الإسلام > الصيام > مفسدات الصوم > إذا جامع ناسيا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةفإنَّ مَذهَبَنا وما نَدَّعي إذا فرَّقت الأخبارُ بينَ الشَّيءِ أنْ يُفرَّقَ بينَه كما فرَّقت (١).
٩ - إذا جامَع ناسيًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ من جامَع ناسيًا لِصَومِه:
فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّه لا يَفسُدُ صَومُه بذلك، ولا تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ ولا القَضاءُ، لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ أَكَلَ أو شَرِبَ نَاسِيًا فلا يُفْطِرْ؛ فإنَّمَا هو رِزْقٌ رَزَقَهُ الله» (٢).
وفي رِوايةٍ: «مَنْ نَسِيَ وهو صَائِمٌ فَأَكَلَ أو شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (٣).
قالوا: فنَصَّ على الأكلِ والشُّربِ، وقِسْنا عليهما كلَّ ما يُبطِلُ الصَّومَ من الجِماعِ وغَيرِه.
وذهَب المالِكيَّةُ في المَذهَبِ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَفسُدُ صَومُه بذلك، ويَجِبُ عليه القَضاءُ، ولا تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا
(١) «الأم» (٢/ ١٠٠)، ويُنظَر: «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٣٨، ٣٣٩)، و «البدائع» (٢/ ٦٤٠)، و «المبسوط» (٣/ ٧٢، ٧٣)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ٣٦١)، و «الإشراف» (٢٠٠)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٥٧)، و «المجموع» (٧/ ٥٥١، ٥٧٠)، و «المغني» (٤/ ١٨٠)، و «الإفصاح» (١/ ٣٩٣)، و «بداية المجتهد» (١/ ٤١٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (٧٢١)، والدارقطني (٢/ ١٨٠).
(٣) رواه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (٨٠٩).
الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وهذا لم يُتِمَّه، وقد حَرُم الإمساكُ، فأشبَهَ العامِدَ، ولأنَّ كلَّ فِعلٍ لا يَصحُّ الصَّومُ على شَيءٍ من جِنسِه عَمدًا على وَجهٍ لا يَصحُّ مع سَهوِه كتَركِ النيَّةِ.
وليس عليه الكَفَّارةُ الكُبرى: لأنَّها تَتبَعُ الإثْمَ بدَليلِ انتِفائِها مع عَدمِه، لِقَولِه ﷺ: «رُفِعَ عن أُمَّتي الخَطأُ والنِّسْيانُ» (١).
وذهَب الحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهَبِ والإمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ رَواها عنه مَعنُ بنُ عيسي والهَرَويُّ وهو قَولُ ابنِ الماجِشونِ من المالِكيَّةِ إلى أنَّه يَفسُدُ صَومُه ويَجِبُ عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ الذي واقَع امرأتَه في رَمضانَ بالكَفَّارةِ ولم يَسألْه عن العَمدِ، ولو افتَرَق الحالُ لَسألَ واستَفصَل، ولأنَّه يَجِبُ التَّعليلُ بما تَناوَله لَفظُ السائِلِ، وهو الوُقوعُ على المَرأةِ في الصَّومِ، ولأنَّ السُّؤالَ كالمُعادِ في الجَوابِ فكأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: مَنْ وقَع على أهلِه في رَمضانَ فليُعتِقْ رَقبةً.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: ففي الحَديثِ ما يَدُلُ على العَمدِ، وهو قَولُه: «هَلَكتُ». ورُوي: «احتَرَقتُ».
قُلنا: يَجوزُ أنْ يُخبِرَ عن هَلَكتِه فيما يَعتقِدُه في الجِماعِ مع النِّسيانِ من إفسادِ الصَّومِ وخَوفِه من غَيرِ ذلك، ولأنَّ الصَّومَ عِبادةٌ تُحرِّمُ الوَطءَ فاستَوى فيها عَمدُه وسَهوُه كالحَجِّ، ولأنَّ إفسادَ الصَّومِ ووُجوبَ الكَفَّارةِ حُكمانِ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: سبق تَخريجُه.
يَتعلَّقانِ بالجِماعِ لا تُسقِطُهما الشُّبهةُ، فاستَوى فيهما العَمدُ والسَّهوُ كسائِرِ أحكامِه (١).
وقال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا المَسألةُ الثانيةُ وهي إذا جامَع ناسيًا لِصَومِه؛ فإنَّ الشافِعيَّ وأبا حَنيفةَ يَقولانِ: لا قَضاءَ عليه ولا كَفَّارةَ، وقال مالِكٌ: عليه القَضاءُ دونَ الكَفَّارةِ، وقالَ أحمدُ وأهلُ الظاهِرِ عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ، وسَببُ اختِلافِهم في قَضاءِ الناسي مُعارَضةُ ظاهِرِ الأثرِ في ذلك القياسِ.
وأمَّا القياسُ فهو تَشبيهُ ناسي الصَّومِ بناسي الصَّلاةِ، فمَن شَبَّهه بناسي الصَّلاةِ أوجَبَ عليه القَضاءَ كوُجوبِه بالنَّصِّ على ناسي الصَّلاةِ.
وأمَّا الأثَرُ المُعارِضُ بظاهِرِه لِهذا القياسِ فهو ما أخرَجه البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أبي هُرَيرةَ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ نَسِيَ وهو صَائِمٌ فَأَكَلَ أو شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ».
وهذا الأثَرُ يَشهَدُ به عُمومُ قَولِه عليه الصلاة والسلام: «رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وما اسْتُكْرِهُوا عليه».
ومِن هذا البابِ اختِلافُهم فيمَن ظَنَّ أنَّ الشَّمسَ قد غَرَبت فأفطَر ثم ظهَرت الشَّمسُ بعدَ ذلك، هل عليه قَضاءٌ أو لا؟ وذلك أنَّ هذا مُخطِئٌ
(١) «المغني» (٤/ ١٨٧، ١٧٩)، و «المجموع» (٧/ ٥٣٣، ٥٣٦)، و «الهداية» (١/ ١٢٢)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٢٧، ٣٢٨)، و «مختصر القدوري» (٦٢)، و «المدونة الكبرى» (١/ ٢٠٨)، و «شرح مسلم» (٨/ ٣٥)، و «روضة الطالبين» (٣/ ١٤٣)، و «الاختيار» (١/ ١٤١)، و «القوانين الفقهية».
والمُخطِئُ والناسيَ حُكمُها واحِدٌ، فكيفما قُلنا فتأثُّرُ النِّسيانِ في إسقاطِ القَضاءِ بَيِّنٌ واللهُ ﷾ أعلَمُ.
وذلك أنَّا إنْ قُلنا: إنَّ الأصلَ هو ألَّا يَلزَمَ قَضاءٌ حتى يَدُلَّ الدَّليلُ على ذلك وجَب أنْ يَكونَ النِّسيانُ لا يُوجِبُ القَضاءَ في الصَّومِ إذ لا دَليلَ ههنا على ذلك بخِلافِ الأمرِ في الصَّلاةِ.
وإنْ قُلنا: إنَّ الأصلَ هو إيجابُ القَضاءِ حتى يَدُلَّ الدَّليلُ على رَفعِه عن الناسي؛ فقد دَلَّ الدَّليلُ في حَديثِ أبي هُرَيرةَ على رَفعِه عن الناسي، اللَّهمَّ إلا أنْ يَقولَ قائِلٌ: إنَّ الدَّليلَ الذي استَثنَى ناسيَ الصَّومِ من ناسي سائِرِ العِباداتِ التي رُفِع عن تارِكها الحَرجُ بالنَّصِّ هو قياسُ الصَّومِ على الصَّلاةِ لكنَّ إيجابَ القَضاءِ بالقياسِ فيه ضَعفٌ، وإنَّما القَضاءُ عندَ الأكثرِ واجِبٌ بأمرٍ مُتجدِّدٍ، وأمَّا مَنْ أوجَب القَضاءَ والكَفَّارةَ على المُجامِعِ ناسيًا فضَعيفٌ؛ فإنَّ تأثيرَ النِّسيانِ في إسقاطِ العُقوباتِ بَيِّنٌ في الشَّرعِ، والكَفَّارةُ من أنواعِ العُقوباتِ وإنَّما أصارَهم إلى ذلك أخذُهم بمُجمَلِ الصِّفةِ المَنقولةِ في الحَديثِ، أعني مِنْ أنَّه لم يَذكُرْ فيه أنَّه فعَل ذلك عَمدًا ولا نِسيانًا، لكنَّ مَنْ أوجَبَ الكَفَّارةَ على قاتِلِ الصَّيدِ ناسيًا لم يَحفَظْ أصلَه في هذا، مع أنَّ النَّصَّ إنَّما جاء في المُتعمِّدِ، وقد كان يجب على أهلِ الظاهِرِ أنْ يأخُذوا بالمُتَّفَقِ عليه، وهو إيجابُ الكَفَّارةِ على العامِدِ إلى أنْ يَدُلَّ الدَّليلُ على إيجابِها على الناسي أو يأخُذوا بعُمومِ قَولِه عليه الصلاة والسلام: «رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» حتى يَدُلَّ الدَّليلُ على التَّخصيصِ، ولكنْ كِلا الفَريقَيْن لم يَلزَمْ أصلَه، وليس في مُجمَلِ ما نُقِل من حَديثِ الأعرابيِّ حُجَّةً، ومَن قال مِنْ أهلِ الأُصولِ: إنَّ تَركَ التَّفصيلِ في
ارجع إلى مفسدات الصوم للاطلاع على جميع المسائل.