الاحتقان (الحقنة الشرجية)

الإسلام > الصيام > مفسدات الصوم > الاحتقان (الحقنة الشرجية)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

الاحتقان (الحقنة الشرجية) - الأقوال والأدلة

٢٢ - الاحتِقانُ (الحُقنةُ الشَّرَجيَّةُ):

الاحتِقانُ: صَبُّ الدَّواءِ أو إدخالُ نَحوِه في الدُّبُرِ (١) وقد يَكونُ بمائِعٍ أو بغَيرِه:

ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الاحتِقانَ بالمائِعِ من الماءِ -وهو الغالِبُ- أو غَيرِ الماءِ، يَفسُدُ الصَّومُ ويُوجِبُ القَضاءَ.

مُعلِّلين ذلك بأنَّه يَصِلُ به الماءَ إلى الجَوفِ من مَنفَذٍ مَفتوحٍ، وبأنَّ غَيرُ المُعتادِ كالمُعتادِ في الواصِلِ، ولأنَّه أبلَغُ وأوْلى بوُجوبِ القَضاءِ من الاستِعاطِ بسَببِ الفَريضةِ الفاسِدةِ.

= الأكلِ والشُّربِ، والحُكمُ ثابِتٌ على وَفقِه، وكَلامُ الشارِعِ قد دَلَّ على اعتِبارِ هذا الوَصفِ، وتأثيرِه، وهذا المَنعُ مُنتَفٍ في الحُقنةِ والكُحلِ وغَيرِ ذلك. فإنْ قيلَ: بل الكُحلُ قد يَنْزِلُ إلى الجَوفِ ويَستحيلُ دَمًا. قيلَ: هذا كما قد يُقالُ في البُخارِ الذي يَصعَدُ من الأنفِ إلى الدِّماغِ فيَستَحيلُ دَمًا، وكالدُّهنِ الذي يَشرَبُه الجِسمُ. والمَمنوعُ منه إنَّما هو ما يَصِلُ إلى المَعِدةِ فيَستحيلُ دَمًا ويَتوزَّعُ على البَدَنِ.
ونَجعَلُ هذا وَجهًا سادِسًا فنَقيسُ الكُحلَ والحُقنةَ ونَحوَ ذلك على البَخورِ والدُّهنِ ونَحوِ ذلك لِجامِعِ ما يَشترِكان فيه من أنَّ ذلك ليس ممَّا يَتغَذَّى به البَدَنُ، ويَستحيلُ في المَعِدةِ دَمًا، وهذا الوَصفُ هو الذي أوجَبَ ألَّا تَكونَ هذه الأُمورُ مُفطِرةً، وهذا مَوجودٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ. والفَرعُ قد يَتجاذَبُه أصلانِ، فيُلحَقُ كلٌّ منهما بما يُشبِهُه من الصِّفاتِ … «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٣٦، ٢٥٣).
(١) «المصباح المنير» مادة (حقن)، و «مراقي الفلاح» (٣٦٧)، و «الإقناع» (٢/ ٣٢٩) والمُرادُ به هنا الحُقنَة الشَّرجِيَّة.

ولِقَولِ ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما: «الْفِطْرُ مِمَّا دخَل وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» (١).

أمَّا الاحتِقانُ بالجامِدِ ففيه بَعضُ الخِلافِ:

فذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ ما يَدخُلُ إلى الجَوفِ من الدُّبُرِ بالحُقنةِ يُفطِرُ؛ لأنَّه واصِلٌ إلى الجَوفِ باختيارِه، فأشبَهَ الأكلَ (٢).

وكذلك دُخولُ طَرفِ إصبَعٍ في المَخرَجِ حالَ الاستِنجاءِ يُفطِرُ، قال الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: لو أدخَل الرَّجلُ إِصْبَعَه أو غَيرَها في دُبُرِه، أو أدخَلت المَرأةُ إصبَعَها أو غَيرَها في دُبُرِها أو قُبُلِها، وبَقيَ البَعضُ خارِجًا، بطَل الصَّومُ باتِّفاقِ أصحابِنا (٣).

وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ تَغَيُّبَ القُطنِ ونَحوهِ من الجَوامِدِ الجافَّةِ يُفسِدُ الصَّومَ، وعَدَمَ التَّغيُّبِ لا يُفسِدُه، كما لو بَقيَ طَرَفُه خارِجًا؛ لأنَّ عَدمَ تَمامِ الدُّخولِ كعَدمِ دُخولِ شَيءٍ بالمَرَّةِ، كإدخالِ الإصبَعِ غَيرِ المَبلولةِ، أمَّا المَبلولةُ بالماءِ والدُّهنِ فيُفسِدُه (٤).

وخَصَّ المالِكيَّةُ الإفطارَ وبُطلانَ الصَّومِ بالحُقنةِ المائِعةِ نَصًّا.

وقالوا: احترَز (خَليلٌ) بالمائِعِ عن الحُقنةِ بالجامِدِ، فلا قَضاءَ فيها، ولا في فَتائِلَ عليها دُهنٌ لِخِفَّتِها.

(١) أَخرَجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢/ ٣٠٨)، والبيهقي في «الكبرى» (١/ ١١٦)، (٤/ ٢٦١)، وقال الألبانيُّ رحمة الله عليه في «الإرواء» (٢/ ٣٧٧): سندُه صحيحٌ مَوقوفٌ.
(٢) «المغني» (٤/ ١٥٧)، و «كشاف القناع» (٢/ ٣١٨).
(٣) «المجموع» (٧/ ٥١٧).
(٤) «مراقي الفلاح» (٣٧٠)، وانظر: «تبيين الحقائق» (١/ ٣٢٩/ ٣٣٠)، و «الدر المختار» (٢/ ١٠٢)، و «مختصر القدوري» (٦٣)، و «الاختيار» (١/ ١٤١).

وفي المُدوَّنةِ: قال ابنُ القاسِمِ: سُئِل مالِكٌ عن الفَتائِلِ تُجعَلُ لِلحُقنةِ؟

قال مالِكٌ: أرى ذلك خَفيفًا، ولا أرى عليه شَيئًا، قال مالِكٌ: وإنِ احتقَن بشَيءٍ يَصِلُ إلى جَوفِه، فأرى عليه القَضاءَ، قال ابنُ القاسِمِ: ولا كَفَّارةَ عليه (١).

وخُلاصةُ مَذهَبِ المالِكيَّةِ في الحُقنةِ أربَعةُ أقوالٍ:

أحَدُها: وهو المَشهورُ المَنصوصُ عليه في مُختصَرِ خَليلٍ: الإفطارُ بالحُقنةِ المائِعةِ.

الثاني: أنَّ الحُقنةَ تُفطِرُ مُطلَقًا.

الثالِثُ: أنَّ استِعمالَ الحُقنةِ مَكروهٌ.

قال ابنُ حَبيبٍ رحمة الله عليه: وكان مَنْ مَضى من السَّلفِ وأهلِ العِلمِ يَكرَهون التَّعالُجَ بالحُقَنِ إلا من ضَرورةٍ غالِبةٍ، لا تُوجَدُ عن التَّعالُجِ بها مَندوحةٌ، فلِهذا استُحِبَّ قَضاءُ الصَّومِ باستِعمالِها.

الرابِعُ: أنَّها لا تُفطِرُ، واستَحسَنه اللَّخميُّ: لأنَّ ذلك لا يَصِلُ إلى المَعِدةِ، ولا مَوضعَ يَتصرَّفُ منه ما يُغَذِّي الجِسمَ بحالٍ (٢).

وهذا هو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ رحمة الله عليه وقد سبَق كَلامُه في المَسألةِ السابِقةِ (٣).

(١) «الشرح الكبير» (١/ ٥٢٤)، و «المدونة» (١/ ١٩٧)، و «الشرح الصغير مع بلغة السالك» (١/ ٤٦٢).
(٢) «مواهب الجليل» (٢/ ٤٢٤، ٤٢٥)، و «القوانين الفقهية» (٨٠).
(٣) «مجموع الفتاوي» (٢٥/ ٢٣٤)، وما بعدها.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 532 - 534

ارجع إلى مفسدات الصوم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد