الإسلام > المعاملات المالية > آثار الكفالة حق المكفول له في المطالبة > متى يرجع الكفيل؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةبدَينِ المَضمونِ عنه، ولَم يُصَلِّ عليه النَّبيُّ ﷺ، ولأنَّه تَبرُّعٌ بذلك، أشبَهَ ما لو علَف دوابَّه وأطعَمَ عَبيدَه بغَيرِ أمرِه (١).
القَولُ الآخَرُ: أنَّه يَرجعُ، وهو قَولُ مالِكٍ والرِّوايةُ الأُخرى عن الإمامِ أحمدَ (٢).
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لأنَّه قَضاءٌ مُبرِئٌ مِنْ دَينٍ واجِبٍ، فكان مِنْ ضَمانِ مَنْ هو عليه، كالحاكِمِ إذا قَضى عنه عندَ امتِناعِه، فأمَّا علِيٌّ وأبو قَتادةَ فإنَّهما تَبرَّعا بالقَضاءِ والضَّمانِ، فإنَّهما قَضيا دَينَه قَصدًا لِتَبرئةِ ذِمَّتِه، لِيُصلِّيَ عليه النَّبيُّ ﷺ مع عِلمِهما بأنَّه لَم يَترُكْ وَفاءً، والمُتبرِّعُ لا يَرجعُ بشَيءٍ، وإنَّما الخِلافُ في المُحتسَبِ بالرُّجوعِ (٣).
متى يَرجعُ الكَفيلُ؟
إنْ كان الدَّينُ حالًّا فلِلكَفيلِ أنْ يَرجعَ بعدَ الأداءِ؛ فإذا طالَبه المَكفولُ له فله أنْ يُطالِبَ المَدينَ بالأداءِ، ولكنْ ليس له حَقُّ الرُّجوعِ إلا إذا أدَّى هو الدَّينَ، أمَّا إذا كان الدَّينُ مُؤجَّلًا فليس لِلكَفيلِ حَقُّ الرُّجوعِ إلَّا بعدَ حُلولِ الأجَلِ والأداءِ؛ فإذا أدَّى قبلَ الأجَلِ فلا يَرجعُ إلا بعدَ الحُلولِ.
وإذا حلَّ الدَّينُ المُؤجَّلُ على الضامِنِ بمَوتِه، أخْذًا بقَولِ مَنْ رأى أنَّ الأجَلَ يَسقطُ بمَوتِ مَنْ له الأجَلُ، فاستَوفى الغَريمُ الدَّينَ مِنْ تَرِكتِه، فليس لِوَرثتِه مُطالبةُ المَضمونِ عنه حتى يَحِلَّ الأجَلُ عليه.
(١) «المغني» (٦/ ٣٣٣)، و «المجموع» (١٣/ ١٩٦).
(٢) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٨٨)، و «المغني» (٦/ ٣٣٣)، و «الكافي» (٣٩٩).
(٣) «المغني» (٦/ ٣٣٣).
وإذا حلَّ الدَّينُ على المَضمونِ عنه بمَوتِه فليس لِلضامِنِ أنْ يَرجعَ على الوَرثةِ إلا بعدَ الأداءِ (١).
وجاءَ في «الدُّرِّ المُختارِ» لِلحَصكَفيِّ: وإذا حلَّ الدَّينُ المُؤجَّلُ على الكَفيلِ بمَوتِه لا يَحِلُّ على الأصيلِ، فلو أداه وارِثُه لَم يَرجعْ، لو الكَفالةُ بأمرِه، إلا إلى أجَلِه، خِلافًا لِزُفَرَ، كما لا يَحِلُّ المُؤجَّلُ على الكَفيلِ اتِّفاقًا، إذا حلَّ على الأصيلِ به، أي: بمَوتِه.
وعَقَّب الإمامُ ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه على هذا الكَلامِ قائلًا: إذا حلَّ الدَّينُ المُؤجَّلُ … إلخ، أفاد أنَّ الدَّينَ يَحِلُّ بمَوتِ الكَفيلِ، كما صرَّح به في «الغَرَرِ»، و «شَرحِ الوَهبانيةِ» عن المَبسوطِ، وعلَّله في «المِنح عن الولوالجيةِ» بأنَّ الأجَلَ يَسقطُ بمَوتِ مَنْ له الأجَلُ.
وقَولُه: لا يَحِلُّ على الأصيلِ، وكذا إذا عجَّل الكَفيلُ الدَّينَ حالَ حَياتِه، لا يَرجعُ على المَطلوبِ، إلا عندَ حُلولِ الأجلِ عندَ عُلَمائِنا الثلاثةِ (٢).
وجاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: قال سَحنونٌ: قُلتُ لابنِ القاسِمِ: أرأيتَ إنْ تَكفَّلتُ لِرَجلٍ بما له على رَجلٍ إلى أجَلٍ، فمات الكَفيلُ، أو مات المَكفولُ عنه، قال: قال لي مالِكٌ: إذا مات الكَفيلُ قبلَ مَحِلِّ الأجَلِ، كان لِرَبِّ الحَقِّ أنْ يأخُذَ حَقَّه مِنْ مالِ الكَفيلِ، ولا يَكونُ لِوَرثةِ الكَفيلِ أنْ يأخُذوا مِنَ الذي عليه الحَقُّ شَيئًا حتى يَحِلَّ أجَلُ المالِ، قال مالِكٌ: وإنْ
(١) «المغني» (٦/ ٣٢٤/ ٣٢٦).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٣١٩، ٣٢٠)، و «الدر المختار» (٥/ ٣١٩).
ماتَ الذي عليه الحَقُّ قبلَ الأجَلِ كان لِلطالِبِ أنْ يأخُذَ حَقَّه مِنْ مالِه؛ فإنْ لَم يَكُنْ له مالٌ، لَم يَكُنْ له أنْ يأخُذَ بالحَقِّ حتى يَحِلَّ الأجَلُ (١).
وقال الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وإذا تَحمَّل أو تَكفَّل الرَّجلُ عن الرَّجلِ بالدَّينِ، فمات المُحتمِلُ قبلَ أنْ يَحِلَّ الدَّينُ فلِلمُحتمِلِ عنه أنْ يأخُذَه بما حمَل له به؛ فإذا قبَض مالَه بَرئَ الذي عليه الدَّينُ، والحَميلُ، ولَم يَكُنْ لِوَرثةِ الحَميلِ أنْ يَرجِعوا على المَحمولِ عنه بما دفَعوا عنه حتى يَحِلَّ الدَّينُ.
هكذا لو مات الذي عليه الحَقُّ كان لِلذي له الحَقُّ أنْ يأخُذَه مِنْ مالِه؛ فإنْ عجَز عنه لَم يَكُنْ له أخْذُه حتى يَحِلَّ الدَّينُ (٢).
وجاء في «مَجلَّةِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ» -وهي على المَذهبِ الحَنبليِّ- المادةِ ١١١٨: أنَّ الدَّينَ المُؤجَّلَ لا يَحِلُّ بمَوتِ الضامِنِ أو المَضمونِ عنه.
لا يَحِلُّ الدَّينُ المُؤجَّلُ بمَوتِ الضامِنِ ولا بمَوتِ المَضمونِ عنه، لكنْ إذا ماتا جَميعًا فإنَّه يَحِلُّ، إلا إذا وَثَّقه الوَرثةُ برَهنٍ يُحرَزُ، أو كَفيلٍ مَليءٍ، بأقَلِّ الأمرَيْن مِنَ المالِ والتَّرِكةِ (٣).
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لأنَّ الدَّينَ لا يَحِلُّ على شَخصٍ بمَوتِ غَيرِه.
(١) «المدونة» (٥/ ٢٥٩، ٢٦٠) تحت باب: في الحميل أو المحتمل به يموت قبل محل الأجل.
(٢) «الأم» (٣/ ٢٠٤).
(٣) «فقه البيع» (١٣٨٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الكفالة
فصل في بيان ما يخرج به الكفيل عن الكفالة
لَا يَتَضَمَّنُ مِلْكَ الْمَضْمُونِ فَهُوَ الْفَرْقُ.
وَكَذَا فَرَّقُوا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ حَتَّى يَثْبُتَ لِلشَّرِيكِ السَّاكِتِ اخْتِيَارَ تَضْمِينِ الْمُعْتِقِ وَاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ فَاخْتِيَارُ أَحَدِهِمَا يُبْطِلُ اخْتِيَارَ الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَارَ الضَّمَانَ صَارَ نَصِيبُهُ مَنْقُولًا إلَى الْمُعْتَقِ عِنْدَ اخْتِيَارِهِ لِأَنَّ الْمَضْمُونَاتِ تُمَلَّكُ عِنْدَ اخْتِيَارِ الضَّمَانِ فَلَوْ اخْتَارَ الِاسْتِسْعَاءَ يَسْعَى وَهُوَ رَقِيقٌ وَإِنَّمَا يُعْتَقُ كُلُّهُ بِأَدَاءِ السِّعَايَةِ وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ وَلَا تَنَافٍ هَهُنَا لِأَنَّ الطَّالِبَ لَا يَمْلِكُ الْمَضْمُونَ بِاخْتِيَارِ الْمُطَالَبَةِ فَيَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْآخَرِ.
ارجع إلى آثار الكفالة: حق المكفول له في المطالبة للاطلاع على جميع المسائل.