الحالة الثانية: أن يقر لوارث في مرض الموت

الإسلام > القضاء والشهادة > أركان الإقرار > الحالة الثانية: أن يقر لوارث في مرض الموت

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن يقر لوارث في مرض الموت - الأقوال والأدلة

وقالَ أَبو الخَطّابِ: لا يُحاصُّ غُرَماءُ الصِّحةِ، وقالَ القاضِي: هو قِياسُ المَذهبِ لنَصِّ أَحمدَ في المُفلِسِ أنَّه إذا أقَرَّ وعليه دَينٌ ببَيِّنةٍ يَبدَأُ بالدَّينِ الذي بالبَيِّنةِ، وبهذا قالَ النَّخَعيُّ والثَّوريُّ وأَصحابُ الرَّأيِ؛ لأنَّه أقَرَّ بَعدَ تَعلُّقِ الحَقِّ بتَرِكَتِه، فوَجَبَ ألَّا يُشارِكَ المُقِرَّ له مَنْ ثبَتَ دَينُه ببَيِّنةٍ كغَريمِ المُفلِسِ الذي أقَرَّ له بَعدَ الحَجرِ عليه، والدَّليلُ على تَعلُّقِ الحَقِّ بمالِه مَنعُه مِنْ التَّبَرُّعِ ومِن الإِقرارِ لوارِثٍ، ولأنَّه مَحجورٌ عليه، ولهذا لا تَنفُذُ هِباتُه وتبَرُّعاتُه فلم يُشارِكْ مَنْ أقَرَّ له قبلَ الحَجرِ، ومَن ثبَتَ دَينُه ببَيِّنةٍ كالَّذي أقَرَّ له المُفلِسُ، وإن أقَرَّ لهما جَميعًا في المَرضِ تَساوَيا ولم يُقدَّمِ السّابِقُ منهما لأنَّهما استَوَيا في الحالِ فأشبَها غَريمَيِ الصِّحةِ (١).

إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: يَجوزُ الإِقرارُ لأجنَبيٍّ إلا إذا كانَ الإِقرارُ لصَديقٍ مُلاطِفٍ، فلا يَصحُّ الإِقرارُ لقيامِ قَرينةٍ في قَصدِه نَفعَهم أو اتِّصالِ ذلك لبَعضِ وَرثتِه على يَدِ صَديقِه (٢).

الحالةُ الثانيةُ: أنْ يُقرَّ لوارِثٍ في مَرضِ المَوتِ:

اختَلفَ العُلَماءُ في إِقرارِ المَريضِ مَرضَ المَوتِ لوارِثٍ هل هو باطِلٌ سَدًّا للذَّريعةِ ورَدًّا للإِقرارِ الذي صادَفَ حَقَّ الوَرَثةِ فيما هو مُتَّهمٌ فيه؛ لأنَّه شَهادةٌ على نَفسِه فيما تَعلَّقَ به حَقُّهم فيُرَدُّ للتُّهمةِ كالشَّهادةِ على غَيرِه أو هو مَقبولٌ ويَصِحُّ إِحسانًا للظَّنِّ بالمُقِرِّ ولا سيَّما عندَ الخاتِمةِ؟

(١) «المغني» (٥/ ١٢٣، ١٢٤)، وينظر: «تبيين الحقائق» (٥/ ٢٣، ٢٤)، و «العناية» (١٢/ ٢٨).
(٢) «تبصرة الحكام» (٢/ ١٠٦).

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُقبَلُ إِقرارُه للوارِثِ إلا أنْ يُجيزَه باقي الوَرثةِ لما رُويَ عن سَيِّدِنا عُمَرَ وابنِه سَيِّدِنا عَبدِ اللهِ رضي الله عنهما أنَّهما قالا: «إذا أقَرَّ المَريضُ لوارِثِه لم يَجُزْ، وإذا أقَرَّ لأجنَبيٍّ جازَ» ولم يُروَ عن غَيرِهما خِلافُ ذلك، فيَكونُ إِجماعًا ولِأنَّه مُتَّهَمٌ في هذا الإِقرارِ لجَوازِ أنَّه آثَرَ بعضَ الوَرثةِ على بَعضٍ بمَيلِ الطَّبعِ أو بقَضاءِ حَقٍّ مُوجِبٍ للبَعثِ على الإِحسانِ، وهو لا يَملِكُ ذلك بطَريقِ التَّبَرُّعِ والوَصيةِ به فأرادَ تَنفيذَ غَرضِه بصورةِ الإِقرارِ مِنْ غيرِ أنْ يَكونَ للوارِثِ عليه دَينٌ، فكانَ مُتَّهمًا في إِقرارِه فيُرَدُّ، ولأنَّه لمَّا مرِضَ مَرضَ المَوتِ تَعلَّقَ حَقُّ الوَرثةِ بمالِه، ولِهذا لا يَملِكُ أن يَتبَرَّعَ عليه بشَيءٍ مِنْ الثُّلثِ مع ما أنَّه خالِصُ مِلكِه، لا حَقَّ لأجنَبيٍّ فيه، فكانَ إِقرارُه لبَعضِهم إِبطالًا لحَقِّ الباقينَ، فلا يَصحُّ في حَقِّهم، ولأنَّ الوَصيةَ لم تَجُزْ لوارِثٍ، فالإِقرارُ أوْلَى لأنَّه لو جازَ الإِقرارُ لارتَفَعَ بُطلانُ الوَصيةِ؛ لأنَّه يَميلُ إلى الإِقرارِ اختِيارًا للإيثارِ، بل هو أوْلَى مِنْ الوَصيةِ؛ لأنَّه لا يَذهَبُ بالوَصيةِ إلا الثُّلثُ، وبالإِقرارِ يَذهَبُ جَميعُ المالِ فكانَ إِبطالُ الإِقرارِ إِبطالَ الوَصيةِ بالطَّريقِ الأوْلَى (١).

(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٤/ ٢١٠)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٢٤) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٠٨، ٣٠٩)، و «الدر المختار» (٥/ ٦١٠)، و «المدونة الكبرى» (١٣/ ٢١٣)، و «تهذيب المدونة» (٢/ ٢٢٢)، و «رسالة القيرواني» ص (١٣٧)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٨/ ١٥٧)، و «الكافي» ص (٤٥٧)، و «المغني» (٥/ ١٢٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ٥٧٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٧٢١)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٣٢).

إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: ويَجوزُ إِقرارُ المَريضِ بقَبضِ الدَّينِ، إلا مِنْ وارِثٍ أو مِمَّنْ يُتَّهَمُ بالتَّأليجِ إليه، وكذلك لا يَجوزُ إِقرارُ الزَّوجةِ بقَبضِ المَهرِ المُؤجَّلِ مِنْ زَوجِها في مَرضِها، ولا يَجوزُ إِقرارُ المَريضِ لبَعضِ وَرَثَتِه بدَينٍ، وأمَّا إنْ أقَرَّ لزَوجَتِه في مَرَضِه بدَينٍ أو مَهرٍ، فإنْ لم يُعرَفْ منه إليها انقِطاعٌ وناحيةُ مُحاباةٍ، وله وَلدٌ مِنْ غَيرِها، فذلك جائِزٌ، وإنْ عُرفَ بانقِطاعٍ إليها ومَوَدةٍ، وقد كانَ بينَه وبينَ وَلَدِه مِنْ غَيرِها تَفاقُمٌ -ولَعلَّ لها منه وَلدًا صَغيرًا- فلا يَجوزُ إِقرارُه، قيلَ: أفغَيرُها مِنْ الوَرثةِ بهذه المَنزِلةِ فيمن له منه انقِطاعٌ أو بُعدٌ؟ قالَ: لا، وإنَّما رَأى ذلك مالِكٌ للزَّوجةِ؛ لأنَّه لا يُتَّهمُ إذا لم يَكنْ له وَلدٌ منها، ولا يُعرَفُ بانقِطاعِ مَودةٍ إليها، أنْ يَفِرَّ إليها بمالِه عن وَلدِه، فأمَّا إنْ كانَ وَرثَتُه إخوَتَه أو بَنيه فلا يَجوزُ إِقرارُه لبَعضِهم.

ولو تَرَكَ ابنةً وعَصَبةً يَرِثونَه لقَرابةٍ أو وَلاءٍ، فأقَرَّ لهم بمالٍ فذلك جائِزٌ، ولا يُتَّهمُ أنْ يَفِرَّ إلى العَصَبةِ [بمالِه] دونَ الابنةِ، وأصلُ هذا قِيامُ التُّهمةِ.

فإذا لم يُتَّهَمْ بمَن يَفِرُّ إليه دونَ مَنْ يَرثُ معَه، جازَ إِقرارُه، فهَذا أصلُ ذلك.

جاءَ في «المُدَوَّنة الكُبرى» في إِقرارِ المَريضِ لوارِثٍ بدَينٍ: قُلتُ: أرَأيتَ إنْ أقَرَّ لوارِثٍ بدَينٍ في مَرضِه الذي ماتَ فيه أيَجوزُ ذلك في قَولِ مالِكٍ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا يَجوزُ ذلك إلا ببَيِّنةٍ. قالَ: فقيلَ له: فالرَّجلُ يُقِرُّ لامرَأتِه في مَرضِه بالمَهرِ يَكونُ عليه أو بالدَّينِ. قالَ: يُنظَرُ في ذلك، فإنْ كان لا يُعرَفُ منها إليه ناحيةٌ ولا انقِطاعٌ وله وَلَدٌ مِنْ غَيرِها جازَ ذلك، وإنْ كانَ يُعرَفُ مِنه انقِطاعٌ إليها ومَودةٌ وقد كانَ الذي بينَه وبينَ وَلَدِه مُتَفاقِمًا، ولَعلَّ لها الوَلدَ

الصَّغيرَ. قالَ مالِكٌ: فلا أَرى أنْ يَجوزَ ذلك. قُلتُ: أرَأيتَ الوَرثةَ، أهُم بهذه المَنزلةِ على ما وَصَفتَ لي مِنْ أمرِ المَرأةِ يَكونُ بَعضُهم له إليه الانقِطاعُ والمَوَدةُ وآخَرُ قد كانَ يُعرَفُ مِنه إليه البَغضاءُ، أيَكونونَ بحالِ ما وَصَفتَ لي في المَرأةِ؟ قالَ: لم أسمَعْ مِنْ مالِكٍ فيه شَيئًا، وأَرى أنْ يَجوزَ ذلك، وإنَّما رَأى ذلك مالِكٌ في المَرأةِ وقالَ: لا يُتَّهمُ إذا لم يَكنْ له منها وَلدٌ ولا ناحيةُ مَودةٍ يُعرَفُ أنَّه يُقِرُّ بمالِه مِنْ وَلدِه إلى غَيرِهم، فأمَّا الوَلَدُ أو الإخوةُ كُلُّهم إذا كانوا هُمْ وَرَثَتَه فلا أرى ذلك، ولو كانَ يَترُكُ ابنَتَه ويَترُكُ عَصَبةً يَرثونَه بوَلاءٍ أو قَرابةٍ يُلقونَه فأقَرَّ لهم بمالٍ لم يُتَّهَمْ أنْ يُقِرَّ إلى العَصَبةِ دونَ ابنَتِه ويَترُكَ عَصَبةً يَرثونَه بوَلاءٍ أو قَرابةٍ. قالَ ابنُ القاسِمِ: وأصلُ ما سَمِعتُ مِنْ مالِكِ بنِ أنَسٍ إنَّما يُريدُ بذلك التُّهمةَ فإذا لم تَقعِ التُّهمةُ لقَرارٍ يُقِرُّ به إليه دونَ مَنْ يَرِثُه معَه لم يُتَّهمْ وجازَ فهذا يَجزيك مِنْ ذلك كُلِّه (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ إِقرارُ المَريضِ مَرضَ المَوتِ لوارِثٍ لأنَّ كلَّ مَنْ صحَّ إِقرارُه لغَيرِ الوارِثِ صحَّ إِقرارُه للوارِثِ كالصَّحيحِ طَردًا والسَّفيهِ عَكسًا، ولأنَّ كلَّ مَنْ صحَّ إِقرارُه في الصِّحةِ صحَّ إِقرارُه في المَرضِ كالمُقِرِّ لغَيرِ الوارِثِ، ولأنَّ كُلَّ مَنْ صحَّ إِقرارُه بالوارِثِ صحَّ إِقرارُه للوارِثِ كالمُقِرِّ بمَهرِ الزَّوجيةِ، ولأنَّ إِقرارَ المَريضِ بوارِثٍ أعَمُّ مِنْ إِقرارِه للوارِثِ؛ لأنَّ إِقرارَه بالوارِثِ يَتَضمَّنُ نَسَبًا ووِلايةً ومالًا، فكانَ إِقرارُه بمالٍ للوارِثِ أحَقَّ بالجَوازِ مِنْ إِقرارِه بوارِثٍ.

(١) «المدونة الكبرى» (١٣/ ٢١٣)، و «تهذيب المدونة» (٢/ ٢٢٢)، و «رسالة القيرواني» ص (١٣٧)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٨/ ١٥٧)، و «الكافي» ص (٤٥٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٧٣ - مسألة؛ قال: (ويعدل بين الخصمين فى الدخول عليه، والمجلس، والخطاب)

هذا يَفْعلُه لنَفْعِ نفسِه بتَحْصِيلِ الأجرِ، والقُرْبةِ له، والولائمُ يُراعَى فيها حقُّ الدَّاعِى، فيَنْكَسِرُ قلبُ مَن لم يُجِبْه إذا أجابَ غيرَه.

١٨٧٣ - مسألة؛ قال: (وَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِى الدُّخُولِ عَلَيْهِ، والْمَجْلِسِ، وَالْخِطَابِ)

وجملتُه، أنَّ على القاضى العدلَ بين الخَصْمَيْنِ في كلِّ شىءٍ، مِن المَجْلسِ، والخِطابِ، واللَّحْظِ واللَّفظِ ، والدُّخولِ عليه، والإِنْصاتِ إليهما، والاسْتِماعِ منهما. وهذا قولُ شُرَيْحٍ، وأبى حنيفةَ، والشَّافعيِّ. ولا أعلمُ فيه مُخالِفًا. وقد رَوَى عمرُ ابنُ شَبَّةَ، في كتابِ "قُضاةِ البصرةِ" ، بإسْنادِه عن أُمِّ سلَمةَ، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "مَنْ بُلِىَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِى لَفْظِهِ، وَإشَارَتِهِ ، وَمَقْعَدِهِ، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَه عَلَى أَحَدِ الخَصْمَيْنِ مَا لَا يَرْفَعُهُ عَلَى الْآخَرِ" . وفى روايةٍ: "فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ؛ فِى النَّظَرِ، وَالْمَجْلِسِ، وَالإِشَارَةِ" . وكتبَ عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، إلى أبي موسى : سَوِّ بينَ الناسِ في مجلِسِك وعدْلِك، حتى لا يَيْأسَ الضَّعِيفُ من عَدْلِك، ولا يَطْمَعَ شريفٌ في حَيْفِك . وقال سَعيدٌ، ثنا هُشَيمٌ، ثنا سَيَّارٌ ، ثنا الشَّعْبِيُّ، قال: كان بين عمرَ بنِ الخطَّابِ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ بِدَارٌ في شىءٍ، فجَعلا بينهما زيدَ بنَ ثابتٍ، فأتَياهُ في منزلِه، فقال له عمرُ: أتَيْناكَ لتَحْكُمَ بينَنا، في بَيْتِهِ يُؤْتَى الحَكَمُ . فوسَّعَ له زيدٌ عن

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 238 - 241

ارجع إلى أركان الإقرار للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده