِّيامَ لَيلًا؛ فإنْ لَحِقتْه مَشقَّةٌ أفطَر (٣).
أمَّا الحَنفيَّةُ فجاء في الدُّرِّ المُختارِ قَولُه: [فُروعٌ] لا يَجوزُ أنْ يَعملَ عَملًا يَصِلُ به إلى الضَّعفِ، فيَخبِزُ نِصفَ النَّهارِ ويَستريحُ الباقيَ؛ فإنْ قال: لا يَكفيني، كُذِّبَ بأقصَرِ أيامِ الشِّتاءِ؛ فإنْ أجهَدَ الْحُرُّ نَفسَه بالعَملِ حتى مَرِض فأفطَر ففي كَفَّارَتِه قَولان، قُنْيَةٌ وفي البَزَّازيةِ: لو صامَ عجَز عن القيامِ صامَ وصَلَّى قاعِدًا جَمعًا بينَ العبادَتَيْن.
(١) «مراقى الفلاح» (٣٧٤)، و «رد المحتار» (٢/ ١١٤، ١١٥).
(٢) «كفايه الأخيار» (٢٥٧).
(٣) «حاشية القليوبي على شرح المحلى» (٢/ ٦٤).
قال ابنُ عابِدين: (قَولُه: لا يَجوزُ، إلخ) عَزاه في البَحرِ إلى القُنيةِ. وقال في التاتارخانيَّةِ: وفي الفَتاوى سُئِل عليُّ بنُ أحمدَ عن المُحترِفِ إذا كان يَعلَمُ أنَّه لو اشتغَل بحِرفَتِه يَلحَقُه مَرضٌ يُبيحُ الفِطرَ، وهو مُحتاجٌ لِلنَّفَقةِ، هل يُباحُ له الأكلُ قبلَ أنْ يَمرَضَ؟ فمنَع من ذلك أشَدَّ المَنعِ، وهكذا حَكاه عن أُستاذِه الوَبريِّ، وفيها: سألتُ أبا حامِدٍ عن خَبَّازٍ يَضعُفُ في آخِرِ النَّهارِ، هل له أنْ يَعمَلَ هذا العَملَ؟ قال: لا، ولكنْ يَخبِزُ نِصفَ النَّهارِ ويَستريحُ في الباقي؛ فإنْ قال: لا يَكفيه كُذِّب بأيامِ الشِّتاءِ؛ فإنَّها أقصَرُ فما يَفعَلُه اليَومَ. اه مُلخَّصًا.
وقال الرَّمليُّ: وفي: «جامِعِ الفَتاوى»: ولو ضَعُف عن الصَّومِ لِاشتِغالِه بالمَعيشةِ فله أنْ يُفطِرَ ويُطعِمَ عن كلِّ يَومٍ نِصفَ صاعٍ. اه.
أي: إذا لم يُدرِكْ عِدَّةً من أيَّامٍ أُخَرَ يُمكِنُه الصَّومُ فيها، وإلا وجَب عليه القَضاءُ، وعلى هذا الحَصَّادُ إذا لم يَقدِرْ عليه مع الصَّومِ ويَهلِكُ الزَّرعُ بالتَّأخيرِ فلا شَكَّ في جَوازِ الفِطرِ والقَضاءِ وكذا الخَبَّازُ.
وقَولُه: (كُذِّب إلخ) فيه نَظَرٌ؛ فإنَّ طُولَ النَّهارِ وقِصَرَه لا دَخلَ لهما في الكِفايةِ؛ فقد يَظهَرُ صِدقُه في قَولِه: لا يَكفيني، فيُفوَّضُ إليه حَملًا لِحالِه على الصَّلاحِ، فتأمَّلْ. اه كَلامُ الرَّمليِّ: أي؛ لأنَّ الحاجةَ تَختلِفُ صَيفًا وشِتاءً، وغَلاءً ورُخصًا، وقِلَّةَ عِيالٍ وضِدَّها، ولكنْ ما نقَله عن: «جامِعِ الفَتاوى» صَوَّره في: «نُورِ الإيضاحِ» وغَيرِه بمَن نذَر صَومَ الأبَدِ، ويُؤيِّدُه إطلاقُ قَولِه: يُفطِرُ ويُطعِمُ، وكَلامُنا في صَومِ رَمضانَ.
والذي يَنبَغي في مَسألةِ المُحترِفِ حيثُ كان الظاهِرُ أنَّ ما مَرَّ من تَفقُّهاتِ المَشايِخِ لا مِنْ مَنقولِ المَذهَبِ أنْ يُقالَ: إذا كان عندَه ما يَكفيه وعِيالَه لا يَحِلُّ له الفِطرُ؛ لأنَّه يَحرُمُ عليه السُّؤالُ من الناسِ؛ فالفِطرُ أوْلى، وإلا فله العَملُ بقَدرِ ما يَكفيه، ولو أداه إلى الفِطرِ يَحِلُّ له إذا لم يُمكِنْه العَملُ في غَيرِ ذلك مما لا يُؤدِّي به إلى الفِطرِ، وكذا لو خاف هَلاكَ زَرعِه أو سَرقَتَه ولم يَجِدْ من يَعمَلُ له بأُجرةِ المِثلِ، وهو يَقدِرُ عليها؛ لأنَّ له قَطعَ الصَّلاةِ لِأقلَّ من ذلك لكنْ لو كان أجْرُ نَفسِه في العَملِ مُدَّةً مَعلومةً فجاء رَمضانُ، فالظاهِرُ أنَّ له الفِطرَ وإنْ كان عندَه ما يَكفيه إذا لم يَرضَ المُستأجِرُ بفَسخِ الإجارةِ كما في الظِّئرِ؛ فإنَّه يَجِبُ عليها الإرضاعُ بالعَقدِ، ويَحِلُّ لها الإفطارُ إذا خافَت على الوَلدِ فيَكونُ خَوفُه على نَفسِه أوْلى، فتأمَّلْ.
هذا ما ظهَر لي واللهُ تَعالى أعلَمُ.
(قَولُه: فإنْ أجهَدَ الحُرُّ إلخ) قال في الوَهبانيَّةِ:
فإنْ أجهَد الإنسانُ بالشُّغلِ نَفسَه … فأفطَر في التَّكفيرِ قَولَيْن سَطَّروا
قال الشُّرُنبُلاليُّ: صُورَتُه: صائِمٌ أتعَب نَفسَه في عَملٍ حتى أجهَده العَطشُ فأفطَر لَزمتْه الكَفَّارةُ، وقيلَ: لا، وبه أفتى البَقاليُّ، وهذا بخِلافِ الأمَةِ إذا أجهَدَتْ نَفسَها؛ لأنَّها مَعذورةٌ تحتَ قَهرِ المَولَى، ولها أنْ تَمتنِعَ من ذلك وكذا العَبدُ.
وظاهِرُه وهو الذي في الشُّرُنبُلاليَّةِ عن المُنتَقى تَرجيحُ وُجوبِ الكَفَّارةِ.
قُلتُ: مُقتَضى قَولِه: ولها أنْ تَمتنِعَ لُزومُ الكَفَّارةِ عليها أيضًا، لو فَعلت مُختارةً يَكونُ ما قبلَه مَحمولًا على ما إذا كان بغَيرِ اختيارِها، بدَليلِ التَّعليلِ، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقال الحَطَّابُ في «مَواهِبِ الجَليلِ»: يَقعُ السُّؤالُ في زَمانِنا إذا وقَع الصِّيامُ في زَمانِ الصَّيفِ فهل يَجوزُ لِلأجيرِ الخُروجُ لِلحَصادِ مع الضَّرورةِ لِلفِطرِ أو لا، وكانت الفُتيا عندَنا إنْ كان مُحتاجًا لِصَنعَتِه لِمَعاشِه ما له منها بُدٌّ فله ذلك وإلا كُرِه، وأمَّا مالِكُ الزَّرعِ فلا خِلافَ في جَوازِ جَمعِه زَرعَه وإنْ أدَّى إلى فِطرِه، وإلا وقَع في النَّهيِ عن إضاعةِ المالِ.
وكذا غَزلُ النِّساءِ الكَتَّانَ وتَرقيقُ الخَيطِ بأفواهِهِنَّ؛ فإنْ كان الكَتَّانُ مِصريًّا فجائِزٌ مُطلَقًا، وإنْ كان دَمَنِيًّا له طَعمٌ يَتحلَّلُ فهي كذوي الصِّناعاتِ إنْ كانت ضَعيفةً ساغَ لها ذلك، وإنْ كانت غَيرَ مُحتاجةٍ كُرِه لها ذلك في نَهارِ رَمضانَ (٢).
وقال أبو بَكرٍ الآجُريُّ من الحَنابِلةِ: مَنْ صَنعَتُه شاقَّةٌ؛ فإنْ خافَ بالصَّومِ تَلفًا أفطَر وقَضى إنْ ضَرَّه تَركُ الصَّنعةِ؛ فإنْ لم يَضُرَّه تَركُها -أي: تَركُ الصَّنعةِ- أثِمَ بالفِطرِ ويَترُكُها، وإنْ لم يَنتَفِ التَّضرُّرُ بتَركِها فلا إثْمَ عليه بالفِطرِ لِلعُذرِ، قال: هذا قَولُ الفُقهاءِ رحمهم الله (٣).
(١) «رد المحتار» (٢/ ١١٤، ١١٥)، وانظر: «الفتاوى الهندية» (١/ ٢٠٨).
(٢) «مواهب الجليل» (٢/ ٤٤١).
(٣) «الفروع» (٤/ ٤٥٨)، و «كشاف القناع» (٢/ ٣١٠)، وانظر: «المغني» (٤/ ٢٠٤).
ارجع إلى عوارض الإفطار للاطلاع على جميع المسائل.