مدى إلزامية الوعد في بيع المرابحة

الإسلام > المعاملات المالية > أحكام البيوع والأمانات المرابحة والتولية والإشراك والوضيعة > مدى إلزامية الوعد في بيع المرابحة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 40 دقيقة قراءة

مدى إلزامية الوعد في بيع المرابحة - الأقوال والأدلة

جُمهورِ الفُقهاءِ فلأنَّ الوَعدَ لا يَلزَمُ الواعِدَ أصلًا، وأمَّا عندَ المالِكيَّةِ القائِلينَ بوُجوبِه في الحالةِ المُشارِ إليها فلأنَّ المُقرَّرَ عندَهم أنَّ المَعروفَ لازِمٌ لِمَنْ أوجَبَه على نَفْسِه، ما لَم يَمُتْ أو يُفلِسْ، وبِالمَوتِ سقَط التِزامُه وتَلاشى، فلا يُؤخَذُ مِنْ تَرِكَتِه شَيءٌ لِأجْلِه.

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: والمَعروفُ على مَذهبِ مالِكٍ وجَميعِ أصحابِه لازِمٌ لِمَنْ أوجَبَه على نَفْسِه، يَحكُمُ به عليه ما لَم يَمُتْ أو يُفلِسْ (١).

مَدَى إلزاميَّةِ الوَعدِ في بَيعِ المُرابَحةِ:

سبَق الكَلامُ عن حُكمِ الوَعدِ عُمومًا، وأمَّا الوَعدُ ومَدَى إلزاميَّتِه في المُرابَحةِ الآمِرةِ بالشِّراءِ فقد نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ أيضًا على أنَّه لا يَلزَمُ الوَفاءُ بها؛ لأنَّه إذا لَم يَلزَمِ الوَعدُ أصلًا، فلَأنْ يَكونَ لا يَلزَمُ في المُرابَحةِ الآمِرةِ بالشِّراءِ مِنْ بابِ أوْلَى؛ لأنَّ فيها شَيئًا قد يَغفُلُ عنه كَثيرونَ، وهو أنَّ هذا يُعَدُّ بَيعًا قبلَ أنْ يَملِكَه، وهو ما نصَّ عليه الإمامُ الشافِعيُّ، حيثُ قالَ رحمة الله عليه: وإذا أرَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ السِّلعةَ فقالَ: اشتَرِ هذه وأُربِحُكَ فيها كذا، فاشتَراها الرَّجُلُ فالشِّراءُ جائِزٌ، والَّذي قالَ: أُربِحُكَ فيها بالخِيارِ، إنْ شاءَ أحدَثَ فيها بَيعًا، وإنْ شاءَ ترَكه، وهكذا إنْ قالَ: اشتَرِ لي مَتاعًا، ووصَفه له، أو مَتاعًا أيَّ مَتاعٍ شِئتَ، وأنا أُربِحُكَ فيه، فكلُّ هذا سَواءٌ، يَجوزُ البَيعُ الأوَّلُ، ويَكونُ هذا فيما أعطَى مِنْ نَفْسِه بالخيارِ، وسَواءٌ في هذا ما وُصِفَ، إنْ كانَ قالَ: ابتَعْه وأنا أشتَريه مِنْكَ بنَقدٍ، أو دَيْنٍ، يَجوزُ البَيعُ الأوَّلُ،

(١) «البيان والتحصيل» (١٥/ ٣٢٤).

ويَكونانِ بالخيارِ في البَيعِ الآخَرِ، فإنْ جَدَّداه جازَ، وإنْ تَبايَعا به على أنْ ألزَما أنفُسَهما الأمْرَ الأوَّلَ فهو مَفسوخٌ مِنْ قِبَلِ شَيئَيْنِ:

أحَدُهما: أنَّه تَبايَعاه قبلَ أنْ يَملِكَه البائِعُ.

والآخَرُ: أنَّه على مُخاطَرةِ أنَّكَ إنِ اشتَرَيتَه على كذا أُربِحُكَ فيه كذا (١).

وهو أيضًا ما ذكَره الإمامُ مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشَّيبانيُّ في كِتابِه: «المَخارِجُ في الحِيَلِ»، جاءَ فيه: قُلتُ: أرَأيتَ رَجُلًا أمَرَ رَجُلًا أنْ يَشتَريَ دارًا بألْفِ دِرهَمٍ، وأخبَرَه بأنَّه إنْ فعَل اشتَراها الآمِرُ منه بألْفٍ ومِئةٍ؛ فخافَ المَأمورُ إنِ اشتَراها أنْ يَبدوَ لِلآمِرِ في شِرائِها؟ قالَ: يَشتَري الدَّارَ على أنَّه بالخيارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ فيها، ويَقبِضُها، ثم يَأتيه الآمِرُ فيَقولُ له: قد أخَذتُها منكَ بألْفٍ ومِئةٍ، فيَقولُ المَأمورُ: هي لَكَ بذلك (٢).

فهو يَنُصُّ على أنَّ الوَعدَ في هذا لا يَلزَمُ؛ لأنَّه لو كانَ لازِمًا لَم يَحتَجْ إلى الخيارِ، وهو ما ذكَره الإمامُ ابنُ القَيِّمُ، حيثُ قالَ رحمة الله عليه: المِثالُ الحادي بعدَ المِئةِ: رَجُلٌ قالَ لِغيرِه: اشتَرِ هذه الدَّارَ أو هذه السِّلعةَ مِنْ فُلانٍ بكذا وكذا، وأنا أُربِحُكَ فيها كذا وكذا، فخافَ إنِ اشتَراها أنْ يَبدوَ لِلآمِرِ فلا يُريدَها، ولا يَتمكَّنَ مِنْ الرَّدِّ، فالحيلةُ أنْ يَشتَريَها على أنَّه بالخيارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ أو أكثَرَ، ثم يَقولَ لِلآمِرِ: قد اشتَرَيتُها بما ذَكَرتَ، فإنْ أخَذها منه وإلَّا تَمكَّنَ مِنْ رَدِّها على البائِعِ بالخيارِ، فإنْ لَم يَشتَرِها الآمِرُ إلَّا بالخِيارِ فالحيلةُ أنْ

(١) «الأم» (٣/ ٣٩).
(٢) «المخارج في الحيل» لمحمد بن الحسن ص (٤٠).

يَشترِطَ له خِيارًا أنقَصَ مِنْ مُدَّةِ الخيارِ التي اشتَرطَها هو على البائِعِ لِيَتَّسِعَ له زَمَنُ الرَّدِّ إنْ رُدَّتْ عليه (١).

وقد تَكلَّمَ المالِكيَّةُ أيضًا عن المُرابَحةِ الآمِرةِ بالشِّراءِ فذَكَروها في بُيوعِ العِينةِ -كما تَقدَّمَ- فقالوا: يَجوزُ لِمَنْ طُلِبتْ منه سِلعةٌ ليسَتْ عندَه أنْ يَشتَريَها مِنْ رَجُلٍ مِنْ أهلِ العِينةِ -وأهلُ العِينةِ قَومٌ نَصَّبوا أنفُسَهم لِطَلَبِ شِراءِ السِّلَعِ منهم، وليسَتْ عندَهم، فيَذهَبونَ إلى التُّجَّارِ لِيَشتَروها بثَمَنٍ لِيَبيعوها لِلطالِبِ-، وسَواءٌ باعوها لِطالِبِها بثَمَنٍ حالٍّ، أو مُؤجَّلٍ، أو بَعضُه حالٌّ، وبَعضُه مُؤجَّلٌ؛ لِيَبيعَها لِمَنْ طَلَبَها منه بمُعجَّلٍ أو بمُؤجَّلٍ.

أمَّا إذا قالَ الطالِبُ لِلسِّلعةِ: اشتَرِها بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا آخُذُها منكَ باثنَيْ عشَرَ لِأجَلٍ؛ فيُمنَعُ؛ لِمَا فيه مِنْ تُهمةِ سَلَفٍ جَرَّ نَفعًا؛ لأنَّه كأنَّه سَلَّفَه عَشَرةً ثَمَنَ السِّلعةِ يَأخُذُ عنها بعدَ الأجَلِ اثنَيْ عشَرَ.

ثم تارةً يَقولُ الطالِبُ: خُذْها لي، وتارةً لا يَقولُ: لي؛ فتَلزَمُ السِّلعةُ الطالِبَ بالعَشَرةِ نَقدًا، إنْ قالَ لِلمَطلوبِ منه: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ … إلخ، ولِلمَطلوبِ مِنه الأقَلُّ مِنْ جُعلِ مِثلِه، ومِن الرِّبحِ، وفَسخُ البَيعِ الثاني وهو الِاثنا عشَرَ لِأجَلٍ، ثم إنْ كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً في يَدِ الآمِرِ رُدَّتْ لِلمَأمورِ بعَينِها، وإنْ فاتَتْ في يَدِ الآمِرِ بمُفوِّتِ البَيعِ الفاسِدِ رَدَّ قيمَتَها يَومَ القَبضِ حالَّةً، بالِغةً ما بَلَغتْ، زادَتْ على الاثنَيْ عشَرَ أو نَقَصتْ.

(١) «إعلام الموقعين» (٤/ ٢٩).

وقيلَ: إنَّ البَيعَ الثاني يَمضي مع الآمِرِ باثنَيْ عشَرَ لِلأجَلِ، ولا يُفسَخُ، كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً أو فائِتةً.

فإنْ لَم يَقُلْ: لي -في الفَرضِ المَذكورِ-، مَضى الثاني بالِاثنَيْ عشَرَ لِلأجَلِ؛ لِبُعدِ تُهمةِ السَّلَفِ بمَنفَعةٍ، ولزِمه -أي: الآمِرَ- الِاثنا عشَرَ لِلأجَلِ؛ لأنَّ ضَمانَها مِنْ المَأمورِ لو هلَك قبلَ شِراءِ الثاني، ولو شاءَ الآمِرُ عَدَمَ الشِّراءِ كانَ له ذلك؛ لأنَّها لَم تَلزَمْه.

وإلَّا أنْ يَقولَ: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا، وآخُذُها باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ فيُمنَعُ إنْ شرَط الطالِبُ النَّقدَ على المَأمورِ، بأنْ قالَ له: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ بشَرطِ أنْ تَنقُدَها عَنِّي، وأنا أشتَريها منكَ باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ لأنَّه حينَئذٍ قد جعَل له دِرهمَيْنِ في نَظيرِ سَلَفِه وتَوليَتِه الشِّراءَ؛ فهو سَلَفٌ وإجارةٌ بشَرطٍ.

ولَزِمتِ السِّلعةُ الطالِبَ بالعَشَرةِ، ولِلمَأمورِ في نَظيرِ عَمَلِه الأقَلُّ مِنْ جُعلِ مِثلِه، أو الدِّرهَمانِ فيهما، أي: في هذه، وفي أوَّلِ قِسمَيَّ التي قبلَها، وهي قَولُه: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا وآخُذُها باثنَيْ عشَرَ لِأجَلٍ.

وجازَ النَّقدُ بغيرِ شَرطٍ مِنْ الطالِبِ، بَلْ تَطوُّعًا، وله الدِّرهَمانِ، كنَقدِ الآمِرِ؛ فإنَّه جائِزٌ، بأنْ قالَ له: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا -ونَقدَها إيَّاها-، وأنا آخُذُها باثنَيْ عشَرَ نَقدًا، وله الدِّرهَمانِ؛ لأنَّهما أُجرةٌ، وإنْ لَم يَقُلْ: لي -في هذا الفَرضِ-، وهو ما إذا شرَط الطالِبُ النَّقدَ على المَأمورِ كُرِهَ، كقَولِ بائِعٍ لِمُشتَرٍ: خُذْ مِنِّي بمِئةٍ ما -أي: سِلعةً- بثَمانينَ قيمةً؛ لِمَا فيه مِنْ رائِحةِ الرِّبا، ولا سيَّما إذا قالَ له المُشتَري: سَلِّفْني ثَمانينَ، وأنا أرُدُّ لَكَ عنها مِئةً؛ فقالَ المَأمورُ: هذا رِبًا، بَلْ خُذْ منِّي بمِئةٍ … إلَخ. أو قالَ شَخصٌ لِآخَرَ: اشتَرِها

وأنا أُربِحُكَ، ولَم يُعيِّنْ له قَدْرَ الرِّبحِ؛ فإنَّه يُكرَهُ؛ فإنْ عَيَّنَه مُنِعَ.

وإنْ قالَ: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ لِأجَلٍ وأنا أشتَريها منكَ بثَمانيةٍ نَقدًا؛ يُمنَعُ؛ لِمَا فيه مِنْ السَّلَفِ بزيادةٍ، لأنَّه سَلَّفَه الثَّمانيةَ المَنقودةَ على أنْ يَشتَريَها له بعَشَرةٍ، كذا قيلَ، ولا وَجْهَ له، كما عندَ الدُّسوقيِّ والصاويِّ.

وذكَر ابنُ رُشدٍ وغيرُه أنَّ وَجْهَ المَنعِ أنَّ الآمِرَ استَأجَرَ المَأمورَ على أنْ يَشتَريَ له السِّلعةَ بسَلَفِه الثَّمانيةَ يَنقُدُها له يَنتفِعُ بها إلى الأجَلِ، ثم يَرُدُّها له، أي: والآمِرُ يَدفَعُ له العَشَرةَ عندَ الأجَلِ لِلبائِعِ الأصليِّ. اه. قالَ الصاويُّ: وهذا بَعيدٌ أيضًا، لا يَقتَضي الحُرمةَ، فتأمَّلْ (١).

وتَلزَمُ السِّلعةُ الآمِرَ بما أمَرَ، وهو العَشَرةُ لِأجَلِها، ولا يُعجِّلُ له الأقَلَّ، وهو الثَّمانيةُ في المِثالِ؛ فإنْ عجَّل الأقَلَّ لِلمَأمورِ رَدَّ لِلآمِرِ، ولِلمَأمورِ جُعلُ مِثلِه.

وإنْ لَم يَقُلْ: لي؛ فُسِخَ البَيعُ الثاني؛ فتُرَدُّ السِّلعةُ لِلمَأمورِ إنْ كانَتْ قائِمةً؛ فإنْ فاتَتْ فالقيمةُ على الآمِرِ يَومَ قَبضِها على أحَدِ القَولَيْنِ.

والثاني: لا يُفسَخُ، بَلْ يُمضي بالثَّمانيةِ نَقدًا، وعلى المَأمورِ العَشَرةُ لِلأجَلِ لِرَبِّ السِّلعةِ (٢).

(١) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٦/ ٣٩٧).
(٢) «الشرح الكبير» (٤/ ١٤٣، ١٤٦)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٤٢٠، ٤٢٢)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٢٤٣، ٢٤٥)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ١٠٥، ١٠٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٦/ ٣٩٦، ٣٩٦)، وكتاب: «الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية» ص (٦١٠، ٦١١).

وقد بيَّن الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه مَسائِلَ العِينةِ، وبيَّن الجائِزَ منها والمَكروهَ والمَحظورَ، فقالَ: العِينةُ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ: جائِزةٌ، ومَكروهةٌ، ومَحظورةٌ.

فالجائِزةُ أنْ يَأتيَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ منهم فيَقولَ له: أعندَكَ سِلعةُ كذا وكذا تَبيعُها مني بدَيْنٍ؟ فيَقولَ: لا؛ فيَذهَبَ عنه فيَبتاعَ المَسؤولُ تلك السِّلعةَ لِنَفْسِه، ثم يَلقاه فيَقولَ له: عِندي ما سَألتَ، فيَبيعَ ذلك منه.

والمَكروهةُ أنْ يَقولَ له: عندَكَ كذا وكذا تَبيعُه مني بدَيْنٍ؟ فيَقولَ: لا؛ فيَقولَ له: ابتَعْ ذلك وأنا أبتاعُه مِنْكَ بدَيْنٍ وأُربِحُكَ فيه؛ فيَشتَريَ ذلك ثم يَبيعَه منه على ما تَواعَدا عليه.

والمَحظورةُ أنْ يَقولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا بكذا وكذا، وأنا أشتَريها مِنْكَ بكذا وكذا، وهذا الوَجْهُ فيه سِتُّ مَسائِلَ تَفترِقُ أحكامُها بافتِراقِ مَعانيها:

إحداها: أنْ يَقولَ لَهُ: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا وأنا أشتَريها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ فهذا أجازَه مالِكٌ مَرَّةً، إذا كانَتِ البَيعَتانِ بالنَّقدِ وانتَقَدَ، وكَرِهَه مَرَّةً لِلمُراوَضةِ التي وَقَعتْ بينَهما في السِّلعةِ قبلَ أنْ تَصيرَ في مِلْكِ المَأمورِ.

والثانيةُ: أنْ يَقولَ لَهُ: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ فهذا لا يَجوزُ، إلَّا أنَّه اختُلِفَ فيه إذا وقَع على قَولَيْنِ:

أحَدُهما: أنَّ السِّلعةَ لازِمةٌ لِلآمِرِ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ لأنَّ المَأمورَ كانَ

ضامِنًا لَها لو تلِفتْ في يَدِه قبلَ أنْ يَبيعَها مِنْ الآمِرِ، ويُستحَبُّ له أنْ يَتورَّعَ فلا يَأخُذَ منه إلَّا ما نُقِدَ فيها، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ في سَماعِ سَحنونٍ مِنْ كِتابِ البَضائِعِ والوَكالاتِ، ورِوايَتِه عن مالِكٍ.

والآخَرُ: أنَّ البَيعَ يُفسَخُ وتُرَدُّ السِّلعةُ إلى المَأمورِ، إلَّا أنْ تَفوتَ، فتَكونَ فيه القيمةُ مُعجَّلةً، كما يُفعَلُ في البَيعِ الحَرامِ، لأنَّه باعَه إيَّاها قبلَ أنْ يَجِبَ له، فيَدخُلُه بَيعُ ما ليسَ عندَكَ.

والثالِثةُ: عَكسُها، وهو أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، وأنا أبتاعُها مِنْكَ بعَشَرةٍ نَقدًا؛ فهذا لا يَجوزُ أيضًا، إلَّا أنَّه يُختلَفُ فيه إذا وقَع على القَولَينِ المَذكورَيْنِ، يَلزَمُ الآمِرَ السِّلعةُ بالعَشَرةِ نَقدًا. ويُستحَبُّ له أنْ يَزيدَه الدِّينارَيْنِ على القَولِ الأوَّلِ، ويُفسَخُ البَيعُ على القَولِ الثاني، وتُرَدُّ السِّلعةُ إلى المَأمورِ، إلَّا أنْ تَفوتَ بيَدِ الآمِرِ، فتَكونَ عليه فيها القيمةُ، كما يُفعَلُ في البَيعِ الحَرامِ على القَولِ الثاني، وهو قَولُ ابنِ حَبيبٍ.

والرابعةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ؛ فهذا مَرجِعُ الأمرِ فيه إلى أنَّ الآمِرَ استَأجَرَ المَأمورَ على أنْ يَبتاعَ له السِّلعةَ بدينارَيْنِ أُجرةً؛ فإنْ كانَ النَّقدُ مِنْ عِنْدِ الآمِرِ، أو مِنْ عِنْدِ المَأمورِ بغيرِ شَرطٍ فهو جائِزٌ، وإنْ كانَ مِنْ عِنْدِ المَأمورِ بشَرطٍ كانَتْ إجارةً وسَلَفًا؛ لأنَّه استَأجَرَه بدينارَيْنِ على أنْ يَشتَريَ له السِّلعةَ ويَنقُدَ عنه؛ فتَكونَ له إجارةُ مِثلِه، إلَّا أنْ يَكونَ أكثَرَ مِنْ الدِّينارَيْنِ؛ فلا يُزادَ عليهما على مَذهبِ ابنِ القاسِمِ في البَيعِ والسَّلَفِ إذا كانَ السَّلَفُ مِنْ عِنْدِ البائِعِ وفاتَتِ السِّلعةُ، فلِلبائِعِ الأقَلُّ مِنْ القيمةِ أو الثَّمنِ، وإنْ قَبضَ السَّلَفَ، وتَكونُ له إجارةُ مِثلِه

بالِغةً ما بَلَغتْ على مَذهبِ ابنِ حَبيبٍ في البَيعِ والسَّلَفِ إذا قبَض السَّلَفَ وفاتَتِ السِّلعةُ، ففيها القيمةُ بالِغةً ما بَلَغتْ؛ والأصَحُّ ألَّا تَكونَ له أُجرةُ؛ لأنَّا إنْ أعطَيناه الأُجرةَ كانَ الثَّمنُ ثَمَنًا لِلسَّلَفِ؛ فكانَ ذلك تَتميمًا لِلرِّبا الذي عَقَدا عليه، وهو قَولُ سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، وهذه الأقوالُ الثَّلاثةُ إذا عُثِرَ على الآمِرِ بعدَ أنْ نقَد المَأمورَ الثَّمنَ وقبلَ أنْ يَحُلَّ الأجَلُ؛ لأنَّ السَّلَفَ -وإنْ كانَ حالًّا- لا بدَّ مِنْ الحُكمِ فيه بأجَلٍ، ولو عُثِرَ على الآمِرِ بعدَ أنِ ابتاعَ المَأمورُ السِّلعةَ وقبلَ أنْ يَنقُدَ الثَّمنَ، كانَ النَّقدُ على الآمِرِ، ولَم يَكُنْ فيما يَجِبُ لِلمَأمورِ مِنْ الأُجرةِ إلَّا قَولانِ: أحَدُهما: له الأُجرةُ، بالِغةً ما بَلَغتْ، والآخَرُ: له الأقَلُّ، ولو لَم يُعثَرْ على ذلك إلَّا بعدَ حُلولِ الأجَلِ، لَم يَكُنْ فيما يَجِبُ لِلمَأمورِ مِنْ الأُجرةِ إلَّا قَولانِ: أحَدُهما: له الأُجرةُ بالِغةً ما بَلَغتْ، والآخَرُ: لا شَيءَ له.

والخامِسةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ لي سِلعةَ كذا وكذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ فهذا حَرامٌ، لا يَحِلُّ ولا يَجوزُ؛ لأنَّه رَجُلٌ ازدادَ في سَلَفِه؛ فإنْ وقَع ذلك لَزِمتِ السِّلعةُ لِلآمِرِ؛ لأنَّ الشِّراءَ كانَ له، وإنَّما أسلَفَه المَأمورُ ثَمَنَها لِيأخُذَ منه أكثَرَ منه إلى أجَلٍ؛ فيُعطيَه العَشَرةَ مُعجَّلةً، ويَطرَحَ عنه ما أرْبَى، ويَكونَ له أُجرةُ مِثلِه بالِغةً ما بَلَغتْ في قَولٍ، والأقَلُّ مِنْ أُجرةِ مِثلِه، أو الدِّينارانِ في قَولٍ، ولا يَكونُ له شَيءٌ في قَولٍ؛ لِئَلَّا يَكونَ ذلك تَتميمًا لِلرِّبا فيما بينَهما على ما مَضَى مِنْ الِاختِلافِ في المَسألةِ التي قبلَها.

وقالَ في سَماعِ سَحنونٍ: إنْ لَم تَفُتِ السِّلعةُ فُسِخَ البَيعُ وهو بَعيدٌ، فقيلَ: مَعنَى ذلك إذا عَلِمَ البائِعُ الأوَّلُ بعَمَلِهما.

والسادِسةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ لي سِلعةَ كذا باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، وأنا أشتَريها مِنْكَ بعَشَرةٍ نَقدًا؛ فهذا حَرامٌ لا يَجوزُ، ومَكروهٌ إذا استَأجَرَ المَأمورَ على أنْ يَبتاعَ له السِّلعةَ بسَلَفِ عَشَرةِ دَنانيرَ يَدفَعُها إليه يَنتَفِعُ بها إلى أجَلٍ ثم يَرُدُّها إليه؛ فإذا وقَع ذلك لَزِمتِ الآمِرَ السِّلعةُ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، لأنَّ الشِّراءَ كانَ له، ولا يَتعجَّلِ المَأمورُ منه العَشَرةَ النَّقدَ، وإنْ كانَ قد دَفَعَها إليه صرَفها عليه، ولَم تُترَكْ عندَه إلى الأجَلِ، وكانَ له جُعلُ مِثلِه بالِغًا ما بلَغ في هذا الوَجهِ باتِّفاقٍ، واللَّهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الإمامُ أبو الحَسَنِ علِيُّ بنُ سَعيدٍ الرَّجراجيُّ رحمة الله عليه في «مناهِجِ التَّحصيلِ ونَتائِجِ لَطائِفِ التَّأويلِ في شَرحِ المُدوَّنةِ وحَلِّ مُشكِلاتِها»: المَسألةُ الخامِسةُ: في العِينةِ:

وقد فسَّرها في المُدوَّنةِ، وهي أنْ يَبيعَ الرَّجُلُ السِّلعةَ إلى أجَلٍ، ثم يَبيعَها هذا المُشتَري الآخَرُ مِنْ البائِعِ الأوَّلِ نَقدًا بأقَلَّ ممَّا اشتَراها به.

وسُمِّيتْ عِينةً لِدُخولِ العَينِ فيها بنَقدِ المُشتَري الأوَّلِ، ثم باعَها بالتَّأخيرِ.

والعِينةُ على أربَعةِ أسئِلةٍ:

أحَدُها: حَرامٌ.

والثاني: مَكروهٌ.

والثالِثُ: جائِزٌ.

(١) «البيان والتحصيل» (٧/ ٨٦، ٨٩) و (٨/ ٢٢١).

والرابعُ: مُختلَفٌ فيه.

فأمَّا السُّؤالُ الأوَّلُ: الذي هو رِبًا حَرامُ المُحرَّمُ بالِاتِّفاقِ، وهو أنْ يُراوِضَ الرَّجُلُ على ثَمَنِ السِّلعةِ التي يُساوِمُه فيها، لِيَبيعَها منه، ثم على ثَمَنِه الذي يَشتَريها منه بعدَ ذلك نَقدًا، أو يُراوِضَه على رِبحِ السِّلعةِ التي يَشتَريها له مِنْ غيرِه؛ فيَقولَ له: اشتَرِها منه على أنْ أُربِحَكَ فيها كذا، أو لِلعَشَرةِ كذا، قالَ ابنُ حَبيبٍ: فهذا حَرامٌ.

قالَ: وكذلك لو قالَ له: اشتَرِها وأنا أُربِحُكَ، وإنْ لَم يُسَمِّ ثَمَنَها، قالَ: وذلك كُلُّه رِبًا، ويُفسَخُ، وليسَ فيه إلَّا رَأسُ المالِ.

وأمَّا السُّؤالُ الثاني: وهو المَكروهُ؛ فمِثلُ أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا، وأنا أُربِحُكَ فيها، مِنْ غيرِ مُراوَضةٍ ولا تَسميةِ رِبحٍ، أو لا يُصرِّحَ بذلك، ولكنْ يُعرِّضُ به، قالَ ابنُ حَبيبٍ: فهذا يُكرَهُ.

قالَ ابنُ نافِعٍ عن مالِكٍ: ولا أُبلِّغُ به الفَسخَ.

وقالَ فَضلُ بنُ سَلَمةَ: وهذا على قَولِ ابنِ القاسِمِ: والذي يَجِبُ أنْ يُفسَخَ شِراءُ الأمرِ.

وكذلك كَرِهوا أنْ يَقولَ له: لا يَحِلُّ لي أنْ أُعطيَكَ ثَمانينَ في مِئةٍ.

وأمَّا السُّؤالُ الثالِثُ: وهو الجائِزُ؛ فمِثلُ ألَّا يَتَواعَدَ معه على شَيءٍ، لا يُفاوِضُ مع المُشتَري فيه، كالرَّجُلِ يَقولُ لِلرَّجُلِ: أعندَكَ سِلعةُ كذا؟ فيَقولُ: لا؛ فيَنقلِبُ منه على غيرِ مُواعَدةٍ، فيَشتَريها التاجِرُ، ثم يُبقي صاحِبُه تلك السِّلعةَ: فهذا جائِزٌ له أنْ يَبيعَها منه بما شاءَ، وبه قالَ مُطرِّفٌ.

قالَ ابنُ حَبيبٍ: ما لَم يَكُنْ عن مُواعَدةٍ أو تَعريضٍ أو عادةٍ، قالَ: وكذلك ما اشتَراه الرَّجُلُ لِنَفْسِه لِمَنْ شارَكَه منه بنَقدٍ أو كالَ مِنْ غيرِ أنْ يُواعِدَ في ذلك أحَدًا يَشتَريه عنه ولا يَبيعُه.

وكذلك الرَّجُلُ يَشتَري السِّلعةَ لِنَفْسِه ولِحاجَتِه، ثم يَبدو له فيَبيعُها أو يَبيعُ دارَ سُكناه ثم يَشُقُّ عليه النَّقلةُ منها فيَشتَريها، أو كانَتْ جاريةً فيَبيعُها، فهؤلاء ما استَقالوا مِنه أو زادوا فيه فلا بَأْسَ به، وقالَ مُطرِّفٌ عن مالِكٍ.

وأمَّا السُّؤالُ الرابعُ المُختلَفُ فيه فهو ما اشتَراه المُبتاعُ بثَمَنٍ بَعضُه مُعجَّلٌ وبَعضُه مُؤجَّلٌ، فالمَذهبُ على قَولَيْنِ:

أحَدُهما: الجَوازُ، وهو مَشهورُ المَذهبِ، وهو ظاهِرُ المَذهبِ.

والآخَرُ: التَّفصيلُ بينَ أهلِ العِينةِ وغيرِهم؛ فيَجوزُ لِغيرِ أهلِ العِينةِ، ويُكرَهُ لِأهلِ العِينةِ، وهذا قَولُ مالِكٍ في العُتْبيةِ.

وقالَ ابنُ حَبيبٍ: مثلَ أنْ يَشتَريَ طَعامًا أو غيرَه على أنْ يَنقُدَ بَعضَ ثَمَنِه ويُؤجِّرَ بَعضَه إلى أجَلٍ؛ فكَأنَّه باعَه بعَشَرةٍ نَقدًا وعَشَرةٍ إلى أجَلٍ؛ فقالَ: خُذْ وبِعْ منه بما تُريدُ أنْ تَنقُدَه، وما بَقيَ فهو لَكَ ببَقيَّةِ الثَّمنِ إلى أجَلٍ، فلا يَعمَلُ ذلك إلَّا أهلُ العِينةِ، قالَ: وهذا قَولُ مالِكٍ، وقد رُوجِعَ به غيرَ مَرَّةٍ، وقالَ: أنا قُلتُه، وقالَه رَبيعةُ قَبلي. والحَمدُ لِلَّهِ وَحدَه (١).

(١) «مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مُشكِلاتها» (٦/ ٢٢٥، ٢٢٧)

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل في بيع المرابحة]

(فَصْلٌ) جَازَ مُرَابَحَةً

ــ

منح الجليل

فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَمِنْ الْعُرُوضِ وَالتَّوْلِيَةِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ حُكْمُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَالشَّرِكَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ التَّوْلِيَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ هُوَ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْعَرْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَأَمَّا فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِيهَا، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ ابْتَعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً وَنَقَدْته ثَمَنَهَا ثُمَّ أَقَلْته وَافْتَرَقْتُمَا عَلَى أَنْ تَقْبِضَ رَأْسَ مَالِكِ وَأَخَّرْته بِهِ إلَى سَنَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَالْإِقَالَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ اهـ كَلَامُ الْحَطّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ الْبُنَانِيُّ التَّرْتِيبُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الصَّرْفِ وَابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَشَدَّدُوا فِي الصَّرْفِ وَخَفَّفُوا فِي الْآخَرِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعْفِهِ اُنْظُرْ الْحَطّ.

فَصْلٌ فِي بَيْع الْمُرَابَحَةِ

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب البيع مرابحة

باب البيع مرابحة

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا بَاعَهُ مُرَابَحَةً عَلَى الْعَشَرَةِ وَاحِدٌ وَقَالَ قَامَتْ عَلَيَّ بِمَائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ أَخْطَأْتُ وَلَكِنَّهَا قَامَتْ عَلَيَّ بِتِسْعِينَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ لِلْمُشْتَرِي بِرَأْسِ مَالِهَا وَبِحِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ. وَجُمْلَةُ الْبُيُوعِ ثَلَاثَةٌ: بَيْعُ مُسَاوَمَةٍ، وَبَيْعُ مُرَابَحَةٍ، وَبَيْعُ مُخَاسَرَةٍ. فَأَمَّا بَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ. وَهُوَ أَنْ يَسْتَامَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيَطْلُبَهَا الْمُشْتَرِي بِثَمَانِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ يَتَقَرَّرُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْمُمَاكَسَةِ عَلَى تِسْعِينَ دِرْهَمًا. وَأَمَّا بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوْبَ مُرَابَحَةً عَلَى أَنَّ الشِّرَاءَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَأَرْبَحُ فِي كُلِّ عَشْرَةٍ واحد فَهَذَا بَيْعٌ جَائِزٌ لَا يُكْرَهُ. وَحُكِيَ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ مَعَ جَوَازِهِ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب بيع المرابحة
الباب الثاني في حكم ما وقع من الزيادة أو النقصان في خبر البائع بالثمن

يَتَوَلَّاهُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ بِنَفْسِهِ; كَالسَّمْسَرَةِ، وَالطَّيِّ، وَالشَّدِّ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بَلْ يَحْمِلُ عَلَى ثَمَنِ السِّلْعَةِ كُلَّ مَا نَابَهُ عَلَيْهَا.

وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَجُوزُ الْمُرَابَحَةُ إِلَّا بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ السِّلْعَةَ فَقَطْ إِلَّا أَنْ يَفْصِلَ وَيَفْسَخَ عِنْدَهُ إِنْ وَقَعَ قَالَ; لِأَنَّهُ كَذِبٌ; لِأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: ثَمَنُ سِلْعَتِي كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ.

وَأَمَّا صِفَةُ رَأْسِ الثَّمَنِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَه بِهِ: فَإِنَّ مَالِكًا، وَاللَّيْثَ قَالَا فِيمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِدَنَانِيرَ، وَالصَّرْفُ يَوْمَ اشْتَرَاهَا صَرْفٌ مَعْلُومٌ، ثُمَّ بَاعَهَا بِدَرَاهِمَ، وَالصَّرْفُ قَدْ تَغَيَّرَ إِلَى زِيَادَةٍ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْلَمَ يَوْمَ بَاعَهَا بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي اشْتَرَاهَا; لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَكَذَلِكَ إِنِ اشْتَرَاهَا بِدَرَاهِمَ ثُمَّ بَاعَهَا بِدَنَانِيرَ وَقَدْ تَغَيَّرَ الصَّرْفُ.

وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِيمَنِ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِعُرُوضٍ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً أَمْ لَا يَجُوزُ؟ فَإِذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَهَلْ يَجُوزُ بِقِيمَةِ الْعَرَضِ، أَوْ بِالْعَرَضِ نَفْسِهِ؟

فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ مِنَ الْعُرُوضِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْقِيمَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَجُوزُ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِشَيْءٍ مِنَ الْعُرُوضِ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً; لِأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِعُرُوضٍ عَلَى صِفَةِ عَرَضِهِ، وَفِي الْغَالِبِ لَيْسَ يَكُونُ عِنْدَهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 27 - 37

ارجع إلى أحكام البيوع والأمانات المرابحة والتولية والإشراك والوضيعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله