الركن الثاني: العاقدان

الإسلام > المعاملات المالية > أركان الرهن > الركن الثاني: العاقدان

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

الركن الثاني: العاقدان - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الثاني: العاقدانِ:

هُما الراهِنُ والمُرتَهَنُ: فالراهِنُ هو المَدينُ، أي: الذي عليه الدَّيْنُ، وذِمَّتُه مَشغولةٌ به تِجاهَ المُرتَهَنِ، والمُرتَهَنُ: هو الدائِنُ الذي له الدَّيْنُ في ذِمَّةِ الراهِنِ، وهو الذي تُوضَعُ العَينُ المَرهونةُ تَحتَ يَدِه وسُلطانِه.

وقد اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ فيهما العَقلُ، فلا يَصحُّ رَهنُ المَجنونِ والصَّبيِّ الذي لا يَعقِلُ؛ سَواءٌ أكانَ بنَفْسَيْهما أم بوَكيلَيْهما؛ لأنَّ الصَّغيرَ غيرُ المُمَيِّزِ والمَجنونَ لا عَقلَ لهما، والعَقلُ شَرطٌ في جَميعِ التَّصرُّفاتِ، وفي هذه الحالةِ إذا رَهَن شَخصٌ مالًا عندَ صَبيٍّ غيرِ مُمَيِّزٍ وسَلَّمَه إيَّاه وضاعَ ذلك المالُ لِعَدَمِ اقتِدارِ الصَّبيِّ على حِفظِه لا يَلزَمُ الضَّمانُ.

ثم اختَلَفوا في رَهنِ الصَّبيِّ الذي يَعقِلُ، هل يَصحُّ منه أو لا؟

فقال الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ: يَصحُّ منه، وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: لا يَصحُّ.

قال الحَنفيَّةُ: البُلوغُ ليس بشَرطٍ لِصِحَّةِ الرَّهنِ حتى يَجوزَ مِنَ الصَّبيِّ المأذونِ؛ لأنَّ ذلك مِنْ تَوابِعِ التِّجارةِ، فيَملِكُه مَنْ يَملِكُ التِّجارةَ؛ ولأنَّ الرَّهنَ والارتِهانَ مِنْ بابِ إيفاءِ الدَّينِ واستِيفائِه، وهُما يَملِكانِ ذلك، وأمَّا الصَّبيُّ غيرُ المأذونِ له فيَصحُّ، ولكنْ يَتوقَّفُ على إجازةِ الوَليِّ (١).

وقال المالِكيَّةُ: وشَرطُهما -أي: الراهِنِ والمُرتَهَنِ- التَّأهُّلُ لِلبَيعِ صِحَّةً

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٣٥)، و «مجلة الأحكام» مادة (٧٠٨)، و «درر الحكام» (٢/ ٧٥).

ولُزومًا، فيَصحُّ مِنَ المُكلَّفِ الرَّشيدِ، ويَلزَمُ ويَصحُّ مِنَ المُميِّزِ ولو كان صَبيًّا أو سَفيهًا، لكنْ لا يَلزَمُ إلا إذا أجازَه الوَليُّ (١).

قالوا: ولِلوَصيِّ أنْ يَرهَنَ مالَ اليَتيمِ رَهنًا فيما يَبتاعُ له مِنْ كِسوةٍ أو طَعامٍ، وليس لِلوَصيِّ أنْ يأخُذَ عُروضَ اليَتيمِ بما أسلَفَه رَهنًا، وإذا رَهَن الأبُ مِنْ مَتاعِ ابنِه الصَّغيرِ في دَينٍ عليه ولَم يُصدِّقْه الوَلَدُ لَم يَجُزِ الرَّهنُ؛ لأنَّه لا يَجوزُ له أخْذُ مالِ وَلَدِه لغَيرِ حاجةٍ (٢).

وقال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: يُشترَطُ في الراهِنِ أنْ يَكونَ غيرَ مَحجورٍ عليه مِنْ أهلِ السَّدادِ، ويَجوزُ لِلوَصيِّ أنْ يَرهَنَ لِمَنْ يَلي النَّظَرَ عليه إذا كان ذلك سَدادًا ودَعَتْ إليه الضَّرورةُ.

ولا يَجوزُ رَهنُ المُفلِسِ.

وكلُّ مَنْ صَحَّ أنْ يَكونَ راهِنًا صَحَّ أنْ يَكونَ مُرتَهَنًا (٣).

وقال الشافِعيَّةُ: يُشترَطُ في كلٍّ منهما كَونُه مُطلَقَ التَّصرُّفِ بأنْ يَكونَ مُكلَّفًا: أي: عاقِلًا بالِغًا غيرَ مَحجورٍ عليه في تَصرُّفاتِه المالِيَّةِ.

فالصَّبيُّ -ولو كان مُميِّزًا- لا يَصلُحُ أنْ يَكونَ راهِنًا ولا مُرتَهَنًا، فلو رَهَن شَيئًا مِنْ مُمتَلكاتِه عندَ أحَدٍ فلا يَصحُّ منه هذا الرَّهنُ، والمُرتَهَنُ ضامِنٌ لِما أخَذَه منه في هذه الحالةِ.

(١) «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٦).
(٢) «المدونة الكبرى» (١٤/ ٣١٤)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٤١٢، ٤١٣).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٠٥).

وكذلك لو رَهَن أحَدٌ عندَه مَتاعًا لا يُعتبَرُ ذلك رَهنًا، ولا تَثبُتُ له أحكامُه.

والمَجنونُ الذي غُلِبَ على عَقلِه مِثلُ الصَّبيِّ.

وذلك لأنَّ الرَّهنَ عَقدٌ تَترتَّبُ عليه أحكامٌ ومَسؤوليَّاتٌ، وكلٌّ مِنَ الصَّبيِّ والمَجنونِ ليسا أهلًا لذلك، فالشَّرعُ لَم يَعتبِرْ أقوالَهما وتَصرُّفاتِهما في العُقودِ؛ لأنَّهما ليسا أهلًا لِلمُؤاخَذةِ.

ولا يَرهَنُ الوَليُّ مالَ الصَّبيِّ والمَجنونِ، ولا يَرتَهِنُ لهما إلا لِضَرورةٍ أو غِبطةٍ ظاهِرةٍ.

والسَّفيهُ كالصَّبيِّ والمَجنونِ فيما ذُكِرَ، وإذا رَهَن الوَليُّ أو الوَصيُّ فلا يَرهَنُ إلا مِنْ أمينٍ غيرِ خائِنٍ، مُوسِرٍ، وأنْ يُشهِدَ على الرَّهنِ، وأنْ يَكونَ الأجَلُ قَصيرًا عُرفًا، فإنْ فُقِدَ شَرطٌ مِنْ هذه الشُّروطِ لَم يَجُزِ الرَّهنُ (١).

وقال الحَنابِلةُ: يَصحُّ الرَّهنُ ممَّن يَصحُّ بَيعُه وتَبرُّعُه؛ لأنَّه تَبرُّعٌ، فكُلُّ مَنْ صَحَّ بَيعُه صَحَّ رَهنُه، فيُشترَطُ في الراهِنِ الذي يَرهَنُ ويَقبِضُ أنْ يَكونَ جائِزَ التَّصرُّفِ في مالِه، وهو الحُرُّ المُكلَّفُ الرَّشيدُ، فلا يَصحُّ الرَّهنُ مِنْ مَحجورٍ عليه لِصِغَرٍ أو جُنونٍ أو سَفَهٍ أو فَلَسٍ، ويُعتبَرُ ذلك في حالِ رَهنِه وإقباضِه؛ لأنَّ العَقدَ والتَّسليمُ ليس بواجِبٍ؛ وإنَّما هو إلى اختيارِ الراهِنِ،

(١) «الوسيط» (٤/ ٧٨، ٧٩)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٢٨١، ٢٨٣)، و «البيان» (٦/ ١٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٩)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٢٧١، ٢٧٢)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٦٥٩)، و «الديباج» (٢/ ١٧٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحوالة
بيان ركن الحوالة

رَجُلَانِ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَكَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ لِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ الْمُتَفَاوِضَانِ إذَا افْتَرَقَا وَعَلَيْهِمَا دَيْنٌ فَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يُطَالِبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

وَأَيُّهُمَا أَدَّى شَيْئًا لَا يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ حَتَّى يَزِيدَ الْمُؤَدَّى عَلَى النِّصْفِ لِمَا ذَكَرْنَا هَذَا إذَا كَفَلَا كَفَالَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَكْفُلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِجَمِيعِ الْمَالِ فَأَمَّا إذَا كَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَالَةً مُتَفَرِّقَةً بِجَمِيعِ الْمَالِ عَنْ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ كَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِمَا عَلَيْهِ فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا شَيْئًا يَرْجِعُ بِكُلِّ الْمُؤَدَّى عَلَى الْأَصِيلِ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ يَرْجِعُ بِنِصْفِهِ عَلَى شَرِيكِهِ لِأَنَّ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ الْكَفَالَةُ عَنْ نَفْسِهِ وَالْكَفَالَةُ عَنْ صَاحِبِهِ عَلَى السَّوَاءِ فَيَقَعُ الْمُؤَدَّى نِصْفُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَنِصْفُهُ عَنْ صَاحِبِهِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْكَفَالَتَيْنِ بِالْمُؤَدَّى وَإِذَا وَقَعَ نِصْفُ الْمُؤَدَّى عَنْ صَاحِبِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ لِيُسَاوِيَهُ فِي الْأَدَاءِ كَمَا سَاوَاهُ فِي الْكَفَالَةِ بِالْمُؤَدَّى بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ هُنَاكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصِيلٌ فِي نِصْفِ الْمَالِ بِالْكَفَالَةِ عَنْ نَفْسِهِ كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ بِالْكَفَالَةِ عَنْهُ فَيَكُونُ مُؤَدِّيًا عَنْ نَفْسِهِ إلَى النِّصْفِ وَهَهُنَا بِخِلَافِهِ لِمَا مَرَّ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الشفعة
القسم الثاني القول في أحكام الشفعة

مَذْهَبُ مَالِكٍ.

وَالْحُجَّةُ لَهُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقْبِهِ» . أَوْ قَالَ: «بِشُفْعَتِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا إِذَا كَانَ غَائِبًا» . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْغَائِبَ فِي الْأَكْثَرِ مُعَوَّقٌ عَنِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، فَوَجَبَ عُذْرُهُ.

وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي: أَنَّ سُكُوتَهُ مَعَ الْعِلْمِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِإِسْقَاطِهَا.

وَأَمَّا الْحَاضِرُ: فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ لَهُ:

فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاجِبَةٌ لَهُ عَلَى الْفَوْرِ بِشَرْطِ الْعِلْمِ وَإِمْكَانِ الطَّلَبِ، فَإِنْ عَلِمَ وَأَمْكَنَ الطَّلَبُ، وَلَمْ يَطْلُبْ بَطُلَتْ شُفْعَتُهُ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إِنْ أَشْهَدَ الْأَخْذ لَمْ تَبْطُلْ وَإِنْ تَرَاخَى.

وَأَمَّا مَالِكٌ: فَلَيْسَتْ عِنْدَهُ عَلَى الْفَوْرِ، بَلْ وَقْتُ وُجُوبِهَا مُتَّسِعٌ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ: هَلْ هُوَ مَحْدُودٌ أَمْ لَا؟ فَمَرَّةً قَالَ: هُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَأَنَّهَا لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يُحْدِثَ الْمُبْتَاعُ بِنَاءً، أَوْ تَغْيِيرًا كَثِيرًا بِمَعْرِفَتِهِ، وَهُوَ حَاضِرٌ عَالِمٌ سَاكِتٌ. وَمَرَّةً حَدَّدَ هَذَا الْوَقْتَ، فَرُوِيَ عَنْهُ السَّنَةَ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ سَنَةٍ، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّ الْخَمْسَةَ أَعْوَامٍ لَا تَنْقَطِعُ فِيهَا الشُّفْعَةُ.

وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ» ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَمَدَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 229 - 231

ارجع إلى أركان الرهن للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله