مسائلُ فقهيةٌ في قضاء رمضان على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةوعن عائِشةَ وأُمِّ سَلمةَ رضي الله عنهما قالتا: «نَشهَدُ على رَسولِ اللهِ ﷺ، إنْ كان لَيُصْبِحُ جُنُبًا من جِمَاعٍ ثُمَّ يَغْتَسِلُ ثُمَّ يُصْبِحُ صَائِمًا» (١).
قَضاءُ رَمضانَ:
مَنْ أفطَر أيامًا من رَمضانَ، كالمَريضِ والمُسافِرِ ونَحوِهما، قَضى بعدَه ما فاتَه؛ لأنَّ القَضاءَ يَجِبُ أنْ يَكونَ بعدَه، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ومَن فاتَه صَومُ رَمضانَ كلِّه تامًّا كان رَمضانُ، أو ناقِصًا، قَضى عَددَ أيامِه، سَواءٌ ابتَدأه من أولِ الشَّهرِ أو من أثنائِه كأعدادِ الصَّلَواتِ الفائِتةِ؛ لأنَّ القَضاءَ يَجِبُ أنْ يَكونَ بعَددِ ما فاتَه، لِقَولِه تَعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
ويَجوزُ أنْ يَقضيَ يَومَ شِتاءٍ عن يَومِ صَيفٍ وعَكسُه بأنْ يَقضيَ يَومَ صَيفٍ عن يَومِ شِتاءٍ لِعُمومِ الآيةِ (٢).
قَضاءُ رَمضانَ يَكونُ على التَّراخي:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ قَضاءَ رَمضانَ يَكونُ على التَّراخي، لكنْ قَيَّدوا ذلك بما إذا لم يَفُتْ وَقتُ قَضائِه، بأنْ يَهِلَّ رَمضانُ آخَرُ لِقَولِ عائِشةَ رضي الله عنها: «كان
(١) رواه البخاري (١٩٣١)، ومسلم (٧٨١)، وأحمد (٦/ ٢٧٩).
(٢) «كشاف القناع» (٢/ ٣٣٣)، و «مطالب أولي النهي» (٢/ ٢٠٨)، و «الإنصاف» (٣/ ٣٣٣)، و «جواهر الإكليل» (١/ ١٥٣، ١٥٤).
يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ من رَمَضَانَ، فما أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إلا في شَعْبَانَ، وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسولِ اللهِ ﷺ» (١).
ولا يَجوزُ عندَهم تأخيرُ قَضاءِ رَمضانَ إلى رَمضانَ آخَرَ من غَيرِ عُذرٍ، بل عليه قَضاؤُه قبلَ مَجيِ رَمضانَ السَّنةَ القابِلةَ؛ لأنَّ عائِشةَ رضي الله عنها لم تُؤَخِّرْه إلى ذلك، ولو أمكَنَها لَأخَّرتْه، ولأنَّ الصَّومَ عِبادةٌ مُتكرِّرةٌ، لم يَجُزْ تأخيرُ الأُولى عن الثانيةِ كالصَّلواتِ المَفروضةِ؛ فإنْ أخَّرَه إلى رَمضانَ آخَّرَ لِغَيرِ عُذرٍ، أَثِمَ ويَلزمُه صَومُ رَمضانَ الحاضِرِ ويَلزمُه بعدَ ذلك قَضاءُ رَمضانَ الفائِتِ، ويَلزمُه بمُجرَّدِ دُخولِ رَمضانَ الثاني عن كلِّ يَومٍ من الفائِتِ مُدٌّ مِنْ طَعامٍ، إطعامُ مِسكينٍ، مع القَضاءِ.
واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه الدارَقُطنيُّ في سُنَنِه (٢) عن ابنِ عَباسٍ وأبي هُرَيرةَ رضي الله عنهما قالا فِيمَنْ عليه صَومٌ فلَم يَصُمْه حتى أدرَكه رَمضانُ آخَرُ: «يُطعِمُ عن الأولِ». وقال الدارَقُطنيُّ: إسنادُه صَحيحٌ، ولَفظُ رِوايةِ أبي هُرَيرةَ: «مَنْ مَرِضَ في رَمضانَ، ثم صَحَّ ولم يَصُمْ حتى أدرَكَه رَمضانُ آخَرُ قال: يَصومُ الذي أدرَكه ويُطعِمُ عن الأولِ لكلِّ يَومٍ مُدًّا مِنْ حِنْطةٍ لكُلِّ مِسكينٍ، فإذا فرَغ في هذا صامَ الذي فَرَّطَ فيه» (٣).
ورُوِيَ بمَعنى هذا عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما رَواه الدارَقُطنيُّ أيضًا (٤).
(١) رواه البخاري (١٨٤٩)، ومسلم (١١٤٦).
(٢) (٢/ ١٩٥، ١٩٧).
(٣) رواه الدارقطني (٢/ ١٩٦)، وقال: إسنادُه صحيحٌ مَوقوفٌ.
(٤) «السنن» (٢/ ١٩٨).
وهذا المَنقولُ عن ابنِ عَباسٍ وأبي هُرَيرةَ وابنِ عُمَرَ لم يَرِدْ عن غَيرِهم من الصَّحابةِ خِلافُه، ولأنَّها عِبادةٌ مُؤقَّتةٌ؛ فإنْ أخَّرها بغَيرِ عُذرٍ حتى دخَل وَقتُ عِبادةٍ أُخرى مِنْ جِنسِها، كان مُفرِّطًا عاصيًا، كالصَّلاةِ، ولأنَّها عِبادةٌ يَدخُلُ في جُبرانِها المالُ؛ فإنْ أخَّرها بتَفريطٍ حتى فاتَ وَقتُها، لَزمَه كَفَّارةٌ كالحَجِّ.
أمَّا إذا كان عليه قَضاءُ رَمضانَ أو بَعضِه وكان مَعذورًا، في تأخيرِ القَضاءِ بأنِ استمَرَّ مَرضُه أو سَفرُه ونَحوُهما جازَ له التَّأخيرُ ما دام عُذرُه ولو بَقيَ سِنينَ ولا تَلزَمُه الفِديةُ بهذا التَّأخيرِ، وإنْ تَكرَّرت رَمضاناتٌ، وإنَّما عليه القَضاءُ فقط؛ لأنَّه يَجوزُ تأخيرُ أداءِ رَمضانَ بهذا العُذرِ، فتأخيرُ القَضاءِ أوْلى بالجَوازِ (١).
قال الحَطَّابُ رحمة الله عليه: تَنبيهٌ والمَشهورُ أنَّه لا يَجِبُ قَضاءُ رَمضانَ على الفَورِ.
وقال في الذَّخيرةِ: يَجوزُ تأخيرُه إلى شَعبانَ ويَحرُمُ بعدَه.
وقيلَ: يَجِبُ القَضاءُ على الفَورِ.
نقَل القَولَيْن الرَّجراجيُّ وغَيرُه.
وقال ابنُ بَشيرٍ: لا خِلافَ أنَّه لا يَجِبُ على الفَورِ.
(١) «التاج والإكليل» (٣/ ٣٨٦)، و «الشرح الكبير» (١/ ٥٣٧)، و «القوانين الفقهية» (٨٤)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٤٤٨)، و «المجموع» (٧/ ٦١٢، ٦١٥)، و «الإشراف على مسائل الخلاف» (٢٠٨)، و «المدونة» (١/ ١٩٢)، و «المغني» (٤/ ٢٠٨)، و «الإنصاف» (٣/ ٣٣٣)، و «الإفصاح» (١/ ٤١٤)، و «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٨٣).
وتَبِعه ابنُ الحاجِبِ على حِكايةِ الاتِّفاقِ، وكذلك ابنُ ناجي في شَرحِ المُدوَّنةِ.
وحَصَّل ابنُ عَرفةَ فيه ثَلاثةَ أقوالٍ، الأولُ: أنَّه على الفَورِ، الثاني: أنَّه على التَّراخي لِبَقاءِ قَدْرِه قبلَ تاليه بشَرطِ السَّلامةِ؛ فإنْ صَحَّ بعدَ رَمضانَ قَدرَ زَمانِ القَضاءِ ولم يَقضِ فيه ثم أصابَه مَرضٌ أو سَفرٌ واتَّصل ذلك إلى رَمضانَ التالي فعليه القَضاءُ.
الثالِثُ: أنَّه على التَّراخي حتى يَبقَى قَدرُ ما عليه من الأيامِ من شَعبانَ مُطلَقًا، واعتُرِض على ابنِ الحاجِبِ في حِكايَتِه الاتِّفاقَ.
وقال في الإكمالِ في شَرحِ قَولِ عائِشةَ رضي الله عنها: يَكونُ على الصَّومِ من رَمضانَ فلا أستطيعُ أنْ أقضيَه إلا في شَعبانَ لِلشُّغلِ برَسولِ اللهِ ﷺ، فيه حُجَّةٌ على أنَّ قَضاءَ رَمضانَ ليس واجِبًا على الفَورِ، خِلافًا لِلدَّاووديِّ في إيجابِه من ثاني شَوَّالٍ وأنَّه آثِمٌ متى لم يُتِمَّه، فإذا لم يَكُنْ على الفَورِ فَوَقتُه مُوسَّعٌ مُقيَّدٌ ببَقيَّةِ السَّنةِ ما لم يَدخُلْ رَمضانُ آخَرُ، لكنَّ الاستِحبابَ المُبادَرةُ (١).
وقال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: ظاهِرُ ما في كِتابِ الصِّيامِ من المُدوَّنةِ أنَّ قَضاءَ رَمضانَ على الفَورِ: لأنَّه قال فيمَن أفطَر في رَمضانَ في سَفرٍ أو مَرضٍ ثم قَدِم فأقامَ شَهرًا، أو صَحَّ شَهرًا ثم مات، وأوصى أنْ يُطعَمَ عنه؛ ذلك يَكونُ في ثُلثِه مَبدأً. وكذلك على مَذهَبِه (٢).
(١) «مواهب الجليل» (٢/ ٤٤٨).
(٢) «البيان والتحصيل» (٢/ ٣٢٦).
وقال ابنُ الحاجِبِ رحمة الله عليه: ولا يَجِبُ قَضاءُ رَمضانَ على الفَورِ اتِّفاقًا؛ فإنْ أخَّرَه إلى رَمضانَ آخَرَ من غَيرِ عُذرٍ فالفِديةُ اتِّفاقًا (١).
وقال المَرداويُّ رحمة الله عليه: قَولُه: ويُستحَبُّ التَّتابُعُ في قَضاءِ رَمضانَ، ولا يَجِبُ هذا المَذهبُ وعليه الأصحابُ، ونَصَّ عليه وذكَره القاضي في الخِلافِ في أنَّ الزَّكاةَ تَجِبُ على الفَورِ إنْ قُلنا: إنَّ قَضاءَ رَمضانَ على الفَورِ، واحتَجَّ بنَصِّه في الكَفَّارةِ ويأتي في البابِ الذي يَليه هل يَصحُّ التَّطوُّعُ بالصِّيامِ قبلَ قَضاءِ رَمضانَ لهم أو لا؟ (٢)
وذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ والمُزنيُّ من الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في وَجهٍ إلى أنَّ قَضاءَ رَمضانَ على التَّراخي مُطلَقًا بلا قَيدٍ، فلو جاء رَمضانُ آخَرُ، ولم يَقضِ الفائِتَ، قَدَّمَ صَومَ الأداءِ على القَضاءِ، حتى لو نَوى الصَّومَ عن القَضاءِ لم يَقعْ إلا عن الأداءِ، ولا فِديةَ عليه بالتَّأخيرِ إليه لِإطلاقِ النَّصِّ وهو قَولُه تَعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ من غَيرِ قَيدٍ، فكان وُجوبُ القَضاءِ على التَّراخي، فلا يَلزَمُه بالتَّأخيرِ شَيءٌ غَيرُ أنَّه تارِكٌ لِلأوْلَى من المُسارَعةِ. ولأنَّه صَومٌ واجِبٌ، فلم يَجِبْ في تأخيرِه كَفَّارةٌ، كما لو أخَّر الأداءَ والنَّذرَ، ولم يَثبُتْ حَديثٌ مَرفوعٌ يَنُصُّ على وُجوبِ الفِديةِ (٣).
(١) «جامع الأمهات» ص (١٧٤).
(٢) «الإنصاف» (٣/ ٣٣٢).
(٣) «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٥٥)، و «عمدة القاري» (١١/ ٥٥)، و «الإفصاح» (١/ ٤١٤)، و «الإنصاف» (٣/ ٣٣٣)، و «المغني» (٤/ ٢٠٨)، و «المجموع» (٧/ ٦١٦).
قال الإمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: الكَلامُ في كَيفيَّةِ وُجوبِ القَضاءِ أنَّه على الفَورِ أو على التَّراخي كالكَلامِ في كَيفيَّةِ الوُجوبِ في الأمرِ المُطلَقِ عن الوَقتِ أصلًا كالأمرِ بالكَفَّاراتِ والنُّذورِ المُطلَقةِ ونَحوِها، وذلك على التَّراخي عندَ عامَّةِ مَشايخِنا، ومَعنى التَّراخي عندَهم أنَّه يَجِبُ في مُطلَقِ الوَقتِ غَيرَ عَينٍ، وخيارُ التَّعيينِ إلى المُكلَّفِ، ففي أيِّ وَقتٍ شُرِع فيه تَعيينُ ذلك الوَقتِ لِلوُجوبِ، وإنْ لم يُشرَعْ، يَتضيَّقُ الوُجوبُ عليه في آخِرِ عُمُرِه في زَمانٍ يَتمكَّنُ فيه من الأداءِ قبلَ مَوتِه.
وحَكى الكَرخيُّ عن أصحابِنا أنَّه على الفَورِ، والصَّحيحُ هو الأولُ، وعندَ عامَّةِ أصحابِ الحَديثِ الأمرُ المُطلَقُ يَقتَضي الوُجوبَ على الفَورِ على ما عُرِف في أُصولِ الفِقهِ.
وحَكى القُدُوريُّ عن الكَرخيِّ أنَّه كان يَقولُ في قَضاءِ رَمضانَ: إنَّه مُؤقَّتٌ بما بينَ رَمضانَيْن، وهذا غَيرُ سَديدٍ بل المَذهبُ عندَ أصحابِنا أنَّ وُجوبَ القَضاءِ لا يَتوقَّتُ، لِما ذكَرنا أنَّ الأمرَ بالقَضاءِ مُطلَقٌ عن تَعيينِ بَعضِ الأوقاتِ دونَ بَعضٍ فيَجري على إطلاقِه، ولِهذا قال أصحابُنا: إنَّه لا يُكرَهُ لِمَنْ عليه قَضاءُ رَمضانَ أنْ يَتطوَّعَ ولو كان الوُجوبُ على الفَورِ لَكُرِه له التَّطوُّعُ قبلَ القَضاءِ؛ لأنَّه يَكونُ تأخيرًا لِلواجِبِ عن وَقتِه المُضيَّقِ وأنَّه مَكروهٌ، وعلى هذا قال أصحابُنا: إنَّه إذا أخَّرَ قَضاءَ رَمضانَ حتى دخَل رَمضانُ آخَرُ فلا فِديةَ عليه.
وقال الشافِعيُّ: عليه الفِديةُ كأنَّه قال بالوُجوبِ على الفَورِ مع رُخصةِ التَّأخيرِ إلى رَمضانَ آخَرَ، وهذا غَيرُ سَديدٍ لِما ذكَرنا أنَّه لا دِلالةَ في الأمرِ
ارجع إلى الصيام للاطلاع على جميع الأبواب.