الإسلام > الصيام > مفسدات الصوم > من أكل أو شرب ناسيا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءة٢ - مَنْ أكَل أو شَرِب ناسيًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن أكلَ أو شَرِب ناسيًا في نَهارِ رَمضانَ هل يَصحُّ صَومُه أو يَفسُدُ صَومُه ويَلزَمُه القَضاءُ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ صَومَه صَحيحٌ ولا يَجِبُ عليه القَضاءُ؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ نَسِيَ وهو صَائِمٌ فَأَكَلَ أو شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (١)، وفي لَفظٍ: «مَنْ أَكَلَ أو شَرِبَ نَاسِيًا فلا يُفْطِرْ؛ فإنَّمَا هو رِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ» (٢).
وعن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلا كَفَّارَةَ» (٣).
ولِغَيرِ ذلك من الأحاديثِ، ولأنَّها عِبادةٌ ذاتُ تَحليلٍ وتَحريمٍ، فكان في مَحظوراتِها ما يَختلِفُ عَمدُه وسَهوُه كالصَّلاةِ والحَجِّ (٤).
وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّ مَنْ أكلَ أو شَرِب ناسيًا صَومُه يَفسُدُ، ويَجِبُ عليه القَضاءُ لِعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وهذا لم يُتِمَّه، وقد حرَّم الإمساكَ، فأشبَهَ العامِدَ.
(١) رواه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (٨٠٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (٧٢١)، والدارقطني (٢/ ١٨٠).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٢٣٩)، وابن حبان في «صحيحه» (٨/ ٢٨٧).
(٤) «الاختيار» (١/ ٢٦٨)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٢٧)، و «مختصر القدروي» (٦٢)، و «المجموع» (٧/ ٥٣٦)، و «المغني» (٤/ ١٧١)، و «الإفصاح» (١/ ٣٩٦).
ولأنَّ كلَّ فِعلٍ لا يَصحُّ الصَّومُ مع شَيءٍ من جِنسِه عَمدًا على وَجهٍ، فلا يَصحُّ مع سَهوِه كتَركِ النيَّةِ.
وأمَّا وُجوبُ القَضاءِ عليه؛ فلأنَّه مُكلَّفٌ حصَل منه أكلٌ في رَمضانَ كالعامِدِ؛ ولأنَّه أكلَ في صَومٍ مُفترَضٍ، لا يَسقُطُ بالمَرضِ كالمَريضِ.
ولأنَّ القَضاءَ إذا وجَب على المَريضِ مع كَونِه أعذَرَ من الناسي، كان بأنْ يَجِبَ على الناسي أوْلى.
وهذا كلُّه في الفَرضِ، أمَّا لو أكلَ أو شَرِب ناسيًا في التَّطوُّعِ فصَومُه صَحيحٌ؛ لأنَّ الأكلَ في التَّطوُّعِ لا يُبطِلُه.
قال الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه: مَنْ أكلَ أو شَرِب ساهيًا أو ناسيًا في صيامِ تَطوُّعٍ فليس عليه قَضاءٌ، وليُتِمَّ يَومَه الذي أكلَ فيه أو شَرِب وهو مُتطوِّعٌ ولا يُفطِرْه (١).
قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: قال ابنُ العَربيِّ: تَمسَّك جَميعُ فُقهاءِ الأمصارِ بظاهِرِ هذا الحَديثِ -أي: حَديثِ «فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» - وتَطلَّع مالِكٌ إلى المَسألةِ من طَريقِها، فأشرَف عليه؛ لأنَّ الفِطرَ ضدُّ الصَّومِ والإمساكَ رُكنُ الصَّومِ، فأشبَهَ ما لو نَسيَ رَكعةً من الصَّلاةِ، قال: وقد رَوى الدارَقُطنيُّ فيه: «لا قَضاءَ عليكَ» فتأوَّله عُلماؤُنا على أنَّ مَعناه: لا قَضاءَ عليكَ الآنَ.
(١) «الموطأ» (١/ ٣٠٦)، و «الإشراف» (٢٠٢)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٥٧)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٢٥٣)، و «المغني» (٤/ ١٧١)، و «الإفصاح» (١/ ٣٩٦).
قال الحافِظُ: وهذا تَعسُّفٌ وإنَّما أقولُ: لَيتَه صَحَّ فنَتَّبِعَه، ونَقولَ به، إلا على أصلِ مالِكٍ في أنَّ خَبرَ الواحِدِ إذا جاء بخِلافِ القَواعِدِ لم يُعمَلْ به، فلَمَّا جاء الحَديثُ الأولُ المُوافِقُ لِلقاعِدةِ في رَفعِ الإثمِ عَمِلنا به، وأمَّا الثاني فلا يُوافِقُها، فلم نَعمَلْ به.
وقال القُرطُبيُّ: احتجَّ به من أسقَط القَضاءَ وأُجيبَ بأنَّه لم يَتعرَّضْ فيه لِلقَضاءِ، فيُحمَلُ على سُقوطِ المُؤاخَذةِ؛ لأنَّ المَطلوبَ صيامُ يَومٍ لا خَرمَ فيه، لكنْ رَوى الدارَقُطنيُّ فيه سُقوطَ القَضاءِ، وهو نَصٌّ لا يَقبَلُ الاحتِمالَ، لكنَّ الشأنَ في صِحَّتِه؛ فإنْ صحَّ وجَب الأخذُ به وسقَط القَضاءُ. اه.
وأجاب بَعضُ المالِكيَّةِ بحَملِ الحَديثِ على صَومِ التَّطوُّعِ كما حَكاه ابنُ التِّينِ عن ابنِ شَعبانَ، وكذا قال ابنُ القَصَّارِ واعتلَّ بأنَّه لم يَقَعْ في الحَديثِ تَعيينُ رَمضانَ فيُحمَلُ على التَّطوُّعِ، وقال المُهلَّبُ وغَيرُه: لم يَذكُرْ في الحَديثِ إثباتَ القَضاءِ، فيُحمَلُ على سُقوطِ الكَفَّارةِ عنه، وإثباتِ عُذرِه ورَفعِ الإثمِ عنه وبَقاءِ نيَّتِه التي بَيَّتها. اه.
والجَوابُ عن ذلك كلِّه بما أخرَجه ابنُ خُزيمةَ وابنُ حِبَّانَ والحاكِمُ والدارَقُطنيُّ من طَريقِ مُحمدِ بنِ عَبدِ اللهِ الأنصاريِّ عن مُحمدِ بنِ عَمرٍو عن أبي سَلمةَ عن أبي هُرَيرةَ بلَفظِ: «مَنْ أفطَر في شَهرِ رَمضانَ ناسيًا فلا قَضاءَ عليه ولا كَفَّارةَ» فعَيَّن رَمضانَ وصَرَّح بإسقاطِ القَضاءِ، قال الدارَقُطنيُّ: تَفرَّد به مُحمدُ بنُ مَرزوقٍ عن الأنصاريِّ، وتُعُقِّب بأنَّ ابنَ خُزيمةَ أخرَجه أيضًا عن إبراهيمَ بنِ مُحمدٍ الباهِليِّ وبأنَّ الحاكِمَ أخرَجه من طَريقِ أبي حاتِمٍ الرازيِّ كِلاهما عن الأنصاريِّ فهو المُنفرِدُ به كما قال
البَيهَقيُّ وهو ثِقةٌ، والمُرادُ أنَّه انفرَد بذِكرِ إسقاطِ القَضاءِ فقط، لا بتَعيينِ رَمضانَ؛ فإنَّ النَّسائيَّ أخرَج الحَديثَ من طَريقِ عليِّ بنِ بَكَّارٍ عن مُحمدِ بنِ عَمرٍو ولَفظُه: «في الرَّجلِ يَأكُلُ في شَهرِ رَمضانَ ناسيًا، فقال: اللهُ أطعَمَه وسَقاه»، وقد ورَد إسقاطُ القَضاءِ من وَجهٍ آخَرَ عن أبي هُرَيرةَ أخرَجه الدارَقُطنيُّ من رِوايةِ مُحمدِ بنِ عيسى بنِ الطَّبَّاعِ عن ابنِ عُلَيَّةَ عن هِشامٍ عن ابنِ سِيرينَ ولَفظُه: «فإنَّما هو رِزقٌ ساقَه اللهُ إليه ولا قَضاءَ عليه»، وقال بعدَ تَخريجِه: هذا إسنادٌ صَحيحٌ، وكلُّهم ثِقاتٌ قُلتُ: لكنَّ الحَديثَ عندَ مُسلِمٍ وغَيرِه من طَريقِ ابنِ عُلَيَّةَ، وليس فيه هذه الزِّيادةُ، ورَوى الدارَقُطنيُّ أيضًا إسقاطَ القَضاءِ من رِوايةِ أبي رافِعٍ وأبي سَعيدٍ المَقبُريِّ والوَليدِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ وعَطاءِ بنِ يَسارٍ، كلِّهم عن أبي هُرَيرةَ، وأخرَج أيضًا من حَديثِ أبي سَعيدٍ رفَعه: «مَنْ أكَل في شَهرِ رَمضانَ ناسيًا فلا قَضاءَ عليه»، وإسنادُه -وإنْ كان ضَعيفًا- صالِحٌ لِلمُتابَعةِ، فأقَلُّ دَرجاتِ الحَديثِ بهذه الزِّيادةِ أنْ يَكونَ حَسَنًا فيَصلُحَ لِلاحتِجاجِ به، وقد وقَع الاحتِجاجُ في كَثيرٍ من المَسائِلِ بما هو دونَه في القُوَّةِ، ويُعتَضَدُ أيضًا بأنَّه قد أفتى به جَماعةٌ من الصَّحابةِ من غَيرِ مُخالَفةٍ لهم منهم -كما قاله ابنُ المُنذِرِ وابنُ حَزمٍ وغَيرُهما- عليُّ بنُ أبي طالِبٍ وزَيدُ بنُ ثابِتٍ وأبو هُريرةَ وابن عُمَرَ، ثم هو مُوافِقٌ لِقَولِه تَعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، فالنِّسيانُ ليس من كَسبِ القَلبِ، ومُوافِقٌ لِلقياسِ في إبطالِ الصَّلاةِ بعَمدِ الأكلِ، لا بنِسيانِه، فكذلك الصِّيامُ، وأمَّا القياسُ الذي ذكَره ابنُ العَربيُّ فهو في مُقابَلةِ النَّصِّ فلا يُقبَلُ، ورَدُّه لِلحَديثِ مع صِحَّتِه بكَونِه خَبرَ واحِدٍ خالَف القاعِدةَ ليس بمُسلَّمٍ؛ لأنَّه قاعِدةٌ مُستقِلَّةٌ بالصِّيامِ،
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيام
٤٩٠ - مسألة؛ قال: (وإن فعل ذلك ناسيا، فهو على صومه، ولا قضاء عليه)
وقولُ رَبِيعَةَ يَبْطُلُ بِالمَعْذُورِ. وذُكِرَ لأحمدَ حَدِيثُ أبى هُرَيْرَةَ: "مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا من رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، لم يَقْضِه، ولو صَامَ الدَّهْرَ" . فقال: ليس يَصِحُّ هذا الحَدِيثُ.
٤٩٠ - مسألة؛ قال: (وإن فَعَلَ ذلِك ناسِيًا، فَهُوَ عَلَى صَوْمِه، ولَا قَضَاءَ عَلَيْهِ)
وجُمْلَتُه أن جَمِيعَ ما ذَكَرَهُ الخِرَقِىُّ فى هذه المَسْأَلَةِ لا يُفْطِرُ الصائمُ بفِعْلِه نَاسِيًا. وَرُوِىَ عن عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّه عنه: لا شىءَ على من أكَلَ نَاسِيًا. وهو قَوْلُ أبى هُرَيْرَةَ، وابنِ عمرَ، وعَطاءٍ، وطَاوُسٍ، وابنِ أبى ذِئْبٍ، والأوْزَاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأبى حنيفةَ، وإسحاقَ. وقال رَبِيعَةُ، ومَالِكٌ: يُفْطِرُ؛ لأنَّ ما لا يَصِحُّ الصَّوْمُ مع شىءٍ من جِنْسِه عَمْدًا، لا يجوزُ مع سَهْوِه، كالجِماعِ، وتَرْكِ النِّيَّةِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إذا أكَلَ أحَدُكُم أوْ شَرِبَ نَاسِيًا، فَلْيُتِمَّ صَوْمَه، فَإنَّمَا أَطعَمَهُ اللهُ وسَقَاهُ" . مُتَّفَقٌ عليه وفى لَفْظٍ: "مَنْ أَكَلَ أوْ شَرِبَ نَاسِيًا، فَلَا يُفْطِرْ، فَإنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ" . ولأنَّها عِبَادَةٌ ذاتُ
تحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، فكان فى مَحْظُورَاتِها ما يَخْتَلِفُ عَمْدُه وسَهْوُه، كالصلاةِ والحَجِّ. وأمَّا النِّيَّةُ فليس تَرْكُهَا فِعْلًا، ولأنَّها شَرْطٌ، والشُّرُوطُ لا تَسْقُطُ بِالسَّهْوِ، بخِلافِ المُبْطِلَاتِ، والجِماعُ حُكْمُه أغْلَظُ، ويُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه.
ارجع إلى مفسدات الصوم للاطلاع على جميع المسائل.