الإسلام > القضاء والشهادة > الزوجان إذا اختلفا في متاع البيت > المسالة الثالثة: ترجيح إحدى البينتين بزيادة العدالة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالمَسالةُ الثالِثةُ: تَرجيحُ إِحدى البيِّنتَينِ بزِيادةِ العَدالةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً عادِلةً إلا أنَّ بيِّنةَ أحَدِهما أعلَمُ وأعَفُّ وأشهَرُ في العَدالةِ، هل تُقدَّمُ على بيِّنةِ الآخَرِ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيُّ في قَولٍ إلى أنَّه إذا أقامَ بيِّنةً أنَّه مِلكُه وأقامَ الآخَرُ بيِّنةً أنَّه مِلكُه، وزادَت إِحداهما في العَدالةِ على الأُخرى؛ فإنَّها تُقدَّمُ على غَيرِها.
والفَرقُ بينَ زِيادةِ العَدالةِ فتُرجَّحُ، وبينَ زِيادةِ العَددِ فلا تُرجَّحُ أنَّ المَقصودَ من القَضاءِ قَطعُ النِّزاعِ، ومَزيدُ العَدالةِ أَقوى في التَّعذُّرِ من زِيادةِ العَددِ؛ إذْ كلُّ واحِدٍ من الخَصمَينِ يُمكِنُه زِيادةُ العَددِ في الشُّهودِ بخِلافِ العَدالةِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ -وهو مَذهبُ «المُدوَّنة» - والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ البَيِّنةَ التي فيها زِيادةُ العَدالةِ لا تُقدَّمُ ولا تُرجَّحُ على بيِّنةِ الآخَرِ فيما تَعارَضَتا فيه؛ لأنَّهما مُتساوِيتانِ في العَدالةِ المُعتبَرةِ فكانَتا مُتعارِضتَينِ كما لو استَوَيا في العَدالةِ.
إلا أنَّ الحَنفيةَ قالوا: الشَّهادةُ العادِلةُ تَترجَّحُ على المَستورةِ بالعَدالةِ؛ لأنَّها صِفةُ الشَّهادةِ (١).
إذا تَداعَيا جِدارًا بَينَ دارَيهما:
إذا تَنازَعَ رَجلانِ في جِدارٍ بينَ دارَيهما؛ فإنْ كانَ لأحَدِهما بيِّنةٌ دونَ الآخَرِ قُضيَ لصاحِبِ البَيِّنةِ، وإنْ لم يَكنْ لأحَدِهما بيِّنةٌ اختَلفَ الفُقهاءُ فيه.
(١) المصادر السابقة.
فقالَ المالِكيةُ: إذا كانَ جِدارٌ بينَ دارَينِ لرَجلَينِ وتَنازَعا في مِلكِه يُحكَمُ به لمَن يَشهَدُ العُرفُ بأنَّه له، بأنْ كانَ له تأثيرٌ يَشهَدُ العُرفُ بأنَّه يَفعَلُه المالِكُ حُكمَ له به، وذلك كتَعاقُدِ القُمُطِ والرُّبُطِ ووُجوهِ الآجُرِّ وغَيرِ ذلك، فالقُمُطُ هي ما تُشَدُّ بها الحِيطانُ من الجِصِّ وشِبهِه، والعُقودُ هي الخُشُبُ التي تُجعَلُ في أركانِ الحِيطانِ لتَشُدَّها؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
ورُويَ عن جاريةَ بنِ ظُفرٍ أنَّ أخَوَينِ كانَ بينَهما حِظارٌ وَسطَ دارٍ فماتا وتَرَك كلُّ واحِدٍ منهما عَقِبًا فادَّعى عَقِبُ كلِّ واحِدٍ منهما أنَّ الحِظارَ له دونَ صاحِبِه فاختَصَما إلى النَّبيِّ ﷺ فأرسَلَ معهما حُذيفةَ بنِ اليَمانِ فقَضى بالحِظارِ لمَن وَجَدَ مَعاقِدَ القُمُطِ تَليه ثم رجَعَ إلى النَّبيِّ ﷺ فأخبَرَه بذلك فقالَ: «أصَبتَ» أو «أحسَنتَ» (١). ولأنَّ العُرفَ والعادةَ أَصلانِ يُرجَعُ إليها في التَّنازُعِ إذا لم يَكنْ أصلٌ يُرجَعُ إليه سِواهما، كالنَّقدِ والسَّيرِ والحَمولةِ، فكذلك في مَسألَتِنا إذا كانَ العُرفُ جاريًا بأنَّ هذه الأَشياءَ يَفعَلُها المالِكُ في مِلكِه حُكمَ به لمَن يَشهَدُ له العُرفُ؛ فإنْ لم يَشهَدِ العُرفُ لأحَدِهما حُكِمَ بأَحكامِ التَّداعي (٢).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّه لا تُرجَّحُ الدَّعوى لمَن يَكونُ الدَّواخِلُ له.
(١) ضعيفٌ جدًّا: رواه ابن ماجه (٢٣٤٣)، والطبراني في «الكبير» (٢٠٨٨)، والدارقطني (٤٥٤٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١١١٥٠)، وقالَ: تَفرَّدَ بهذا الحديثِ دهثمُ بنُ قران اليمامِيُّ وهو ضَعيفٍ واختَلفوا عليه في إِسنادِه فرُويَ هكذا ورُويَ من وَجهَينِ آخرَينِ.
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٨، ٤٩)، رقم (٩٠٩)، و «القوانين الفقهية» ص (٢٢٣).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا تُرجَّحُ الدَّعوَى بكَونِ الدَّواخِلِ إلى أحَدِهما والخَوارِجِ ووُجوهِ الآجُرِّ والحِجارةِ، ولا بكَونِ الآجُرَّةِ الصَّحيحةِ ممَّا يَلي مِلكَ أحَدِهما، وأَقطاعِ الآجُرِّ إلى مِلكِ الآخَرِ، ولا بمَعاقِدِ القُمُطِ في الخُصِّ، يَعني عَقدَ الخُيوطِ التي يُشَدُّ بها الخُصُّ، وبهذا قالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ.
وقالَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ: يُحكَمُ به لمَن إليه وَجهُ الحائِطِ ومَعاقِدُ القُمُطِ لمَا رَوى نَمرُ بنُ حارِثةَ التَّميميُّ عن أَبيه «أنَّ قَومًا اختَصَموا إلى النَّبيِّ ﷺ في خُصٍّ فبعَثَ حُذيفةَ بنَ اليَمانِ ليَحكُمَ بينَهم، فحكَمَ به لمَن يَليه مَعاقِدُ القُمُطِ، ثم رجَعَ إلى النَّبيِّ ﷺ فأخبَرَه فقالَ: «أصَبتَ وأحسَنتَ» (١) رَواه ابنُ ماجَه، ورُويَ نَحوُه عن علِيٍّ ولأنَّ العُرفَ جارٍ بأنَّ مَنْ بَنى حائِطًا جُعِلَ وَجهُ الحائِطِ إليه.
ولنا: عُمومُ قَولِه عليه السلام: «البَيِّنةُ على المُدَّعي واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ»، ولأنَّ وَجهَ الحائِطِ ومَعاقِدَ القُمُطِ إذا كانا شَريكَينِ فيه لا بدَّ من أنْ يَكونَ إلى أحَدِهما؛ إذْ لا يُمكِنُ كَونُه إليهما جَميعًا فبطَلَت دِلالَتُه كالتَّزويقِ، ولأنَّه يُرادُ للزِّينةِ فأشبَهَ التَّزويقَ، وحَديثُهم لا يُثبِتُه أهلُ النَّقلِ، وإِسنادُه مَجهولٌ، قالَه ابنُ المُنذِرِ، قالَ الشالَنجيُّ: ذكَرتُ هذا الحَديثَ لأحمدَ فلم يُقنِعْه، وذكَرتُه لإِسحاقَ بنِ راهَويهِ فقالَ: ليسَ هذا حَديثًا، ولم يُصحِّحْه، وحَديثُ علِيٍّ فيه مَقالٌ، وما ذكَروه من العُرفِ ليسَ بصَحيحٍ؛ فإنَّ العادةَ
(١) ضعيفٌ جدًّا: تَقدَّمَ تَخريجُه.
ارجع إلى الزوجان إذا اختلفا في متاع البيت للاطلاع على جميع المسائل.