الإسلام > الطهارة > التيمم > ما يصح فعله بالتيمم مع وجود الماء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةما يَصحُّ فِعلُه بالتَّيممِ مع وُجودِ الماءِ:
ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّه لا يَصحُّ فِعلُ عِبادةٍ مَبنيةٍ على الطَّهارةِ بالتَّيممِ عندَ وُجودِ الماءِ إلا لمَريضٍ، أو مُسافرٍ وجَدَ الماءَ لكنَّه مُحتاجٌ إليه، أو عندَ خَوفِ البَردِ.
قالَ ابنُ عابِدينَ رحمة الله عليه: إنَّ التَّيممَ -لمَّا لم تُشتَرطْ له الطَّهارةُ- غيرُ مُعتبَرٍ أصلًا مع وُجودِ الماءِ إلا إذا كانَ ممَّا يُخافُ فَوتُه لا إلى بَدلٍ، فلو تَيممَ المُحدثُ للنَّومِ أو لدُخولِ المَسجدِ مع قُدرتِه على الماءِ فهو لَغوٌ، بخِلافِ تَيمُّمِه لرَدِّ السَّلامِ مَثلًا؛ لأنَّه يَخافُ فَوتَه؛ لأنَّه على الفَورِ، ولذا فعَلَه ﷺ، وهذا الذي يَنبَغي التَّعويلُ عليه (١).
مَنْ ضاقَ عليه الوَقتُ بحيثُ لو استَعملَ الماءَ فاتَ وَقتُ الصَّلاةِ:
ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا كانَ الماءُ مَوجودًا إلا أنَّه إذا اشتَغلَ بتَحصيلِه واستِعمالِه فاتَ الوَقتُ؛ فإنَّه لا يَجوزُ له التَّيممُ سَواءٌ كانَ حاضِرًا أو مُسافِرًا لقَولِه تَعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، ولقَولِه ﷺ: «التُّرابُ طَهورُ المُسلمِ ما لم يَجدِ الماءَ»، فمَتى كانَ واجِدًا الماءَ فليسَ التُّرابُ له طَهورًا، فلا تُجزئُه صَلاتُه.
(١) «رد المحتار» (١/ ٤١١).
ومِن جِهةِ النَّظرِ فإنَّ فَرضَ الطَّهارةِ آكَدُ من فَرضِ الوَقتِ بدِلالةِ أنَّه لا تَجوزُ صَلاةٌ بغيرِ طَهارةٍ وهي جائِزةٌ مع فَواتِ الوَقتِ.
وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ وزُفرُ من الحَنفيةِ -وهو أيضًا مَحكيٌّ عن أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ كما في «البَحر»؛ فإنَّ ابنَ نَجيمٍ قالَ: لكنْ ظَفِرتُ بأنَّ التَّيممَ لخَوفِ فَواتِ الوَقتِ رِوايةٌ عن مَشايخِنا ذكَرَها في «القُنية» - إلى أنَّ مَنْ خافَ فَواتَ الوَقتِ جازَ له التَّيممُ، وهذا القَولُ هو اختِيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ رحمة الله عليه؛ فإنَّه قالَ: وأصَحُّ أَقوالِ العُلماءِ أنَّه يَتيممُ لكلِّ ما يُخافُ فَوتُه، كالجِنازةِ وصَلاةِ العيدِ، وغيرِها ممَّا يُخافُ فَوتُه؛ فإنَّ الصَّلاةَ بالتَّيممِ خَيرٌ من تَفويتِ الصَّلاةِ، كما أنَّ صَلاةَ التَّطوعِ بالتَّيممِ خَيرٌ من تَفويتِه، ولهذا يَتيممُ للتَّطوعِ مَنْ كانَ له وِردٌ في اللَّيلِ يُصليه، وقد أَصابَته الجَنابةُ، والماءُ بارِدٌ يَضرُّه، فإذا تَيممَ وصلَّى التَّطوعَ وقرَأَ القُرآنَ بالتَّيممِ كانَ خَيرًا من تَفويتِ ذلك (١).
قالَ في «الدُّر المُختار»: فالأحوَطُ أنْ يَتيممَ ويُصليَ ثم يُعيدَه.
قالَ ابنُ عابِدينَ: هذا قَولُ زُفرَ، قالَ إِبراهيمُ الحَلبيُّ … ولعلَّ هذا من هؤلاء المَشايخِ اختيارٌ لقَولِ زُفرَ لقُوةِ دَليلِه، وهو أنَّ التَّيممَ إنَّما شُرعَ إلى أداءِ الصَّلاةِ في الوَقتِ فيَتيممُ عندَ خَوفِ فَواتِه، قالَ شَيخُنا ابنُ الهُمامِ: إنَّ الفُقهاءَ رَدُّوا على زُفرَ ولم يَتوجَّهْ لهم عليه سِوى أنَّهم قالوا: إنَّ مَنْ أخَّرَ الصَّلاةَ إلى آخِرِ الوَقتِ كانَ مُقصِّرًا وتَقصيرُه جاءَ مِنْ قِبَلِه فلا يَستحقُّ التَّرخيصَ له بجَوازِ
(١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٣٩).
التَّيممِ، ولكنَّ هذا الرَّدَّ على زُفرَ إنَّما يَتمُّ لو أخَّرَ بعُذرٍ فيَلزمُهم أنْ يُرخِّصوا له التَّيممَ لو أخَّرَ لعُذرٍ، على أنَّه لو أخَّرَ بلا عُذرٍ فلا يَتَّجهُ أيضًا؛ لأنَّها غايَتُه أنَّه عاصٍ بالتَّأخيرِ والعاصِي عندَنا كالمُطيعِ في ثُبوتِ التَّرخيصِ له.
وأَقولُ: إذا أخَّرَ لا لعُذرٍ فهو عاصٍ.
والمَذهبُ عندَنا أنَّه كالمُطيعِ في الرُّخصِ، نَعمْ تَأخيرُه إلى هذا الحَدِّ عُذرٌ جاءَ من قِبَلِ غيرِ صاحِبِ الحَقِّ، فيَنبَغي أنْ يُقالَ: يَتيممُ ويُصلِّي ثم يُعيدُ الوُضوءَ، كمَن عجَزَ بعُذرٍ من قِبَلِ العِبادِ، وقد نقَلَ الزاهِديُّ في شَرحِه هذا الحُكمَ عن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ.
وقد ذكَرَ ابنُ خِلِّكانَ أنَّه كانَ حَنفيَّ المَذهبِ، وكذا ذكَرَه في الجَواهرِ المُضيئةِ في طَبقاتِ الحَنفيةِ.
قالَ ابنُ عابِدينَ: وهذا قَولٌ مُتوسطٌ بينَ القَولَينِ، وفيه الخُروجُ عن العُهدةِ بيَقينٍ، لذا أقَرَّه الشارِحُ، ثم رأيتُه مَنقولًا في التاتَرخانيةِ عن أبي نَصرِ ابنِ سَلامٍ، وهو من كِبارِ أئِمةِ الحَنفيةِ قَطعًا، فيَنبَغي العَملُ به احتِياطًا ولا سيَّما أنَّ كَلامَ ابنِ الهُمامِ يَميلُ إلى تَرجيحِ قَولِ زُفرَ كما علِمتُه، بل قد علِمتُ من كَلامِ «القُنية» أنَّه رِوايةٌ عن مَشايخِنا الثَّلاثةِ، ونَظيرُ هذا مَسألةُ الضَّيفِ الذي خافَ رِيبةً؛ فإنَّهم قالوا: يُصلِّي ثم يُعيدُ، واللهُ تَعالى أعلَمُ (١).
(١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٤١٣، ٤١٤)، و «البحر الرائق» (١/ ١٤٧)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ١٧، ١٨)، و «الأوسط» (٢/ ٣٠، ٣١)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٤٦٩)، و «المغني» (١/ ٣٤٣)، و «كفاية الأخيار» ص (٩٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطهارة
فصل في كيفية التيمم
رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ» ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الْكُلِّ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَفِيهِ تَعَارُضٌ، لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «يَكْفِيك ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ» ، وَالْمُتَعَارِضُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً.
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ فَذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ التَّيَمُّمِ فَقَالَ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، فَقُلْت لَهُ: كَيْفَ هُوَ؟ فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا، وَأَدْبَرَ، ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَ كَفَّيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ ثَانِيًا فَأَقْبَلَ بِهِمَا، وَأَدْبَرَ، ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِذَلِكَ ظَاهِرَ الذِّرَاعَيْنِ، وَبَاطِنَهُمَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب جامع التيمم والعذر فيه)
(باب جامع التيمم والعذر فيه)
(قال الشافعي) : " وَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَتَيَمَّمَ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ وقت الصلاة وإعواز الماء بعد طلبه وللمسافر أن يتيمم " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا الْبَابِ بَيَانُ شُرُوطِ التَّيَمُّمِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِلَّا مَعَهَا فَالْبَابُ الْأَوَّلُ بَيَانُ فَرْضِ التَّيَمُّمِ الَّتِي لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهَا. فَأَمَّا شُرُوطُ التَّيَمُّمِ فَقَدْ أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَالَيْنِ هُمَا: السَّفَرُ وَالْمَرَضُ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) {المائدة: ٦) إِلَى قَوْلِهِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} فَأَمَّا السَّفَرُ فَلِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ فِيهِ شَرْطَانِ:
أَحَدُهُمَا: دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَتَيَمَّمَ لَهَا.
وَالثَّانِي: عَدَمُ الْمَاءِ بَعْدَ طَلَبِهِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب التيمم
بابُ التَّيّمُّمِ
التَّيَمُّمُ في اللُّغَةِ: القَصْدُ. قالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} . وقال امْرُؤُ القَيْسِ :
تَيَمَّمْتُ لِلْعَيْنِ الَّتِى عِنْدَ ضَارِجٍ ... يَفِىءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِى
وقولُ اللهِ تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} . أي: اقْصِدُوهُ. ثم نُقِلَ في عُرْفِ الفقهاءِ إلى مَسْحِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ بشيءٍ مِن الصَّعِيدِ. وهو جائِزٌ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعُ، أمَّا الكِتابُ، فَقَوْلُه تَعالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} . وأمَّا السُّنَّةُ، فحَديثُ عَمَّارٍ وغَيْرِه ، وأمَّا الإِجْمَاعُ، فأَجْمَعَت الأُمَّةُ على جَوازِ التَّيَمُّمِ في الجملةِ.
٦٣ - مسألة؛ قال أبو القاسم : (ويَتَيَمَّمُ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ وطَوِيلِهِ) .
طَوِيلُ السَّفَرِ: مَا يُبِيحُ القَصْرَ والفِطْرَ، وقَصِيرُه: ما دُونَ ذَلكَ، مِمَّا يَقَعُ عَلَيْه اسْمُ سَفَرٍ، مِثْلَ أن يَكُونَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ أو مُتَبَاعِدَتَيْنِ. قال القاضِى: لو خَرَجَ إلَى ضَيْعَةٍ لَهُ، ففَارَقَ البُنْيانَ والمَنَازِلَ، ولَوْ بخَمْسِينَ خُطْوَةً جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ،
ارجع إلى التيمم للاطلاع على جميع المسائل.