بم يرجع الكفيل؟

الإسلام > المعاملات المالية > آثار الكفالة حق المكفول له في المطالبة > بم يرجع الكفيل؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

بم يرجع الكفيل؟ - الأقوال والأدلة

ثم قال: ولَنا أنَّه دَينٌ مُؤجَّلٌ، فلا تَجوزُ مُطالبتُه به قبلَ الأجَلِ، كما لو لَم يَمُتْ (١).

بمَ يَرجعُ الكَفيلُ؟

بعدَ أنْ تَكلَّمنا عن رُجوعِ الكَفيلِ على المَكفولِ عنه، يَبقى الكَلامُ على الذي يَرجعُ به الكَفيلُ:

إذا أدَّى الكَفيلُ الدَّينَ أو جُزءًا منه رجَع بما أدَّى، وإذا أدَّى أكثَرَ منه لَم يَرجعْ إلا بقَدْرِ التِزامِ المَكفولِ عنه فَقطْ، والزِّيادةُ تُعتبَرُ تَبرُّعًا منه لِلمَكفولِ له؛ لأنَّها لَم تَكُنْ واجِبةً على المَكفولِ عنه.

وإذا أعطى الكَفيلُ المَكفولَ له صِنفًا آخَرَ مِنَ المالِ غَيرَ الدَّينِ؛ فإنْ كانتْ قيمَتُه أكثَرَ مِنَ الدَّينِ لَم يَرجعْ إلا بالدَّينِ، وإنْ كانتْ أقلَّ رجَع بالأقَلِّ، خِلافًا لِلإمامِ الكاسانيِّ، إلا أنْ يَكونَ المَكفولُ له تَبرَّع له بالزِّيادةِ، وإذا صالَح المَكفولُ له الكَفيلَ على جُزءٍ مِنَ الدَّينِ رجَع الكَفيلُ بالجُزءِ الذي أداه، وطالَب الدائنُ المَدينَ ببَقيَّةِ الدَّينِ، فإنْ كان المَكفولُ له تَنازَل لِلكَفيلِ عن البَقيَّةِ أو عن الدَّينِ كلِّه، ووَهَبه إيَّاه، أصبَح الدَّينُ لِلكَفيلِ، يَطلبُه مِنَ المَكفولِ عنه، ويَسقطُ حَقُّ المَكفولِ له، ومِثلُ الهِبةِ الصَّدقةُ (٢).

جاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: قُلتُ: أرأيتَ إنْ تَكفَّلتُ بألْفِ دينارٍ هاشِميَّةٍ، ورَضيَ صاحِبُ الحَقِّ بألْفِ دينارٍ دِمشقيَّةٍ، فقضَيتُه ذلك، بمَ أرجعُ

(١) «المغني» (٦/ ٣٢٦).
(٢) يُنظر: «الفروق» (٢/ ٤٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٦٧)، و «المغني» (٦/ ٣٣٣).

على صاحِبي الذي لي عليه الأصلُ؟ قال: تَرجعُ عليه بألْفِ دينارٍ دِمشقيَّةٍ؛ لأنَّك كذلك أدَّيتَ (١).

وقال الإمامُ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: لو كان الدَّينُ جِيادًا فأدَّى زُيوفًا رجَع بالزُّيوفِ، ولو كان زُيوفًا فأدَّى جِيادًا رجَع بالزُّيوفِ أيضًا.

ثم قال: وإذا وهَب الطالِبُ الدَّينَ لِلكَفيلِ أو تَصدَّق به عليه فإنَّه يَملِكُه ويُطالِبُ به المَكفولَ بعَينِه (٢).

وخالَف كَلامَ ابنِ الهُمامِ هذا الإمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه حيث قال: إنَّ الكَفيلَ يَرجعُ بما كفَل، لا بما أداه، حتى لو كفَل عن رَجلٍ بدَراهِمَ صِحاحٍ جِيادٍ، فأعطاه مُكسَّرةً أو زُيوفًا، وتَجوَّز به المُطالبةَ، يَرجعُ عليه بالصِّحاحِ الجِيادِ؛ لأنَّه بالأداءِ ملَك ما في ذِمَّةِ الأصيلِ، فيَرجعُ بالمُؤدَّى، وهو الصِّحاحُ الجِيادُ (٣).

وجاء ما يُوافقُ كَلامَ الكاسانيِّ في «مَجمَعِ الضَّماناتِ» لِلبَغداديِّ، حيث قال: قال في «الوَجيزِ»: لو أدَّى الكَفيلُ الزُّيوفَ وقد كفَل بالجِيادِ، أو الدَّنانيرَ مَكانَ الدَّراهِمِ، أو صالَح على مَكيلٍ أو مَوزونٍ، رجَع بما كفَل. انتهى (٤).

وقال أيضًا: «إذا كفَل عن رَجلٍ بدارهِمَ صِحاحٍ جِيادٍ، فأعطاه مُكسَّرةً أو

(١) «المدونة» (٥/ ٢٦٩)، ويُنظر: «التاج والإكليل» (٥/ ١٠٤)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٢٦٧).
(٢) «شرح فتح القدير» (٧/ ١٩٠).
(٣) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٨٨).
(٤) «مجمع الضمانات» (٥٩٥).

زُيوفًا تَجوَّز بها، رجَع على الأصيلِ بمِثلِ ما ضمِن، لا بمِثلِ ما أدَّى. وليس هذا كالمأمورِ بأداءِ الدَّينِ» (١).

وقال الإمامُ الكَرابيسيُّ رحمة الله عليه: وإذا وهَب الطالِبُ المالَ لِلكَفيلِ فقَبِلَه، رجَع به الكَفيلُ على الذي عليه الأصلُ، وكذلك المُحتالُ عليه، ولو أبرأه لَم يَرجعْ به عليه.

والفَرقُ أنَّ الهِبةَ عَقدُ تَمليكٍ، بدَليلِ أنَّه لو صادَف عَينًا لِمِلكٍ أفادَ المِلكَ، فقد مَلَّكَه ما في ذِمَّتِه بالهِبةِ، فصارَ كما لو ملَكَه بالأداءِ، ولو ملَكَه بالأداءِ لَرجَع على صاحِبِ الأصلِ، كذلك هذا.

وليس كذلك الإبراءُ؛ لأنَّه ليس بتَمليكٍ، وإنَّما هو إسقاطٌ لِلحَقِّ، بدَليلِ أنَّه لو صادَف عَينًا لا يُفيدُ المِلكَ، فصارَ فَسخًا لِلكَفالةِ وإسقاطًا لَها، فكأنَّها لَم تَكُنْ، ولو لَم تَكُنْ لَم يَرجِعْ عليه بشَيءٍ، كذلك هذا (٢).

وقال الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: فَرعٌ في كَيفيَّةِ الرُّجوعِ: فإنْ كان ما دفَعه رَبُّ الدَّينِ مِنْ جِنسِ الدَّينِ وعلى صِفتِه رجَع به … وإذا صالَح على غَيرِ الجِنسِ … يُنظَرُ؛ فإنْ كانت قيمةُ المُصالَحِ عليه أكثَرَ مِنْ قَدْرِ الدَّينِ لَم يَرجعْ بالزِّيادةِ، وإنْ لَم تَكُنْ أكثَرَ، كمَن صالَح عن ألْفٍ بعَبدٍ يُساوي تِسعَمِئةٍ، فوَجهانِ، وقيلَ: قَولانِ: أصَحُّهما: يَرجِعُ بالتِّسعِمِئةِ، والثاني: يَرجعُ بالألْفِ؛ فإنْ باعَه العَبدُ بألْفٍ، ثم تَقاصَّ، رجَع بالألْفِ بلا خِلافٍ، أمَّا إذا

(١) المصدر السابق (٦١٠).
(٢) «الفروق» (٢/ ٢٤٦) للإمام محمد بن الحسن الكرابيسي الحنفي. ويُنظر: «المبسوط» (٢٠/ ٩٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الكفالة
فصل في بيان ما يخرج به الكفيل عن الكفالة

لَا يَتَضَمَّنُ مِلْكَ الْمَضْمُونِ فَهُوَ الْفَرْقُ.

وَكَذَا فَرَّقُوا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ حَتَّى يَثْبُتَ لِلشَّرِيكِ السَّاكِتِ اخْتِيَارَ تَضْمِينِ الْمُعْتِقِ وَاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ فَاخْتِيَارُ أَحَدِهِمَا يُبْطِلُ اخْتِيَارَ الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَارَ الضَّمَانَ صَارَ نَصِيبُهُ مَنْقُولًا إلَى الْمُعْتَقِ عِنْدَ اخْتِيَارِهِ لِأَنَّ الْمَضْمُونَاتِ تُمَلَّكُ عِنْدَ اخْتِيَارِ الضَّمَانِ فَلَوْ اخْتَارَ الِاسْتِسْعَاءَ يَسْعَى وَهُوَ رَقِيقٌ وَإِنَّمَا يُعْتَقُ كُلُّهُ بِأَدَاءِ السِّعَايَةِ وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ وَلَا تَنَافٍ هَهُنَا لِأَنَّ الطَّالِبَ لَا يَمْلِكُ الْمَضْمُونَ بِاخْتِيَارِ الْمُطَالَبَةِ فَيَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْآخَرِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 207 - 209

ارجع إلى آثار الكفالة: حق المكفول له في المطالبة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر